الإثنين 08 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

«أسد».. تمهيد خطير لترسيخ سردية الأفروسنتريك الكاذبة عن الحضارة المصرية

بوابة روز اليوسف

قد يبدو الجدل المثار حول فيلم «أسد» للوهلة الأولى مجرد خلاف فنى أو تاريخى حول معالجة حقبة العبودية فى المنطقة، لكن قراءة أعمق للمشهد تكشف أن القضية تتجاوز حدود السينما بكثير.. فخلف الضجة الدائرة حول الفيلم تبرز محاولة لربط مصر بسردية عالمية جديدة يجرى الترويج لها منذ عقود، وهى السردية التى تتبناها دوائر واسعة من أنصار «الأفروسنتريك» أو المركزية الأفريقية.


خطورة الأمر لا تكمن فى تناول قضية الرق والعبودية ذاتها، فهى صفحة مؤلمة عرفتها معظم شعوب العالم عبر التاريخ.. ولكن المثير واللافت أنها لم تحدث فى مصر كما صورها الفيلم.. وهذا الأمر يثير تساؤلاً فى منتهى الأهمية حول توقيت توظيف هذه القضية لإعادة تشكيل الوعى العام بشأن الهوية المصرية والتاريخ المصرى القديم.
فبعض تيارات الأفروسنتريك لا تكتفى بالحديث عن المظالم التاريخية التى تعرض لها الأفارقة، بل تسعى إلى بناء رواية أوسع تعتبر الحضارة المصرية القديمة جزءًا من تاريخ أفريقى جرى الاستيلاء عليه أو إخفاء حقيقته عبر قرون طويلة.
 


ومن هنا يصبح الربط المتكرر بين مصر وقضايا العبودية والاضطهاد العرقى أكثر من مجرد معالجة درامية.. إذ يمثل فى نظر كثير من الباحثين، خطوة ضمن عملية طويلة تستهدف ترسيخ صورة ذهنية معينة لدى الجمهور العالمى، تمهد لاحقًا لقبول أطروحات أكثر خطورة تتعلق بأصل الحضارة المصرية وهوية أصحابها الحقيقيين.
 


فالأفروسنتريك لم تبدأ كحركة تستهدف مصر، بل نشأت فى الولايات المتحدة مطلع القرن العشرين كرد فعل على عقود من التمييز العنصرى ضد الأمريكيين من أصول أفريقية.. غير أن هذه الحركة تطورت تدريجيًا من مشروع لاستعادة الثقة والاعتزاز بالهوية الأفريقية إلى مشروع يسعى، لدى بعض رموزه ومنظريه، إلى إعادة كتابة تاريخ الحضارات القديمة، وفى مقدمتها الحضارة المصرية التى أصبحت الهدف الأبرز فى معركة السرديات التاريخية الدائرة اليوم..
 


ومن هنا بدأت مصر تدخل قلب المعركة..  فالحضارة المصرية القديمة، باعتبارها واحدة من أعظم حضارات العالم وأكثرها تأثيرًا، أصبحت الهدف الأبرز لخطاب الأفروسنتريك..  لم يعد الأمر مقتصرًا على إبراز الروابط التاريخية بين مصر وعمقها الأفريقى، بل امتد لدى بعض المنظرين إلى الادعاء بأن المصريين المعاصرين لا يمتلكون صلة حقيقية بمصر القديمة، وأن تاريخ البلاد وحضارتها جرى «اختطافهما» عبر قرون طويلة من التزييف.
 


ومع انتشار الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعى، تحولت هذه الأفكار من نقاشات أكاديمية محدودة إلى حملات واسعة النطاق تستهدف الرأى العام العالمى، مستخدمة الصور المفبركة، والمعلومات المقتطعة من سياقها، وإعادة تفسير الأدلة التاريخية لخدمة سردية واحدة..  أن مصر القديمة ليست جزءًا من التاريخ المصرى، بل ملكية حضارية يجب إعادة نسبها إلى أطراف أخرى..  لذلك لم تعد قضية الأفروسنتريك مجرد خلاف حول قراءة التاريخ، بل أصبحت معركة تتعلق بالهوية والوعى والرواية التاريخية ذاتها معركة تسعى إلى إقناع العالم بأن المصريين ليسوا أصحاب حضارتهم، وأن التاريخ الذى عرفته البشرية لقرون يحتاج إلى إعادة كتابة كاملة.
 


