رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

من الـk-pop إلى k-glow

كيف باعت كوريا «البشرة الزجاجية» للعالم؟

بوابة روز اليوسف

بعد أن نجحت كوريا فى غزو العالم من خلال المسلسلات التى حققت نجاحًا ملفتًا خلال السنوات الأخيرة والأغانى التى غزت العالم وأصبحت فرقهم الغنائية هى الأشهر والأكثر انتشارًا بين الأجيال الجديدة، حققت مدينة سيول اليوم نجاحًا جديدًا وانتشارًا كبيرًا، حيث تتحرك اليوم موجات من الهجرة السياحية المؤقتة لمليارات البشر نحو العاصمة الكورية الجنوبية سيول، لا بحثًا عن معالم تاريخية أو ترفيه تقليدى، بل رغبةً فى إعادة تشكيل ملامح وجوههم داخل عيادات حى «جانجنام» الراقى، مستسلمين لأحدث تقنيات الليزر، وحقن البوتوكس، والموجات فوق الصوتية، وسط حالة من الأمان والولاء المطلق لمنظومة الطب التجميلى الكورى.


هذا التدفق الجماعى الجارف ليس مجرد مصادفة أو صيحة عابرة، بل هو خيط سميك فى نسيج ظاهرة دولية مدروسة بعناية تُعرف بـ «الهالييو» أو الموجة الكورية؛ وهى الأجندة التى استطاعت من خلالها سيول تحويل الفن والثقافة إلى قاطرة اقتصادية عملاقة، تقود اليوم قطاعًا استراتيجيًا يُعرف بـ «السياحة التجميلية»،حيث استقبلت كوريا أكثر من 2 مليون سائح أجنبى خلال عام 2025 وهو ضعف العدد الذى استقبلته عام 2024.
 


 «جانجنام» والمثلث الذهبى
 


هنا نصل إلى ذروة الأجندة الناعمة؛ وهو تحويل الإعجاب الفنى بالبشرة الزجاجية إلى قرار سفر وحجز رحلة طيران للحصول عليها طبيًا. وتعتبر منطقة «جانجنام» الشهيرة فى سيول - والتى يعرفها العالم منذ أغنية «جانجنام ستايل» الشهيرة -هى العاصمة العالمية غير المتوجة لهذه الصناعة، حيث تضم ما يُعرف بـ«حزام التجميل»، وهو مربع تجارى ضخم يحتوى على آلاف العيادات والمستشفيات المتخصصة فى طب الجلدية والجراحة التجميلية.
 


ولم يكن هذا النجاح وليد الصدفة أو نتاج تحركات عفوية للقطاع الخاص وحده؛ بل نتاج استراتيجية هندستها الحكومة الكورية بدقة، من خلال تأسيس قطاع خاص داخل وزارة الثقافة يُعنى بدعم وتصدير «الهاليو»، ورصدت له ميزانيات ضخمة تتجاوز ملايين الدولارات سنويًا عبر تقديم منح إنتاجية، وتسهيلات ضريبية، وتسويق خارجى ممنهج عبر السفارات والملحقيات الثقافية حول العالم.
 


هذه الشراكة الاستراتيجية بين الحكومة، والمبدعين، وقطاع الاستثمار الطبى والتجارى، شكلت «المثلث الذهبى» الذى قاد سيول للسيطرة على الأسواق العالمية وتوجيه بوصلة السياحة الطبية نحو حى جانجنام، حسب «بى بى سى» البريطانية.
 


وبحسب البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الصحة الكورية الجنوبية والتى نشرتها «رويترز»، فإن السياحة الطبية تشهد انفجارًا غير مسبوق؛ حيث قفز عدد الأجانب الذين زاروا البلاد لتلقى العلاج الطبى والتجميلى إلى أكثر من 2 مليون زائر، وهو ما يمثل تقريبًا ضعف الرقم المسجل فى العام السابق والذى بلغ 1.17 مليون زائر.
 


