من حين لآخر تطفو على السطح دعوات تدعو إلى المصالحة مع جماعة الإخوان (المحظورة)، وكأن السنوات الماضية لم تؤكد لمن يرددون القول (عمال على بطال) بمثل هذه المصالحات حقيقة أفعال هذه الجماعة، فجميعها تؤكد عدم صحة ما يطالبون به، فهناك ما يكفى من الوقائع والأسانيد ،وبالتالى الجرائم التى ارتكبتها تلك الجماعة فى حق الشعب المصرى العظيم. وحتى فى حال تجاوزنا فرضًا على هذه المطالبات، فمع من تحديدا تجرى هذه المصالحات وكيف تتم؟ ومن يتحمل مسئولية جرائم تلك الجماعة؟. لأن الأمر فى النهاية ليس (طق حنك) والسلام، ولا مجرد رأى سياسى أو شعار يتاجر به البعض، لكسب شهرة أو أرضيه فى عالم السياسة. وعلى هؤلاء قبل أن يطالبونا بذلك، مطالبة من يدعونا للتصالح معهم بضرورة الاعتراف بما ارتكبوه من جرم فى حق هذا الوطن. وحق ضحاياهم الذين قتلوا بدم بارد لمجرد أنهم رفضوا حكم تلك العصابة. وعليهم أيضا أن يؤكدون ضرورة التزامهم بقواعد العمل السياسى السلمى واحترام مؤسسات الدولة والدستور والقانون، الذى داسوا عليه بأحذيتهم الغليظة، تحت حجج المشاركة (الكاذبة) التى كانوا يدعونها ويتاجرون بها، وهم فى حقيقة الأمر يسعون الى المغالبة والاستحواذ. من خلال استراتيجيتهم ومنهجهم الذى تربوا عليه منذ بداية تكوين جماعتهم، وبالتالى على من يطالبونا بالمصالحة أن يحددوا لنا أولا مع من سنتصالح، هل مع قادتهم فى السجون؟، أم مع الهاربين منهم خارج البلاد؟، الذين دأبوا على التشكيك فى كل مشروعات التنمية التى تقوم بها الدولة، أم مع خلاياهم النائمة داخل المجتمع وينتظرون الفرصة للانقضاض عليه ؟، أم مع من يتعاطفون مع فكرهم الشاذ ويتحينون الوقت لأداء دور مماثل؟
لأنه من شروط أى مصالحة أن نعرف الأطراف التى ستمثل هذا الفصيل، لكى نتأكد أن من يمثلوهم مستعدين للاعتراف بذنوبهم وخطاياهم، وهل يوافقون أصلا على قبول قواعد الدولة الوطنية الحديثة؟، وهل ينبذون العنف بشكل واضح لا يحتمل التأويل أو المواربة؟. حينها فقط يمكن الحديث عن المصالحة، التى يطالبوننا بالأخذ بها، شريطة أن يجيبوا على كل هذه التساؤلات الجوهرية المتعلقة بشروطها وضماناتها وحدودها، والتى لا يمكن بأى حال من الأحوال تجاهلها.
وهنا تحديدا تكمن المشكلة، لأن دعاة المصالحة يطالبوننا بنسيان الماضى باعتباره عبئًا يجب التخلص منه، لا حقيقة يجب مواجهتها. متناسين أن فكرة المصالحة فى حد ذاتها لا تتعلق بالدولة وحدها، بل بجميع أفراد المجتمع أيضًا.
فهناك قطاعات واسعة من المواطنين عاشت سنوات من التوتر والانقسام والاستقطاب الحاد. وهناك أسر فقدت أبناءها، وأخرى دفعت أثمانا اجتماعية واقتصادية ونفسية، نتيجة حالة الصراع التى سادت خلال فترات مختلفة.
ابتلى فيها مجتمعنا بهذه الجماعة الضالة، لأن المجتمعات لا تبنى مستقبلها على النسيان القسرى، وإنما على فهم ما جرى واستخلاص الدرس منه. ومن ثم يصبح السؤال المشروعً قبل طرح فكرة المصالحات: هل هناك مراجعات فكرية حقيقية طرحها علينا من يطالبوننا بالمصالحة؟ وهل توجد اعترافات واضحة بالأخطاء؟ وهل تم التخلى بشكل كامل عن الأفكار التى أدت إلى الصدام مع الدولة والمجتمع؟ وهل يمكن تجاوز كل ذلك دون كشف الحقائق أو معالجة الجراح أو بناء توافق حقيقى حول أسس المستقبل، أم أن المطلوب هو تجاوز كل هذه الأسئلة المشروعة والقفز مباشرة إلى كلمة المصالحة. وحال غياب إجابات واضحة وشفافة عن هذه الاشتراطات فى ذهن هؤلاء، يتحول الحديث عن المصالحة إلى مجرد أمنيات سياسية لا تستند إلى واقع.. أمنيات تطالبنا فقط بتجاوز الذاكرة للقفز فوق الوقائع (حسب منطقهم)، وهذا ما لا يصنع استقرارًا بقدر ما يفتح أبوابًا جديدة للجدل والانقسام.
لهذا ولغيره كثير أقول لهؤلاء: إن أى حديث عن المصالحة لا يمكن أن ينجح إذا تجاهل حق المجتمع فى معرفة الحقيقة كاملة، وحق الدولة فى حماية استقرارها، وحق الضحايا فى العدالة. فالدول ياسادة لا تدار بالعواطف ولا بالشعارات التى تتردد فى الندوات أو البرامج التليفزيونية، وإنما تدار بحسابات دقيقة توازن بين التسامح والمسئولية، حتى نتمكن من طى صفحات الماضى اللئيم ومنع تكرار أخطائه.. ومن أجل تحقيق ذلك تظل كل التساؤلات التى تناولتها الأسطر السابقة، تنتظر من يجيب عليها: مع من نتصالح وكيف؟.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