وهنا يبرز السؤال الذى تتجنبه كثير من أطروحات الأفروسنتريك.. إذا كان المصريون الحاليون ليسوا أحفاد المصريين القدماء، فأين الدليل العلمى على اختفاء شعب كامل عاش على ضفاف النيل آلاف السنين واستبداله بشعب آخر؟ الواقع أن الدراسات الجينية المنشورة خلال السنوات الأخيرة لا تدعم هذه الفرضية. ففى عام 2017 نشرت مجلة Nature Communications دراسة تعد من أهم الدراسات الوراثية الخاصة بمصر القديمة، حيث نجح فريق علمى فى تحليل الحمض النووى لعشرات المومياوات المصرية.
 


وأكد الباحثون أن نتائجهم تؤكد وجود استمرارية وراثية بين المصريين القدماء والمصريين المعاصرين، وبنسبة تتراوح مابين 70 و90 % رغم حدوث اختلاطات سكانية طبيعية عبر القرون.
 


كما أوضحت الدراسة أن المصريين الحاليين ما زالوا يحتفظون بجزء كبير من البنية الوراثية التاريخية لسكان وادى النيل، مع إضافات لاحقة محدودة نتيجة حركة التجارة والهجرة والتواصل الإقليمى.
 


السؤال الآن: لماذا هذه المقدمة الطويلة..قبل الدخول فى الحكاية الرئيسية.. وماعلاقة كل ذلك بفيلم «أسد» ؟
 


الحقيقة أن أزمة فيلم «أسد» تتجاوز حدود الأخطاء التاريخية المعتادة التى يمكن التسامح معها فى أى عمل فنى..  فالمشكلة الحقيقية ليست فى جودة الصورة أو حجم الإنتاج أو الإبهار البصرى الواضح على الشاشة، بل فى الرسالة التى يحملها هذا الإبهار، والسياق الذى تُطرح فيه هذه الرسالة فى لحظة تشهد تصاعدًا غير مسبوق لخطاب الأفروسنتريك ومحاولاته إعادة تفسير التاريخ المصرى.
 


الفيلم يقدم مصر القرن التاسع عشر باعتبارها فضاءً للاستعباد المنظم والقهر العرقى ضد الأفارقة، مستخدمًا مجموعة من الصور والمشاهد المألوفة للمشاهد الغربى.. أقفاص حديدية، ومعاملة تشبه معاملة الحيوانات، وسادية مفرطة فى التعامل مع العبيد، ومشاهد تستدعى مباشرة الذاكرة الأمريكية المرتبطة بمزارع القطن وتجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسى..  وهنا تبرز الإشكالية.. فهذه الصور تنتمى فى الأساس إلى تجربة تاريخية غربية وأوروبية وأمريكية موثقة، بينما يجرى نقلها وإسقاطها على المجتمع المصرى وكأنها جزء أصيل من تاريخه.
 


لا أحد ينكر أن العبودية كانت ظاهرة عالمية عرفتها معظم الحضارات القديمة والوسيطة.. لكن الدراسات التاريخية تميز بوضوح بين أشكال العبودية المختلفة، وبين نظام الرق العرقى الذى ازدهر فى العالم الأطلسى خلال القرون الحديثة، وبين أوضاع أخرى كانت أكثر تعقيدًا وتنوعًا.. ولهذا فإن تقديم التجربة المصرية باعتبارها نسخة مطابقة للنموذج الأمريكى لا يعد تبسيطًا للتاريخ فحسب، بل إعادة تشكيل له وفق قالب درامى معاصر.
 


وتزداد أهمية هذه الملاحظة إذا وضعنا الفيلم فى سياق الجدل الدائر حاليًا حول الهوية المصرية.. فالحركات الأفروسنتريكية تبنى جزءًا كبيرًا من خطابها على فكرة «المظلومية التاريخية» للسود، ثم تربط هذه المظلومية بادعاءات أوسع تتعلق بالحضارة المصرية القديمة وعلاقتها بأفريقيا.. ومن هنا يصبح أى عمل فنى يرسخ صورة المصرى باعتباره مستعبدًا للأفارقة أو خصمًا تاريخيًا لهم مادة جاهزة لإعادة التوظيف داخل هذا الخطاب، حتى لو لم يكن ذلك مقصودًا من صناع العمل أنفسهم.
 


