انفراد من بكين| داخل «بنك الجينات الثقافي»..
كيف تحفظ الصين ذاكرة 5 آلاف عام من الحضارة للأجيال القادمة؟
فتحت الصين أبواب أحد أهم مشروعاتها الثقافية والاستراتيجية أمام وفد مصري ضم مسؤولين وإعلاميين، حيث زار الوفد المقر الرئيسي للأرشيف الوطني الصيني للمطبوعات والثقافة في العاصمة بكين، والذي يُعرف داخل الأوساط الثقافية الصينية باسم «بنك الجينات الثقافي للحضارة الصينية» و«خزانة الذاكرة الوطنية».
وخلال الزيارة، قدم مسؤولو الأرشيف عرضاً شاملاً حول المشروع الذي يُعد أحد أكبر المبادرات الثقافية في الصين الحديثة، ويهدف إلى جمع وحفظ وتوثيق التراث الفكري والثقافي الصيني الممتد لآلاف السنين، باستخدام أحدث تقنيات الأرشفة والحفظ الرقمي.

ويأتي المشروع في إطار الاهتمام المتزايد الذي توليه الصين لحماية تراثها الثقافي، باعتباره جزءاً أساسياً من مسيرة التحديث والتنمية التي تشهدها البلاد، وبالتزامن مع احتفالات الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين.
ويقع المقر الرئيسي للأرشيف الوطني الصيني للمطبوعات والثقافة عند سفوح جبال يانشان شمال العاصمة بكين، وسط بيئة طبيعية مميزة تجمع بين العمارة الصينية الحديثة والطابع الثقافي التقليدي، في تصميم يعكس فلسفة الانسجام بين الإنسان والطبيعة التي تشكل أحد أبرز ملامح الحضارة الصينية.

وخلال الجولة، اطلع الوفد المصري على مجموعة ضخمة من الوثائق والمخطوطات والكتب النادرة والمطبوعات التاريخية التي توثق مسيرة الحضارة الصينية منذ آلاف السنين، إلى جانب أحدث أنظمة الحفظ والأرشفة الرقمية المستخدمة لحماية التراث الثقافي للأجيال المقبلة.
وأكد مسؤولو الأرشيف أن المؤسسة لا تعمل كمكتبة أو متحف تقليدي، بل تمثل مشروعاً وطنياً متكاملاً لحفظ الذاكرة الثقافية الصينية، حيث تضم ملايين المطبوعات والوثائق التاريخية والخرائط والأعمال الفنية والنقوش والمخطوطات التي تعكس تطور الدولة الصينية عبر العصور المختلفة.

ويعد الأرشيف الوطني للمطبوعات والثقافة أحد أبرز المشروعات التي أطلقتها الصين خلال السنوات الأخيرة لتعزيز قوتها الثقافية الناعمة، حيث يضم إلى جانب مقره الرئيسي في بكين ثلاثة فروع أخرى في هانغتشو وقوانغتشو وشيآن، بما يضمن حفظ التراث الثقافي لمختلف الأقاليم الصينية.
وتنقلت الجولة داخل قاعات عرض حديثة تستعرض مسيرة الحضارة الصينية الممتدة لأكثر من خمسة آلاف عام، بدءاً من النقوش القديمة والمخطوطات التاريخية النادرة، وصولاً إلى الوثائق الحديثة التي توثق مراحل بناء الصين الجديدة وإنجازاتها في مجالات التنمية والتكنولوجيا والابتكار.
ولم تقتصر الرسالة التي أرادت الصين نقلها من خلال هذا المشروع على حفظ الماضي فحسب، بل التأكيد على أن الثقافة تمثل ركناً أساسياً من مشروع النهضة الصينية الحديثة، وأن التقدم الاقتصادي والتكنولوجي يجب أن يسير جنباً إلى جنب مع الحفاظ على الهوية الوطنية والذاكرة الحضارية.

وأبدى أعضاء الوفد المصري إعجابهم بحجم المشروع والتقنيات المتقدمة المستخدمة في حفظ الوثائق والمخطوطات، مؤكدين أن التجربة الصينية تقدم نموذجاً فريداً في كيفية توظيف التكنولوجيا الحديثة لحماية التراث الثقافي وصونه للأجيال القادمة.

ويعكس الأرشيف الوطني الصيني للمطبوعات والثقافة رؤية الصين في التعامل مع تراثها الحضاري باعتباره ثروة استراتيجية ومصدراً للقوة الناعمة، ورسالة حضارية تؤكد أن الأمم التي تحافظ على ذاكرتها تمتلك قدرة أكبر على صناعة مستقبلها.





