الجمعة 19 يونيو 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

مي حمدي تكتب: من القاهرة إلى جنيف.. الهدوء وسنينه!

بوابة روز اليوسف

ساقني القدر إلى مشاركة مجموعة من الناس في حافلة ذاهبة لإحدى المحافظات لحضور فعالية ما. لم يكن هناك من أعرفه، وكعادتي أغلب الوقت، لم يكن لدي رغبة أو طاقة للحديث، فاتخذت مقعدًا بعيدًا عن الجميع وزججت بوجهي في النافذة، مستمتعة بعالمي الخاص.

 

توالى صعود مجموعة من السيدات الفضليات اللائي بدا أنهن من نفس المجموعة.. من أول لحظة ظهر ترابطهن وحماسهن "للرحلة"، مما جعل شهيتهن للكلام - للأسف - على أشدها.. لا أدري من أين أتين بكل هذه الطاقة للحوارات المختلفة في الثامنة صباحًا، وأنا التي أصغرهن بعشرة أعوام على الأقل لا طاقة لدي لأسمع كلمة واحدة، ناهيك عن التحدث!

 

أذكر أني كنت طفلة هادئة.. مررت بفترة صخب المراهقة وبدايات الشباب والانطلاق مع صديقاتي، ثم هدأت في الثلاثينات. اما الآن في العقد الرابع والذي أسميه "العقد البرنسي"، فأصبحت أميل إلى الهدوء، بل أحبه وأعشقه بشكل أعترف أنه مبالغ فيه.

 

أصبحت الأصوات غير المرغوب فيها ترهقني للغاية. فصوت التلفاز - إن لم أكن أتابع بنفسي شيئا ما يزعجني، وصوت الكلام العالي بجواري يعكر صفوي، وحتى الحديث الموجه إليّ يجهدني إذا كان مفروضاً عليّ، أو في أمر لا يهمني، أو إن لم يكن لدي طاقة له، وكثيراً ما يحدث! وكم من مرة طلبت بل وتوسلت فيها للقائمين على الشواطئ أو المطاعم لخفض صوت الأغنيات.

 

تنوعت محادثات السيدات – التي اخترقت أذني عنوة- ما بين تبادل المأكولات والبحث عن عروس لابن إحداهن وامتحانات الشهادة الإعدادية، وغير ذلك.

 

صمتت في ضجر والصوت يقتحم أذني بكل أريحية وثقة، مما أعادني بالزمن عشرة أعوام إلى الخلف، إلى "عام الغربة الأليم"، الذي قضيته في جنيف، مفكرة في اختلاف الثقافات الرهيب فيما يتعلق بالهدوء بيننا وبينهم.

 

ففي واقعة أولى في بداية إقامتي، كنت أتحدث إلى أمي عبر الإنترنت، وكأي مصرية أصيلة تحدثت بدرجة صوتي "العادية" المتوقعة في مثل هذه الحالة، لأفاجأ بأحد الجيران يطرق بابي وعلى وجهه استياء شديد!

 

كدت أذوب خجلًا وأنا أعتذر وأحاول التحجج بضعف الاتصال، ومنذ ذلك الحين أصبحت أهمس في حديثي، خاصةً مع ملاصقة "الاستوديوهات" الصغيرة لبعضها البعض، يفصلهن حوائط خفيفة أحياناً، مما جعل انتقال الصوت أسهل كثيراً.

 

وفي واقعة ثانية، كنت أتناول عشائي وحيدة في أحد المطاعم الهادئة، أصبٍر نفسي بمحادثات "الواتس آب" بصوتها الشهير عند تلقي رسالة جديدة، حين نظر إلى شاغلي الطاولة المجاورة باستنكار، لأعتذر وأحول هاتفي إلى وضع الصمت. ضحكت كثيرا لهذه الذكرى، التي صاحبها صوت إحدى السيدات قادماً من الصفوف الخلفية للحافلة وهي تعرض على زميلاتها مخبوزات الزعتر أو الزيتون!

 

دائمًا ما تحكي أمي عن ذكرياتها في جنيف قائلة: "ثلاثة أشهر لم يخترق نافذة المنزل خلالها صوت حديث بشر أو بكاء طفل أو نباح كلب!!"، رغم كوّنه مطلا على حديقة كبيرة تخدم عددا من البنايات.

ضحكت ثانية وأنا أتذكر الاجتماعات التي أحضرها أحياناً عبر الإنترنت، والتي ما أن أفتح خلالها "الميكروفون" للتحدث حتى ينطلق صوت خضري شارعنا الأصيل معلنًا أن طماطمه حمراء وبطاطسه قد وصلت للقلي، وهو مشهد عادي في أحيائنا القاهرية راقيةً كانت أو شعبية، ناهيك عن بائع أنابيب الغاز الذي ندر مروره الآن في حيّنا، والذي كان يدق بقوة على الأنبوبة حتى كان أبي رحمه الله يعلق بأنها قد تنفجر في وجهه ووجوهنا!

 

قضيت عامي في جنيف في مكتب كبير يضم المغتربين أو أصحاب المهام المؤقتة مثلي، وكان شديد الهدوء رغم تناوب العديد من الزملاء عليه من جنسيات مختلفة، حتى وصل الإيطاليون! كنت أعاني وقتها لأتمكن من التركيز في عملي أو إنهائه، كما يحدث في مصر للأسف أحياناً أو كثيراً. فالإيطاليون شعب "بحبوح"، يشبهوننا في بعض الأشياء.

وحين زرت إيطاليا فوجئت بالناس قد يتحدثون ويمزحون معك في الشارع مثلنا، وقد ينادون على "الأتوبيس" المائي في "فينيسيا" بصوت جهوري: "سان ماركو.... سان ماركوووو...."، تماماً كما ننادي: "كيتكات... كيتكاااااات"!!!

 

وحديثي عن هدوء جنيف لا يعني على الإطلاق تفضيلي العيش في الخارج. أسميت عامي في جنيف بـ"أيام الغربة" أو "السجن" وما يشبه ذلك! لا أستطيع العيش بعيداً عن أهلي أو بعيداً عن مصر، وأدعو الله ألا يقدر لي الغربة.

وجنيف هي أشبه بمدينة رسوم متحركة، فكل شيء صغير وشديد التنظيم والهدوء، ولكن بلا روح، عكس شوارعنا التي تضج بالحركة والحياة، رغم المعاناة أحياناً، أو كثيراً.

 

حسناً.. ربما كانت شوارعنا صاخبة، وأصواتنا عالية، ولا نلتفت كثيراً لقيمة الهدوء ولا نستسيغ ثقافته، أو احتياج البعض إليه، ولكننا بكل تأكيد شعب عشري وودود، خفيف الظل، والأهم أن لنا روحا!

تلك الروح التي تحيي قلبي في القاهرة، والتي وجدت مثيلتها في بيروت التي تسكن القلب، والتي يشبهنا فيها الإيطاليون، والتي سأظل أشعر بالموّت في أوروربا لغيابها، رغم وجود الهدوء الذي أعشقه!

تم نسخ الرابط