والأخطر أن السينما الحديثة لم تعد مجرد وسيلة للترفيه، بل أصبحت واحدة من أهم أدوات تشكيل الوعى العام.. فالمشاهد العادى، داخل مصر وخارجها، لا يفرق غالبًا بين الوقائع التاريخية والخيال الدرامى..  وعندما يشاهد عملًا يربط مصر بصورة الاضطهاد العرقى والاستعباد المنهجى، فقد يخرج بانطباع أن هذه الصورة تمثل حقيقة تاريخية مستقرة، بينما الواقع أكثر تعقيدًا بكثير.
 


لهذا لا ينبغى النظر إلى الجدل حول «أسد» باعتباره خلافًا فنيًا عابرًا، بل باعتباره جزءًا من معركة أوسع تدور حول السردية التاريخية نفسها.. من يروى التاريخ؟ وكيف يُروى؟ وهل تتحول الدراما إلى أداة لفهم الماضى، أم إلى وسيلة لإعادة صياغته بما يخدم تصورات أيديولوجية معاصرة؟ هنا تحديدًا تكمن خطورة القضية، وهنا أيضًا يبدأ الفارق بين الإبداع الفنى المشروع، وبين تقديم صورة تاريخية مشوهة قد تتحول مع الزمن إلى «حقيقة» راسخة فى أذهان ملايين المشاهدين.
 


إضافة إلى ذلك.. يبقى السؤال الأهم.. هل يحق للدراما أن تنقل قصة تاريخية من زمان ومكان محددين، ثم تنسبها إلى بلد آخر وتقدمها للجمهور باعتبارها جزءًا من تاريخه؟
 


هنا تكمن واحدة من أكبر الإشكاليات المتعلقة بفيلم «أسد». فالفيلم، بحسب تصريحات صناعه، مستوحى من أحداث حقيقية، لكن الأحداث الأقرب إلى ما يقدمه العمل لا تنتمى إلى التاريخ المصرى أصلًا، بل تستحضر بصورة واضحة وقائع «ثورة الزنج» التى اندلعت فى جنوب العراق خلال القرن التاسع الميلادى واستمرت ما يقرب من خمسة عشر عامًا بين عامى 869 و883م، لتصبح واحدة من أخطر الثورات التى واجهت الدولة العباسية.
 


قاد الثورة رجل يُعرف فى المصادر التاريخية باسم على بن محمد، وهو شخصية مثيرة للجدل اختلف المؤرخون حول أصولها الحقيقية، لكنهم اتفقوا على أنه نجح فى استغلال حالة الاضطراب السياسى التى عاشتها الدولة العباسية آنذاك، وحشد حوله آلاف العمال والعبيد والفلاحين، ليؤسس كيانًا مسلحًا استمر سنوات طويلة قبل أن تتمكن قوات الدولة بقيادة أبو أحمد الموفق من القضاء عليه بعد حرب استنزاف وحصار طويل.
 


المشكلة ليست فى استلهام هذه القصة دراميًا، فالفن من حقه أن يستوحى ما يشاء من أحداث التاريخ. لكن الفارق كبير بين «الاستلهام» و«إعادة التوطين التاريخى»... فمن المقبول أن يعيد الكاتب صياغة قصة إنسانية أو حبكة درامية فى بيئة مختلفة، أما عندما يتعلق الأمر بوقائع تاريخية محددة مرتبطة بمكان وزمان وشخصيات حقيقية، فإن نقلها من العراق فى العصر العباسى إلى مصر القرن التاسع عشر يطرح تساؤلات مشروعة حول الهدف من هذا التحويل.
 


فلو أن فيلمًا تناول ثورة الهند ضد الاستعمار البريطانى ثم جعل أحداثها تقع فى مصر، أو قدم قصة تجارة الرقيق فى الولايات المتحدة على أنها وقعت فى إحدى المدن العربية، لاعترض الجميع باعتبار ذلك تشويهًا للتاريخ لا مجرد معالجة فنية. والأمر نفسه ينطبق هنا؛ فثورة الزنج جزء من تاريخ العراق والدولة العباسية، ولها ظروفها السياسية والاجتماعية الخاصة، ولا يمكن فصلها عن سياقها الأصلى دون أن تفقد معناها التاريخى.
 


