فى بعض الأعمال الفنية لا تكون الكوميديا وسيلة للضحك بقدر ما تكون مشرطاً حادًا لتشريح عطب اجتماعى مزمن. وهذا تحديدا ما فعله فيلم «برشامة»، الذى بدا للوهلة الأولى عملا كوميديا خفيفا يدور حول ظاهرة الغش فى امتحانات الثانوية العامة، لكنه فى جوهره كان مواجهة فكرية وأخلاقية مع واحدة من أخطر أزمات المجتمع المصرى والعربى.. أزمة الضمير.
لم يكن الغش فى الفيلم مجرد سلوك فردى أو مخالفة عابرة، بل تحول إلى رمز لحالة أوسع من التواطؤ المجتمعى مع الخطأ، وإلى مرآة تعكس ذلك التناقض المؤلم بين ما نعلنه من قيم وما نمارسه من سلوكيات. فالثانوية العامة هنا ليست سوى مسرح رمزى، أما القضية الحقيقية فهى ذلك الضمير الذى يتعرض يوميا لمحاولات التخدير والتغييب، حتى يصبح الاستثناء هو الالتزام، بينما يتحول الانحراف إلى قاعدة اجتماعية مقبولة.
اختار صناع العمل، وفى مقدمتهم آل دياب، أن يقتربوا من ملف شديد الحساسية. فالغش فى امتحانات الثانوية العامة ليس ظاهرة جديدة، بل أزمة مزمنة عابرة للأجيال والعصور. ورغم الحملات والإجراءات والعقوبات، ما زالت تتجدد كل عام، كأنها عرض لمرض أعمق من مجرد مخالفة تعليمية. المرض الحقيقى هو استحلال الخطأ وتبريره، بل وتحويله أحيانًا إلى حق مكتسب.
هنا تكمن براعة الفيلم.
فشخصية هشام ماجد لم تكن مجرد بطل كوميدى، بل كانت تجسيدا حيا لصوت الضمير. رجل قرر أن يتمسك بما يؤمن به من قيم، فوجد نفسه خارج المنظومة كلها. لم يحاربه المخطئون فقط، بل حاصرته شبكة واسعة من المتواطئين والمبررين والمستفيدين. الجميع تقريبا بدا مستعدا للتنازل عن المبادئ مقابل مصلحة عاجلة أو مكسب سريع، بينما ظل هو متمسكا بقناعته، كمن يقف وحيدا فى مواجهة تيار جارف.
وهنا يقدم الفيلم واحدة من أكثر صوره دلالة وعمقا؛ فالمجتمع لا يعادى الفساد دائمًا، بل قد يعادى أحيانًا من يرفض المشاركة فيه. وكأن صاحب الضمير هو المشكلة، لا من قتلوا ضمائرهم.
لهذا بدا «برشامة» قريبا فى روحه من فيلم «عسل أسود». فكما استخدم الأخير السخرية لكشف تناقضات المجتمع وعلاقته بذاته، يستخدم «برشامة» الكوميديا لتفكيك أزمة أخلاقية مركبة، كاشفا عن الشيزوفرينيا الاجتماعية التى تجعل البعض يرفض الغش نظريا، ثم يبرره عمليا عندما تمس الفائدة مصالحه الشخصية.
المفارقة أن بعض الانتقادات التى وُجهت للفيلم أثبتت صحة فكرته أكثر مما نقضتها. فقد حاول البعض اختزال العمل كله فى مشهد أو «إفيه» أو لقطة مجتزأة، متجاهلين بنيته الفكرية ورسائله الأخلاقية الواضحة. والأسوأ من ذلك ما صدر عن بعض الأصوات المنتمية إلى التيار السلفى وحزب النور، التى سارعت إلى إطلاق اتهامات معتادة تتراوح بين المساس بالمقدسات وازدراء الدين.
والحقيقة أن من يشاهد الفيلم بعين منصفة يدرك أنه ينحاز إلى الدين والأخلاق انحيازا كاملا. فالفيلم لا يسخر من العقيدة، بل يسخر من النفاق. ولا يهاجم التدين، بل ينتقد توظيف الدين لتبرير السلوكيات الخاطئة. إنه يهاجم الغش باعتباره فعلا منافيا للقيم الدينية والإنسانية معا.
لكن المشكلة أن بعض الجماعات اعتادت النظر إلى الواقع عبر عدسات أيديولوجية سوداء؛ فإذا عجزت عن فهم الرسالة الحقيقية للعمل، لجأت إلى الاتهام والتخويف وإحياء قضايا الحسبة والتلويح بتهمة ازدراء الأديان، كأنها وحدها الوصى على الإيمان وحارسة العقيدة.
إن أخطر ما يفعله «برشامة» أنه يجبرنا على النظر إلى المرآة. لا يكتفى بإدانة الغش داخل لجان الامتحانات، بل يطرح سؤالًا أكبر وأعمق.ماذا يحدث لمجتمع يصبح فيه الغش سلوكا مقبولا، ويصبح صاحب الضمير شخصا مثيرا للسخرية أو العداء؟
هذا هو السؤال الحقيقى الذى يتركه الفيلم معلقا فى أذهان المشاهدين.
ولهذا فإن «برشامة» ليس مجرد فيلم كوميدى ناجح، بل عمل اجتماعى جريء أعاد فتح ملف ظل طويلا حبيس المجاملات. إنه دعوة إلى مراجعة الذات قبل إدانة الآخرين، وإلى إعادة الاعتبار لقيمة الضمير فى زمن تتزايد فيه محاولات تخديره.
فالأمم لا تنهار حين يكثر الفاسدون فقط، بل حين يشعر أصحاب الضمائر أنهم غرباء فى أوطانهم.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



