رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

قد ينهى بيان الاعتذار والتوضيح الذى أصدره المخرج المسرحى محمد أشرف ميزو أزمة عرض مسرحية «الدحديرة» بكلية الحقوق فى جامعة العاصمة (حلوان سابقًا)، لكنه لن ينهى أزمة مجتمع يحاول أن يشق طريقه إلى مستقبل أفضل، بينما تشده إلى الخلف أفكار وثقافات تضع أمامه العراقيل والحواجز والحفر والمطبات والإشارات الحمراء، وكأنها حراس غلاظ يقيدون حركته إلى الأمام.


لسنا أمام عرض مسرحى فى أزمة عابرة، بل أمام فصل جديد من مواجهة شرسة بين عقلين متصادمين، عقل كل خلاياه السمراء شكلتها ثقافة تأسست على فهم يناهض العصر والمنطق والحضارة باسم الدفاع عن الدين، وعقل آخر خلاياه تنقب عن ثغرة ينفذ منها إلى المستقبل والنهضة والتقدم، ولم يجد فى الدين ما يمنعه من الفن والتفكير الحر والتجريب والمرح وتجاوز الحواجز، ومازالت المعركة بين هذين التصورين مستعرة ويبدو أنها مرشحة للاستمرار سنوات طويلة!
 


كان بيان التوضيح والاعتذار ردًا على بوست نشره على الفيسبوك قبلها بأيام، يشكو من وقف العرض بعد أربعة شهور من العمل المتواصل والتدريبات اليومية، والسبب أن الفن حرام كما أبلغوه!
 


وقال إنهم حاولوا مقابلة العميدة، لكنها رفضت رفضًا تامًا أن تقابلهم، وإن الأزمة بدأت حين نشر طالبان فيديو تحدثا فيه عن معاناتهما وطالبا بحقهما فى ممارسة النشاط المسرحى والتعبير عن مشكلاتهما، ثم بعد ضغوط استجابا لطلبات بحذف الفيديو وتقديم اعتذار، وبالرغم من هذا صدرت الأوامر بمنع الطالبين من المشاركة فى النشاط!
 


لكن المخرج لم يستبعد الطالبين احترامًا لمجهود فريق العمل بالكامل‘ فبدأت المنغصات، انسحاب لجنة المشاهدة، توقف الصوت والإضاءة.. إلخ.
 


وطالب محمد أشرف ميزو بتحقيق عادل وشفاف فى كل ما حدث ومحاسبة المسئول عن تعطيل العرض، والحفاظ على حق الطلاب فى ممارسة نشاطهم الفنى دون تعسف.
 


ويبدو أن بيان الشكوى قلب الدنيا رأسًا على عقب، إلى الدرجة التى تدخل فيها الدكتور أشرف زكى رئيس نقابة المهن التمثيلية وأعضاء مجلس الإدارة، وقال فيه إن المشكلة حُلَّت بهذه المبادرة الطيبة، ويتقدم فريق المسرح بكلية الحقوق بخالص الاعتذار والتقدير لرئيس الجامعة، وخالص الشكر والتقدير لعميدة الكلية، ويعتذر عن أى سوء فهم وحالة توتر صاحبت الأحداث الأخيرة، «ونؤكد أن ما صدر منا كان نابعًا من حرصنا الشديد على النشاط المسرحى الذى ننتمى إليه ونؤمن برسالته، ولم يكن يومًا موجهًا ضد إدارة الكلية أو قياداتها.
 


طبعا هذا البيان وأد الأزمة فى مكانها، لكنه لم يحل المعضلة، ولم يفسر لنا الأسباب، وما هى حكاية أن الفن حرام، يكشف فقط عن قعدة مصالحة ترضى جميع الأطرف وتبطل انفجار القنبلة، لكنها تظل فى مكانها دلالة أن ثمة شيئًا حدث هنا!
 


أيا كانت الملابسات التى انتهت إلى الصلح، وفى عرف المصريين صلح خير وكلنا «ولاد تسعة»، وبالقطع نحن نؤيد أى سلام، وحبذا لو نعقد سلامًا بين الماضى والحاضر أيضا..
 


والمسرح الجامعى فى مصر ليس مجرد نشاط طلابى، بل كان أحد أهم مصانع النخب الثقافية والفنية، أجيال كاملة من الممثلين والكتاب والمخرجين خرجت من مسارح الجامعات، وكانت الجامعة مساحة يختبر فيها الشباب أفكارهم ويكتشفون مواهبهم بعيدًا عن حسابات السوق والربح، لذلك فإن أى أزمة تتعلق بالمسرح الجامعى تتحول سريعًا إلى نقاش حول طبيعة الجامعة نفسها: هل هى مؤسسة تعليمية فقط، أم فضاء ثقافى أيضًا؟
 


خلال العقود الأخيرة تغيرت البيئة الاجتماعية التى تعمل فيها الجامعات، قبلها كانت الجامعات ساحات مفتوحة نسبيًا للأنشطة السياسية والثقافية والفنية، أما اليوم فقد أصبحت المؤسسات التعليمية أكثر حرصًا على تجنب المشكلات والصدامات والجدل، هذا الميل الإدارى نحو «السلامة» و»تجنب المخاطر» ينعكس أحيانًا على الأنشطة الفنية، لأن الفن بطبيعته يثير الأسئلة ويكسر المألوف ويخلق نقاشًا عامًا.
 