ختامًا.. لابد من الإشارة إلى أن خطورة الجدل الدائر حول فيلم «أسد» تكمن فى أنه لا يتعلق بفيلم واحد أو معالجة درامية بعينها، بل بظاهرة أوسع بكثير تشهدها السينما العالمية خلال السنوات الأخيرة.. فالمعركة الحقيقية لم تعد تدور داخل قاعات الجامعات أو بين صفحات الكتب المتخصصة، وإنما انتقلت إلى الشاشة، حيث أصبحت الأفلام والمسلسلات والمنصات الرقمية واحدة من أهم أدوات تشكيل الوعى التاريخى لدى الأجيال الجديدة.
 


لقد أدركت تيارات الأفروسنتريك مبكرًا أن الوصول إلى الجماهير لا يتم عبر الدراسات الأكاديمية وحدها، بل عبر الصورة الدرامية القادرة على التأثير فى ملايين المشاهدين حول العالم.. لذلك شهدت السنوات الأخيرة موجة من الأعمال الفنية التى تعيد تقديم شخصيات وأحداث تاريخية من منظور جديد يركز على إبراز البعد الأفريقى فى التاريخ العالمى.. بعض هذه الأعمال جاء فى إطار مشروع لتوسيع التمثيل الثقافى وإبراز شخصيات ظلت مهمشة لعقود طويلة، لكن بعضها الآخر أثار جدلًا واسعًا عندما تجاوز حدود التمثيل إلى إعادة تفسير الوقائع التاريخية نفسها.
 


من هنا جاءت النقاشات التى صاحبت أعمالًا مثل فيلم «كليوباترا» الوثائقى الذى أنتجته نتفليكس،وقدمت فيه الملكة المصرية سوداء.. ومسلسل «Troy: Fall of a City»، وغيرهما من الأعمال التى أعادت تقديم شخصيات وأحداث تاريخية بصورة تخالف ما استقرت عليه غالبية المصادر التاريخية.. وفى كل مرة كان الجدل نفسه يتكرر.. أين ينتهى حق الفن فى إعادة التخيّل؟ وأين تبدأ مسئولية الالتزام بالحقائق التاريخية؟
 


المشكلة أن أجيال اليوم لا تتعرف إلى التاريخ من الكتب والمراجع كما كان يحدث فى الماضى.. فبالنسبة لملايين الشباب حول العالم أصبحت منصة البث الرقمى ومحرك البحث ومقاطع الفيديو القصيرة هى المصدر الأول للمعرفة.. وعندما تتكرر رواية معينة فى الأفلام والمسلسلات والوثائقيات ومنشورات مواقع التواصل، فإنها تتحول تدريجيًا من مجرد رؤية فنية إلى «حقيقة» مستقرة فى الوعى العام، حتى لو كانت محل خلاف علمى أو تاريخى.
 


ولهذا فإن القضية لا تتعلق برفض التنوع أو إنكار الدور التاريخى لأفريقيا، فالحضارة الأفريقية جزء أصيل من التراث الإنسانى، ونضال الشعوب الأفريقية ضد العبودية والاستعمار صفحة تستحق الاحترام والتقدير.. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول السعى إلى تصحيح مظالم الماضى إلى محاولة لصناعة مظالم جديدة، أو عندما يصبح الفن وسيلة لإعادة كتابة التاريخ بدلًا من تقديمه.
 


وفى هذا السياق يصبح الجدل حول «أسد» أكثر من مجرد نقاش سينمائى.. إنه جزء من صراع أوسع على الرواية التاريخية فى عصر أصبحت فيه الصورة أقوى من الوثيقة، والمشهد الدرامى أكثر تأثيرًا من الكتاب، والمنصة الرقمية أكثر حضورًا من قاعة الدرس..  ولذلك فإن الدفاع عن التاريخ لم يعد مسئولية المؤرخين وحدهم، بل مسئولية كل مجتمع يريد أن يحافظ على ذاكرته وهويته فى مواجهة عالم بات يصنع قناعاته من شاشة صغيرة يحملها في جيبه.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط