جدل عالمى يسبق العرض
«الأوديسة» ملحمة هوميروس ومعركة نولان
قبل أيام قليلة من عرضه على شاشات العرض الكبيرة، نجح فيلم (The Odyssey) أو (الأوديسة) فى تحقيق ما يفعله المخرج «كريستوفر نولان» دائمًا، وهو إثارة نقاش عالمى واسع حتى قبل أن يشاهد الجمهور دقيقة واحدة من العمل المقرر عرضه فى 17 يوليو الجارى.
فمثلما فعلت أفلام «نولان» السابقة كما فى (Interstellar) الذى أثار نقاشات علمية واسعة، و(Oppenheimer) الذى فتح أبوابًا جديدة للجدل التاريخى والسياسى، وكما أشعل (Inception) أحاديث لا تنتهى حول طبيعة الواقع وحدود الحلم، وغيرها، يبدو أن (The Odyssey) يسير على الطريق ذاته.
فالفيلم الذى يُعد أحد أضخم المشاريع السينمائية فى مسيرة المخرج البريطانى الحائز على الأوسكار، لم يتحول إلى حديث عشاق السينما بسبب ميزانيته الضخمة، أو تقنياته غير المسبوقة فحسب، بل بسبب سلسلة من الجدل المتصاعد حول اختياراته الفنية، بدءًا من اللغة واللهجات المستخدمة، مرورًا باختيارات الممثلين، وصولًا إلى تصميم الأزياء، وحتى فلسفة «نولان» نفسها فى التعامل مع واحدة من أشهر الملاحم الأدبية فى التاريخ.
جدل اللغة واللهجات
إن الفيلم المقتبس عن ملحمة «هوميروس» الخالدة يعيد تقديم رحلة الملك الإغريقى «أوديسيوس» فى طريق عودته إلى وطنه بعد حرب «طروادة» الشهيرة، وما يواجهه من مغامرات واختبارات أسطورية. لكن بينما ينتظر الجمهور مشاهدة هذه الرحلة على الشاشة الكبيرة، أصبحت المعارك الحقيقية تدور على مواقع التواصل الاجتماعى.
فمع اللحظة الأولى لعرض إعلان الفيلم، ثارت عاصفة من الانتقادات اللاذعة، بعدما لاحظ عدد كبير من المتابعين استخدام شخصيات العمل للهجات أمريكية معاصرة، وحوارات بدت بعيدة عن الطابع التاريخى المتوقع من قصة تدور أحداثها فى اليونان القديمة.
وتصاعدت حدة الانتقادات بشكل خاص بعد ظهور الممثل «مات ديمون»، الذى يجسد شخصية (أوديسيوس)، وهو يطلق صيحة يقول فيها (Let>s go!) خلال أحد مشاهد المعركة، وهى عبارة اعتبرها كثيرون أقرب إلى لغة العصر الحالى منها إلى عالم الملاحم الإغريقية.
كما أثار حوار آخر حالة واسعة من السخرية، عندما يقول (أنتينوس)، الذى يؤدى دوره الممثل «روبرت باتينسون»، لشخصية (تيليماخوس) التى يجسدها «توم هولاند»،: «You>re pining for a daddy you didn>t even know»، إذ اعتبر البعض أن استخدام كلمة «daddy» فى هذا السياق التاريخى يبدو غريبًا وصادمًا.
وعلى منصات التواصل، وصف بعض المتابعين اللهجات الأمريكية بأنها (مزعجة وغير منسجمة) مع الفترة الزمنية التى تدور فيها الأحداث، بينما تساءل آخرون كيف يمكن لفيلم بهذه الضخامة أن يستخدم لغة تبدو حديثة إلى هذا الحد.
ورغم ذلك، لم يكن الجميع فى معسكر الرافضين؛ إذ رأى آخرون أن «نولان» ربما يتعمد هذه المقاربة الحديثة، وأن الأمر قد يكون جزءًا من رؤيته لإعادة تقديم النص الكلاسيكى لجمهور معاصر، وهو ما أبقى الآراء منقسمة حتى الآن.
معركة اختيار الممثلين
إذا كان الجدل اللغوى أثار دهشة المشاهدين، فإن اختيارات التمثيل أشعلت نقاشًا أكثر سخونة.
فخلال الأيام الماضية، تعرض الفيلم لهجوم واسع من بعض الحسابات والتيارات المحافظة أو اليمينية الأمريكية على مواقع التواصل، بسبب مشاركة الممثلة «لوبيتا نيونجو» فى دور (هيلين) المعروفة بجمالها الخلاب؛ وأيضًا مشاركة الممثل «إليوت بيج»– الممثلة «إيلين بيج» سابقًا- فى دور يُشاع أنه شبح أخيل، رغم أن الدور لم يؤكد رسميًا حتى الآن.
ورأى منتقدو الفيلم أن هذه الاختيارات لا تتوافق مع الصورة التقليدية التى اعتادها الجمهور لشخصيات الميثولوجيا الإغريقية، بينما ذهب آخرون إلى اتهام العمل بالاستجابة لما يصفونه بـ(ثقافة التنوع الإجبارى) فى هوليوود.
ولكن، المدافعين عن الفيلم اعتبروا أن هذه الانتقادات تفتقد إلى المنطق، مشيرين إلى أن (الأوديسة) فى الأساس عمل أسطورى خيالى مليء بالآلهة، والوحوش، والكائنات الخارقة، وأن الشخصيات محل الجدل ليست شخصيات تاريخية موثقة، بل تنتمى إلى عالم الميثولوجيا.
كما أشار كثيرون إلى أن الهجوم يركز بصورة أساسية على عرق «لوبيتا نيونجو» الأسود فى دور «هيلين» التى لطالما صورت بأنها بيضاء وشقراء ذات عيون ملونة، وهوية «إليوت بيج» كونه ممثلًا متحولًا جنسيًا من امرأة لرجل وُضع فى صورة بطل أسطورى، أكثر مما يركز على اعتبارات فنية حقيقية تتعلق بالفيلم نفسه.
وكان رجل الأعمال «إيلون ماسك» من أبرز الأصوات المنتقدة للعمل، إذ دعم منشورات هاجمت اختيارات التمثيل، وروج لفكرة أن «نولان» ربما لجأ إلى هذه الاختيارات من أجل (إرضاء معايير التنوع والتمثيل)، التى تعتمدها أكاديمية الأوسكار. بل ووصل الأمر إلى حد اتهام المخرج بأنه يسعى إلى الجوائز من خلال تلك القرارات.
فى المقابل، رأى مؤيدو الفيلم أن هذه الاتهامات تتجاهل طبيعة النص الأصلى نفسه، كما تتجاهل حقيقة أن غالبية طاقم العمل تضم أسماء تتوافق مع التصورات التقليدية للشخصيات الإغريقية.
جدير بالذكر، أن الانتقادات لم تتوقف عند اللغة والتمثيل فقط، بل امتدت إلى تصميم بعض الدروع والأزياء التى ظهرت فى إعلان الفيلم. فبعض المتابعين اعتبروا أن دروع المحاربين تبدو أقرب إلى ملابس (باتمان) الحديثة منها إلى الملابس العسكرية فى العصر الميسيني.
«نولان» يرد
وسط الجدل المتزايد، جاءت رؤية «نولان» لتوضح فلسفته فى التعامل مع النص الكلاسيكي.
فبحسب تصريحات نقلتها تقارير إعلامية أجنبية، أوضح «نولان» أن «هوميروس» نفسه كان يروى الحكاية بالطريقة التى يفهمها أبناء عصره، وليس كما كانت عليه الأزمنة التى تتناولها القصة.
ومن هذا المنطلق يرى «نولان» أن تقديم العمل بروح أقرب إلى الجمهور المعاصر ليس خروجًا على النص، بقدر ما هو امتداد لطريقة سرد الحكاية الأصلية.
هذه الفلسفة تفسر جانبًا من القرارات التى أثارت الجدل، وتكشف أن ما يفعله «نولان» ليس مجرد تحديث شكلى، بل محاولة لإعادة بناء الأسطورة بالطريقة التى تجعلها حية لدى جمهور القرن الحادى والعشرين.
أما فيما يخص الجدل المثار حول مشاركة مغنى الراب «ترافيس سكوت» فى الفيلم؛ فقدم «نولان» تفسيرًا لافتًا لهذا الاختيار، موضحًا أن (الأوديسة) انتقلت عبر الأجيال فى الأصل من خلال (الشعر الشفهي)، وعليه فإن موسيقى الراب –من وجهة نظره- تمثل اليوم شكلًا معاصرًا من أشكال السرد الشفهى، ما جعل وجود «سكوت» يحمل بعدًا رمزيًا مرتبطًا بجذور الحكاية نفسها.
وبالنسبة لانتقادات التصميم والملابس، فدافع «نولان» عن هذه الاختيارات خلال مقابلة مع مجلة «التايم»؛ مؤكدًا أن التصميمات استندت إلى أبحاث تاريخية حقيقية؛ مشيرًا إلى وجود خناجر ميسينية مصنوعة من البرونز الأسود.
وقال «نولان» إن الهدف لم يكن الابتعاد عن التاريخ، بل تقديم أفضل تصور ممكنة لعالم لا تزال كثير من تفاصيله محل اجتهاد وتفسير.
العمل الأضخم فى مسيرة «نولان»
بعيدًا عن الجدل، يبدو أن فيلم (الأوديسة) المنتظر سيكون مشروعًا استثنائيًا بكل المقاييس. ولعل أبرز دليل –يرد على الانتقادات السابقة- هو أن مبيعات التذاكر المسبقة شهدت إقبالًا ضخمًا وُصف بالتاريخي.
كما أفادت صحف أمريكية بتعرض المواقع الإلكترونية لضغط هائل أدى إلى تعطلها لفترات طويلة، قبل أن تعود للعمل مع فرض قوائم انتظار إلكترونية، وصلت إلى نحو ساعة كاملة للراغبين فى حجز التذاكر.
فالفيلم الذى تصل ميزانيته إلى نحو 250 مليون دولار يعد الأضخم إنتاجيًا فى تاريخ «نولان»، كما يمثل أول فيلم روائى ضخم يُصور بالكامل باستخدام كاميرات (IMAX)، بعد تطوير جيل جديد منها خصيصًا لهذا المشروع.
ولاضفاء مزيدًا من الصور الواقعية المتنوعة، تنقل فريق العمل للتصوير بين دول «المغرب، واليونان، وإيطاليا، وأيسلندا، والمملكة المتحدة».
كما يضم الفيلم كوكبة من نجوم هوليوود فى مقدمتهم «مات ديمون، آن هاثاواى، توم هولاند، زندايا، روبرت باتينسون، وتشارليز ثيرون».
فى النهاية.. ربما تكون المفارقة الأبرز أن معظم الجدل المثار حول فيلم (الأوديسة) يدور قبل أن يشاهده الجمهور أصلًا. لكن، هذا تحديدًا ما يميز مشاريع «كريستوفر نولان» عن غيره.
وبين مؤيد لخيارات «نولان» ومعارض لها، يبقى المؤكد أن الفيلم نجح –بالفعل- فى تحقيق أول انتصاراته، وهو دفع العالم للتحدث عنه قبل عرضه.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



