الإثنين 08 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

فى البرلمان والمدارس والجامعات:

عودة مسوخ التطرف أنجح أفلام العيد!

بوابة روز اليوسف


استهداف  «عقل مصر»!

لم يعد الحديث عن «معركة الوعي» مجرد تنظير فكرى أو شعار نرفعه، بل اشتباك حيوى مباشر لحماية عقل هذا الوطن من حصار حقيقى يستهدف هويته.
 


 نحن أمام مواجهة شرسة تخوضها الثقافة المصرية اليوم على جبهتين؛ جبهة داخلية تحاول تجريف الفن بوعى سلفى مأزوم، وجبهة خارجية تسعى لسرقة التاريخ أمام أعيننا.
 


فى الداخل، نرى ارتدادا مقلقا فى واقعة منع مسرحية جامعية لأن هناك من يرى أن «الفن حرام»، بالتزامن مع هجمة سلفية ممنهجة ضد فيلم «برشامة» لإعادة فرض وصايتها على الخيال وتفتيش النوايا. 
 


وفى الوقت نفسه، نشتبك مع محاولات «قرصنة حضارتنا» من خلال التمهيد الناعم لسرديات «الأفروسنتريك» المزيفة على شاشة السينما. 
 


ونحن نحيى ذكرى المفكر الشهيد فرج فودة، لا نستدعى التاريخ، بل نرفع قلم المواجهة فى وجه الفكر الذى اغتاله ولا يزال حيا يتنفس بيننا بصور جديدة. 
 


هذا الملف يشتبك مع الواقع ويرفع كل علامات التحذير وأجراس الخطر.. لأننا نؤمن أن ترك الوجدان المصرى لبيروقراطية الموظفين هو الثغرة التى يتسلل منها الجهل والتطرف.. وحماية هذا العقل هى معركة وجودية لا تقبل التراجع.. وهى معركتنا الدائمة والممتدة فى «روزاليوسف».


فى أفلام الرعب، التى يحبها الملايين لأسباب سيكولوجية عميقة، لا يموت المسخ مثل مصاصى الدماء أو الزومبى أو المستذئبين أبدًا، ولكنهم يبعثون أحياء من جديد كلما حل الظلام الدامس أو اكتمل البدر الذى يسبب الجنون.والمسخ الذى كتب على منطقتنا الشقية أن تعانى منه هو التطرف الذى نعتقد أحيانًا أنه مات ودفن وأوصدنا قبره بالرخام والشمع الأحمر، لنكتشف أنه قد نهض من جديد متعطشًا لشرب الدماء والتهام الأحياء والعيث فسادًا فى كل حقل تدب فيه مظاهر الحياة والبهجة.

 

هكذا توالت الأخبار تباعًا فى الأسبوع الماضى، تُنبِئنا ببعض مظاهر قيام المسخ من جديد، مثل ذلك الخبر المفزع عن ضبط تنظيم متطرف إرهابى لطلبة الإعدادية الذين لا تتجاوز أعمارهم الخامسة عشرة!
 


ربما يرفض العقل السوى أن يصدق الخبر، وربما يعتقد البعض أن هناك نوعًا من المبالغة، ولكن أى عليم بتاريخ مسخ التطرف يعرف جيدًا أن هذا هو العادى بالنسبة لهم، وأن صناعة الإرهاب تبدأ بالفعل فى هذه السِّن، وأن هناك أجيالاً وراء أجيال تعرضت لعَضّات مصاصى الدماء وأكلة لحوم البشر والمستذئبين وتحوّلوا مثلهم إلى مسوخ للتطرف والتخلف والإرهاب الذى تغلغل فى كل تفاصيل حياتنا.. ولم يَعد يخلو بيت واحد من وجود «فامباير» أو «ويروولف» كامِن مستعد للنهش فى اللحظة المناسبة.
 


وليس من قبيل المصادفة أن تنشط فى الفترة الأخيرة جحافل زومبى اللجان الإلكترونية ضد الفن والثقافة وقانون الأحوال الشخصية والبنات غير المحجبات إلى آخر بنك الأهداف المتضخم لمسوخ التطرف والإرهاب. 
 


وليس من قبيل المصادفة- أيضًا- أن تشن حملة «شبه رسمية» ضد فيلم (برشامة) واتهامه بالتهجم على العقيدة وتزييف الفقه وعشرين تهمة أخرى، وفقًا لممثلى «حزب النور» فى برلماننا السعيد، الذين يريدون أن يقلبوها «ضلمة» على الجميع، ولا من قبيل الصدفة أن يوصف الفيلم بأنه دس للسُّم فى العسل، وفقًا لتحليل لوذعى لفنانة لوذعية سابقة خرجت من «الضلمة» سعيًا وراء بعض الضوء ولايكات المعجبين المترصدين لأى مصيبة تسىء إلى النظام عن طريق الإساءة إلى الثقافة والفنون التى تنتج فى عهده، هذه اللعبة القديمة التى تتكرّر منذ سبعينيات القرن الماضى مع خروج جحافل الزومبى الإخوانى من السجون وهبوب الزومبى الوهّابى من الحدود.
 


وليس من قبيل الصدفة أن تنشط كوادر الزومبى المختبئة فى الجامعات، مثل عميدة كلية الحقوق فى جامعة حلوان التى تملكتها الشجاعة، ورعشة دبيب الحياة فى جثة الزومبى؛ لتردد علنًا أن الفن والتمثيل حرام وتمنع عرضًا مسرحيًا من المشاركة فى مسابقة الجامعة، وبالطبع هذه العميدة ليست إلا مجرد شريحة صغيرة جدًا من آلاف وآلاف المُعلمين والمُعلمات والأساتذة والأستاذات الجامعيات الذين يفحون كالثعابين والحيات هذه الأفكار الميتة المميتة التى أكلت من عمر نهضتنا عقودًا وفى سبيلها إلى أكل ما بقى لنا من عقود قليلة على الكوكب، قبل أن ننقرض تمامًا بفعل هذه الأفكار والعقول التى تنتجها.
 


ويكفى أن نتخيل للحظة أى بلد على ظهر كوكب الأرض (باستثناء أفغانستان طالبان وسوريا الشرع وبعض بقع منطقتنا السعيدة) يقف فيها أستاذ جامعى ليعلن أن المسرح حرام والتمثيل حرام، أعتقد بعد ساعتين على الأكثر سيكونون قد أودعوه عنبر العقلاء مع إسماعيل يس فى مستشفى المجانين، أو ربما عنبر الخطرين فى السجن المخصّص للإرهابيين!
 


ومثل أفلام الرعب تتكاثر المسوخ عادة فى الأماكن المظلمة أو الأقل إثارة للشبهات، مثل دُور العبادة، ورياض الأطفال، ومَعاهد العِلم والثقافة، والنقابات العمالية، والجمعيات الخيرية والجمعيات السرية المرتبطة بالتنظيمات الدولية للتمويل والتسليح والتلقين.
 


وكما يحفظ عشاق أفلام الرعب علامات ومَظاهر استيقاظ المسوخ؛ فعلينا أيضًا أن ننتبه للخطر قبل فوات الأوان وأن ندرك علامات استيقاظ المتطرفين من جديد، وأن نفهم أن نواياهم وهدفهم النهائى هو القضاء على مَظاهر الدولة المدنية الحديثة المتنورة، لكى يقلبوها ظلامًا دامسًا، وفقًا لتعلميات أسيادهم ومحركيهم فى واشنطن وتل أبيب.
 


أولى علامات ظهور المسخ هى الهجوم على الفن والفنانين، وثانى علاماته هى الهجوم على القوانين الوضعية الحديثة، والمناداة بالعودة إلى الوراء والوراء والوراء وصولاً إلى العصر الحجرى الهمجى الأول، قبل اختراع أدوات الحلاقة والبنطلون؛ حيث يذبح الخصوم بالسكين فى احتفال شعبى فى الميدان العام، وحيث تشحَن النساء كالبهائم مغماة العيون إلى بيوت الرجال لنكاحهن أو أكلهن أحياء.
 


ومن علامات مسخ التطرف السيطرة على المدارس وإلغاء الأنشطة الفنية وتجريم وتحريم التفكير الحر، وتخريج أجيال لا تختلف عقولها كثيرًا عن عقول خرفان العيد.
 


وليس أدل على ذلك من ملحوظة واحدة كاشفة لعقلية هؤلاء المسوخ: مَن يقرأ بيان حزب النور ومنشور الفنانة السابقة عن فيلم (برشامة) يمكنه أن يعثر على تهم كثيرة جدًا، منها «تزييف الفقه وتشويه صورة الرموز الفقهية»، «زج أسماء أئمة الأمة الأجلاء فى إيفيهات رخيصة»، «انتهاك حرمة وبقع بيوت الله»، «ابتذال الوحى والتاريخ الإسلامى»، صناعة وعى زائف؛ يسرق من الأجيال الناشئة تعظيم شعائر الله وحرماته بالتدريج ويحل محلها الاستخفاف واللا مبالاة العقائدية»، أو كما تقول الفنانة الفيلم ملىء «بالإسقاطات على ديننا الكريم وعلى الأئمة الأربعة وعلى الرجل المتدين، حسبى الله ونعم الوكيل»!
 


كل هذه التهم لم تشر إلى العيب الأساسى الذى رصدته شخصيًا فى الفيلم، وهو استهانته بالعِلم وتسامحه مع الغش من باب الإنسانية والتعاطف مع الظروف التى يمر بها الممتحنون. ولو أن هناك مصيبة واحدة يمكن أن تهدم بلدًا من الأساس؛ فهى ظاهرة الغش الفردى والجماعى التى ابتليت بها مدارسنا وجامعاتنا وتسببت فى تخريج ملايين الجهلة المتخلفين، والتى حوّلت هذه المدارس والجامعات إلى مفرخة للمسوخ المتطرفين.

تم نسخ الرابط