اللافت للانتباه أن السائحون لم يعودوا يتدفقون لإجراء عمليات جراحية معقدة وتغيير ملامح الوجه بالكامل مثل جراحات الأنف أو الفك؛ بل أصبح الهوس منصبًا على «العلاجات غير الجراحية السريعة والترميمية» والتى اشتهر بها الكوريون  مؤخرًا. فيطلب الزوار اليوم بوتوكس التجاعيد، علاج الضوء الأحمر، وحقن النضارة، بالإضافة إلى تقنية «شد البشرة بالموجات فوق الصوتية» لتعريض وشد الفك، وهى خدمات تتيح للمسافر الحصول على الجلسة التجميلية فى غضون ساعة، ثم الخروج مباشرة لمواصلة جولته السياحية فى المدينة دون الحاجة لفترات نقاهة طويلة.
 


 «الاقتصاد الكورى» ومنافسة الغرب
 


لكن خلف هذه الوجوه النضرة والبشرة الزجاجية تكمن لغة الأرقام الصارمة والمليارات التنافسية. تعتمد استراتيجية الانتشار الكورية فى قطاع التجميل الطبى على تحقيق المعادلة الصعبة بين تقديم أعلى تكنولوجيا ممكنة بأقل سعر فى العالم.
 


وتؤكد رويترز أن الإحصاءات الرسمية تظهر الآن أن السائح الأجنبى بات ينفق على الخدمات الطبية والتجميلية فى كوريا مبالغ تتجاوز بكثير ما ينفقه على الإقامة والفنادق والتسوق التقليدى، مشيرًة إلى أن تكلفة علاجات البشرة والجلدية فى سيول تعد أرخص من الدول الأوروبية بنسبة تصل إلى الخمس أى أنتكلفتها تساوى 20 % فقط من السعر السائد فى الدول الأوروبية.
 


وعلى مستوى العيادات الفردية، تكشف الأرقام عن حجم الإنفاق الضخم؛ فعيادة مثل «لينجانج» الواقعة فى قلب مدينة جانجنام، تستقبل وحدها فى المتوسط نحو 100 مريض أجنبى يوميًا، بمتوسط إنفاق يقترب من 1.5 مليون وون كورى أى ما يعادل نحو 1000 دولار أمريكى للشخص الواحد فى الزيارة الواحدة.
 


 صادرات «الكي- جلو» أو K-glow  تغزو الرفوف العالمية
 


واليوم لا يتوقف الغزو الكورى عند حدود السائحين قادمين إلى سيول؛ بل وصل إلى بيوت الملايين حول العالم، وذلك عبر تضخم كبير فى صادرات مستحضرات التجميل الكورية المعروفة بـ «الكي-بيوتى» أو «الكى – جلو».
 

 

فقد أصبحت كوريا الجنوبية تتربع على عرش مصدرى مستحضرات التجميل فى العالم، منافسةً قوى تقليدية كبرى مثل فرنسا والولايات المتحدة. وتشير التقارير الجمركية الصادرة عن «مؤسسة التجارة الدولية الكورية» إلى أن قيمة صادرات مستحضرات التجميل الكورية تخطت حاجز الـ 10 مليارات دولار أمريكى سنويًا. 
 


 شيفرة الدراما والسينما
 


ولم يـأت انتشار منتجات العناية بالبشرة الكورية من فراغ بل هو نتاج لسنوات من العمل والتخطيط حيث انتاج الآعمال الدرامية التى حققت نجاحًا وانتشارًا فاق التوقعات ومن هنا تم الترويج للبشرة الزجاجية لنجمات تلك الأعمال الناجحة. جاء ذلك بعد قرار غير تقليدى اتخذته الحكومة الكورية فى أواخر التسعينيات، وتحديدًا عقب الأزمة المالية الآسيوية عام 1997، وهو الاستثمار فى الثقافة كمنتج تصديري. فلم يكن الأمر عشوائيًا، بل خضع لهيكلة حكومية حيث دعمت الدولة شركات الإنتاج لتقديم دراما تلفزيونية (K-Dramas) تتميز بجودة بصرية فائقة وقصص عاطفية واجتماعية عابرة للثقافات. من مسلسل «أغانى الشتاء» فى البدايات، وصولًا إلى الانفجار المدوّى لمسلسل «لعبة الحبار» (Squid Game)، لتتحول الدراما الكورية إلى نافذة تسويقية عملاقة. وهو ليس منتجًا استهلاكيًا بلا مضمون وربما يعد أكبر دليل على ذلك هو نجاح فيلم «طفيلى» (Parasite) فى انتزاع أربع جوائز أوسكار تاريخية، عام 2020، كاسرًا احتكار السينما الغربية ومتحدثًا بلغة كورية خالصة. 
 