فى الوقت نفسه شهد المجتمع المصرى تحولات فكرية طويلة المدى، فمنذ سبعينيات القرن الماضى ازداد تأثير الخطاب الدينى المحافظ فى المجال العام. هذا الخطاب لم يكن دائمًا معاديًا للفنون، لكنه نظر إلى بعض أشكالها بريبة أو تحفظ، ومع مرور الوقت تشكل لدى قطاعات من المجتمع تصور يعتبر النشاط الفنى أمرًا ثانويًا أو أقل أهمية من المجالات العلمية والمهنية.
 


لهذا السبب اكتسبت عبارة «التمثيل حرام» كل هذه الحساسية فى الجدل الأخير، فحتى لو ثبت أو لم يثبت أن أحدًا قالها بالفعل، فإن سرعة انتشار الرواية تكشف أن المجتمع يعرف مسبقًا وجود هذا النوع من التصورات، ويعتبرها قابلة للتصديق، بمعنى آخر، الجدل لم ينفجر بسبب العبارة وحدها، بل لأن العبارة لامست نقاشًا قديمًا لم يُحسم بعد حول مكانة الفن فى الحياة العامة.
 


هناك أيضًا بعد اقتصادى واجتماعى مهم، فمع تراجع الطبقة الوسطى نسبيًا خلال العقود الأخيرة، تغيرت أولويات الأسر والشباب، عندما تصبح فرص العمل أكثر صعوبة، يميل المجتمع إلى التركيز على التخصصات التى تبدو مرتبطة مباشرة بالدخل والاستقرار المهني. فى هذه الأجواء تتراجع قيمة الأنشطة الثقافية فى نظر كثيرين، ليس لأنهم يكرهونها، بل لأنهم يرونها رفاهية مقارنة بضغوط الحياة اليومية.
 


ومن هنا يمكن فهم مفارقة لافتة. فالمجتمع المصرى يستهلك الفن بكثافة هائلة؛ يشاهد الأفلام والمسلسلات والأغانى يوميًا، لكنه فى الوقت نفسه لا يمنح المؤسسات المنتجة للثقافة والفنون القدر نفسه من الدعم والاهتمام، كأن الفن مطلوب كمنتج نهائى للترفيه، لكن الاستثمار فى صناعته أو تعليمه أو رعايته يظل محل تردد.
 


الأزمة كشفت أيضًا فجوة بين جيلين. جيل الشباب الذى نشأ فى عصر الإنترنت ووسائل التواصل ينظر إلى التعبير الفنى باعتباره حقًا طبيعيًا وجزءًا من هويته الشخصية، أما بعض الإدارات والمؤسسات فما زالت تتعامل مع الأنشطة الثقافية بعقلية أكثر تحفظًا وتنظيمًا، وعندما يلتقى الطرفان تظهر احتكاكات من هذا النوع.
 


ومن اللافت أن التعاطف الواسع الذى حظى به فريق المسرح لم يكن تعاطفًا مع عرض مسرحى بعينه، بل مع فكرة أوسع: أن الجامعة يجب أن تبقى مكانًا يسمح للشباب بالتجربة والإبداع. ولهذا تدخل فنانون ومثقفون ونقابيون بسرعة، لأنهم رأوا فى القضية رمزًا يتجاوز حدود جامعة واحدة.
 


فى النهاية، قد تُغلق الأزمة إداريًا بالتصالح والبيانات والاعتذارات، لكن الأسئلة التى أثارتها ستبقى مطروحة: ما وظيفة الجامعة فى المجتمع؟ وما مكانة الفن داخلها؟ وهل ما زالت الثقافة تُعتبر جزءًا من تكوين المواطن المتعلم، أم أنها أصبحت نشاطًا هامشيًا يمكن الاستغناء عنه؟
 


هذه الأسئلة هى جوهر القضية الحقيقي. أما الخلاف حول من قال ماذا، ومن أوقف العرض أو لم يوقفه، فربما يكون مجرد الشرارة التى كشفت عن نقاش ثقافى واجتماعى أعمق بكثير من حدود مسرح جامعى واحد.
 


أما مسالة «هل الفن حرام؟»
 


التاريخ يجيب ببساطة عن هذا السؤال، إذ عرف العالم الإسلامى الشعراء والمغنيين والموسيقيين والمسرحيين والحكواتية، وازدهرت الفنون فى عصور مختلفة من الدولة الأموية والعباسية إلى العثمانية وغيرها، أما مقولة إن الفن حرام بإطلاق، فهى تعبر عن أحد الاتجاهات المتشددة فى فهم الدين، وهو اتجاه ظل محل خلاف واسع بين العلماء والمفكرين عبر التاريخ الإسلامى، ولم يمنع ذلك الحضارة الإسلامية من إنتاج تراث فنى وثقافى بالغ الثراء والتأثير.
 


الفن يخاطب أحاسيس الناس وأذواقهم ويجعلهم أقرب إلى الإنسانية، ويهذب سلوكهم ويجعلهم من أنصار الحرية وكرامة الإنسان والتقدم.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط