وقاحة مـُغلّفة بالموسيقى..
كيف تهين أغنية «سطلانة» أصحاب المرض النفسى والعقلى؟
فى بدايات شهر يونيو، قام النجم العالمى «بيتبول» بالاشتراك مع «ليل جون» بإعادة تقديم واحدة من أكثر الأغانى المصرية إثارة للجدل والمعروفة باسم (سطلانة).
وكعادة المشهد الفنى فى كثير من الحالات، قوبل العمل بحفاوة مبالغ فيها، مع التركيز على الجانب الترفيهى والأرقام والتريندات، فى مقابل تجاهل شبه كامل للسياق الاجتماعى والرسائل الضمنية التى قد يحملها العمل.
وفى هذا السياق، يقدّم عالم الاجتماع الكبير «سعيد المصرى»، أستاذ علم الاجتماع بجامعة القاهرة، وواحد من أبرز الأكاديميين المتخصصين فى قضايا الثقافة والهوية، قراءة نقدية مهمة لظواهر من هذا النوع.
يناقش «المصرى» فى كتابه (تراث الاستعلاء) عددًا من الإشكاليات المرتبطة بالخطاب الثقافى الشعبى، وهو ما يفتح بابًا لتأمل بعض المظاهر التى يمكن رصدها فى أعمال فنية معاصرة، ومنها كليب (سطلانة). إذ يثير الكليب تساؤلات حول طريقة تقديم بعض الفئات، خاصة فى مشاهد تتضمن إشارات يمكن فهمها باعتبارها استخفافًا أو تعزيزًا لصورة نمطية سلبية تجاه المرضى النفسيين.
ويظهر ذلك بوضوح فى مشاهد داخل الفيديو تتضمن عبارات مثل: «يا عم احنا مش مجانين، المجانين اللى جوه، اللى شبهك، احنا ولاد ناس»، مع تصوير المرضى داخل غرفة يُقدَّمون فيها بشكل ساخر عبر حركات استعراضية سخيفة، بما يكرّس وصمة اجتماعية بدلًا من تفكيكها.
ويشير «المصرى» فى أحد فصول الكتاب، المعنون بـ(النظرة الدونية للإعاقة) (ص 96)، إلى أن بعض التعبيرات الثقافية قد تسهم فى ترسيخ صور ذهنية سلبية عندما تُستخدم لغة أو إشارات ذات طابع تهكمى أو إقصائى، وهو ما ينعكس مباشرة على نظرة المجتمع تجاه المرضى أو ذوى الإعاقة.
ويضيف فى موضع آخر (ص 97) أن «اللغة الازدرائية تجاه المعاق تؤدى إلى مزيد من العزلة الاجتماعية، وقد تدفع إلى تهميشهم وإقصائهم من المجال العام»، وهو ما يجعل قضية التمثيل الثقافى أكثر حساسية وخطورة مما يبدو فى ظاهره الترفيهى.
وفى سياق إنتاج هذا النوع من المحتوى، تبدو الإشكالية أوسع من مجرد عمل فردى، خاصة فى ظل جهود الدولة والمبادارات الرئاسية للتعامل بشكل جيد مع أصحاب المرض النفسى وذوى الإعاقة، يأتى الفن وكأنه سلاح مضاد.
فأغنية (سطلانة) تعكس نمطًا من الصناعة الفنية التى تتعامل بسطحية مع أثرها الاجتماعى، فى ظل غياب واضح للوعى الثقافى أو المسئولية من الصناع تجاه ما يتم تقديمه للجمهور، والاكتفاء بمنطق التريند وإعادة إنتاج نفس القوالب دون اعتبار للنتائج.
كما أن اسم (سطلانة) نفسه، بما يحمله من إحالة دارجة إلى فقدان التركيز أو «السطل»، يضيف طبقة دلالية أخرى تعمّق الإشكال بدلًا من تبسيطه، وتفتح الباب أمام قراءة أكثر نقدية لسياق العمل كله.
وفى النهاية، لا يمكن تمرير مثل هذه الأعمال باعتبارها مجرد «تريند» عابر، لأن تأثيرها يتجاوز لحظة الانتشار إلى تشكيل وعى جمعى مضطرب. فهذا النوع من المحتوى لا يضيف للواقع شيئًا إيجابيًا، بل يرسّخ خطاب الإقصاء والتهكم، ويحوّل الألم الإنسانى إلى مادة للضحك والاستهلاك السريع.
وفى ظل هذا النمط المتكرر من الإنتاج، تتحول المسئولية إلى سؤال مباشر حول جدوى ما يُقدَّم، حين يصبح «الفن» أداة لإعادة إنتاج التشويش بدلًا من الوعى، وصناعة ضجيج لا ينتج سوى مزيد من التدهور القيمى.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