ومن هنا يمكن القول بأن كوريا قبل ان تبيع منتجاتها التجميلية فقد باعت من خلال الدراما «صورة ذهنية مثالية» للإنسان العصرى فى كوريا الجنوبية. قامت كوريا بتصدير مفهوم «الجمال النظيف والمرتب»، فصورت النجوم بملامح بريئة ومثالية خالية من العيوب، فنجحت الآلة الثقافية فى خلق ما يمكن تسميته بـ «الحلم الكورى». 
 


هذا الحلم جعل عملاء المنتجات الكورية عبر العالم يبحثون طواعية عن «بطاقة انتماء» لنمط حياة راقٍ وصورة ذاتية ترغب فى تمثيلها أمام المجتمع، وهو ربط سيكولوجى ذكى بين الهوية الثقافية وسلوك الشراء، وفقًا لصحيفة «نيويورك تايمز» الأمريكية.
 


  إمبراطورية «k-pop»
 


إذا كانت الدراما قد مهدت الطريق، فإن موسيقى «الكي-بوب» (K-Pop) كانت بمثابة القوات الخاصة التى اقتحمت قلوب وعقول جيل الشباب والمراهقين فى كل قارة. فرق مثل «بى تى إس» (BTS) و«بلاك بينك» تحولت إلى ظواهر اجتماعية واقتصادية عابرة للحدود. ولم يعد المتابعون مجرد «مستمعين»، بل تحولوا إلى ما يُعرف بـ «جيوش الفانز» (مثل الـ ARMY لفرقة BTS)؛ وهى كتل بشرية منظمة تمتلك قدرة خارقة على توجيه الرأى العام الإلكترونى، ورفع أسهم الشركات، وإنجاح أى منتج يلمسه نجومهم المفضلون.
 


وكانت وكالات الفن الكورية الكبرى مثل «إس إم» و«هايبى» قد نشرت تقاريرها المالية الأخيرة، والتى تكشف أن مبيعات الألبومات الملموسة والجولات الغنائية العالمية وحقوق البث تضخ عوائد فلكية تتجاوز الـ 800 مليون دولار سنويًا للوكالة الواحدة. 
 


هذا الانتشار الموسيقى خلق حالة من التبعية الثقافية؛ فالشاب أو الفتاة فى القاهرة، أو نيويورك، أو باريس، الذى يحفظ كلمات الأغانى الكورية يصبح مستهلكًا مثاليًا وجاهزًا لكل ما هو كورى، حيث بات نجوم الكي-بوب الوجوه الإعلانية الأغلى ثمنًا لكبرى دور الأزياء وعلامات العناية بالبشرة..مما ستهم فى الترويج للمنتجات الكورية للعناية بالبشرة. 
 


فى النهاية، يبدو واضحًا أن ما تحققه كوريا الجنوبية ليس مجرد طفرة سياحية أو نجاح فنى مؤقت؛ بل هو نموذج ملهم لكيفية إدارة «الأجندة الناعمة» فى القرن الحادى والعشرين. لقد أدركت سيول باكرًا أن الهيمنة الحقيقية تبدأ من صياغة وعى المستهلك العالمى، وجعله يرغب فى منتجاتها طواعية وحبًا، وليس قسراً.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط