رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

كلهم خانوك يا جول ريميه

بوابة روز اليوسف

حين تولى الفرنسى جول ريميه رسميا رئاسة الفيفا فى 1 مارس 1922.. أدرك أنها الفرصة الحقيقية التى جاءته أخيرا لتحقيق أكبر أحلامه وتنظيم بطولة كروية للعالم كله.. ولم يكن ريميه يحلم بامتلاك العالم كأسا للعالم كمجرد بطولة فيها خاسرون وفائز وحيد انتصر فى النهاية على الجميع.. إنما كان كأس العالم بالنسبة لريميه أكبر وأعمق وأهم وأجمل من ذلك.


ابن البقال البسيط حين أكمل دراسته للحقوق ونجح كمحام فى اكتساب المال والمكانة الاجتماعية اللائقة فى باريس.. لم ينس أبدا الفقراء ومعاناتهم وحقوقهم الضائعة.. ورغم عدم اهتمامه بكرة القدم أو ممارسته لها ومتابعتها.. وأزعجته جدا رؤية طبقات باريس الأرستقراطية لكرة القدم كلعبة عشوائية وفوضوية تناسب الفقراء والبسطاء والغوغاء ولا تليق بالسادة المهذبين.. وأغضبه رفض أغنياء باريس السماح لأنديتهم بإدخال كرة القدم.. ودفعه ذلك للإقتراب أكثر من هذه اللعبة المثيرة لكل هذا الجدل الطبقى فى المجتمع الفرنسى ومحاولة فهم أسرارها.. وأدرك بسرعة أنها قد تكون البهجة الوحيدة التى يملكها هؤلاء الفقراء والبسطاء لكنها أيضا لعبة بدأ يقع فى غرامها كل الناس.. وهكذا بدأ ريميه فكرة كأس العالم كبطولة لكل الناس.. أغنياء وفقراء.. أرستقراطيين وصعاليك.. بطولة مفتوحة أبوابها أمام الجميع دون أى استثناءات. 
 


وبالفعل بعد مفاوضات دامت سنوات وجهود مضنية لإقناع الكثيرين.. وبعد ثمانى سنوات قضاها جول ريميه رئيسا للفيفا.. نجح أخيرا فى تنظيم أول بطولة كأس عالم فى أوروجواى 1930.. ولم يكن بدء البطولة وانطلاقها يعنى الراحة والسعادة لجول ريميه الذى أصبحت مهمته الأولى هى المحافظة على هذه البطولة ونجاحها واستمرارها.. فألغى مسابقة الكرة فى دورة لوس أنجلوس الأوليمبية 1932 حرصا على عدم تشتيت الانتباه بين الكرة الأوليمبية وبطولة جديدة اسمها كأس العالم.. وظل حريصا على أن تكون بطولة للعالم كله وليست لأوروبا وأمريكا اللاتينية فقط فشاركت مصر فى بطولة 1934 نيابة عن أفريقيا وإندونيسيا فى بطولة 1938 نيابة عن آسيا.. وفوجئ بعد البطولة الثالثة بقيام الحرب العالمية الثانية ولم يستسلم جول ريميه وعاد بكأس العالم فى البرازيل 1950 بعيدا عن خراب وأثار الحرب فى أوروبا.. وعاد بالبطولة إلى أوروبا فى سويسرا 1954 احتراما لحيادها حتى لا تتأثر البطولة بتداعيات الحرب ودمائها ونتائجها.. وكانت البطولة الأخيرة له كرئيس للفيفا.. وغادر ريميه الفيفا فى 21 يونيو 1954 بعد أن ترك للعالم بطولة يلتفت إليها ويحبها ويحترمها كل العالم.. وكان كل ما قدمه كأس العالم للعالم من فرحة وبهجة وشغف وسقوط حواجز السياسة والتاريخ والجغرافيا دافعا لترشيح جول ريميه فى 1956 للفوز بجائزة نوبل للسلام.. وكاد يفوز بها بالفعل لولا اعتراضات أوروبية واتهام ريميه بأنه منح البطولة فى 1934 إلى إيطاليا ليستغلها موسولينى فى الدعاية لنظامه الفاشى.. ولم يكن ذلك صحيحا ولم يفز جول ريميه بالجائزة ومات فى 16 أكتوبر 1956 تاركا للعالم كأس العالم.
 


وحين غادر جول ريميه الفيفا فى 1954.. وطيلة السنتين اللتين قضاهما بعد ذلك حتى وفاته 1956.. كان واثقا أن ما أسسه وبناه وأرسى قواعده طيلة 33 سنة و112 يوما رئيسا للفيفا.. سيبقى إرثا كرويا يحافظ عليه ويتمسك به الجميع.. وستبقى كرة القدم لعبة للجميع أيا كان مكانهم ولونهم وثقافتهم وأفكارهم وقواعدهم.. وسيبقى كأس العالم بطولة من حق أى بلد استضافتها مثل حق المشاركة فيها وفق النتائج والحسابات الكروية للتأهل.. ولم يحدث أى من ذلك.. وجاء بعد جول ريميه ست رؤساء للفيفا.. البلجيكى رودولف سيلدرايرز.. والإنجليرى آرثر درورى.. والإنجليزى ستانلى راوس.. والبرازيلى جواو هافيلانج.. والسويسرى جوزيف بلاتر.. وحاليا السويسرى جيانى إينفانتينو.. ولم يتمسك أى منهم ويحافظ على مبادئ وقواعد أرساها جول ريميه طيلة فترة رئاسته.. فأدار كل رئيس منهم الفيفا وكرة القدم وكأس العالم إما وفقا لمصالح ومكاسب شخصية.. أو إقحام السياسة فى الكرة والمونديال إما خوفا ممن هم أقوى أو طمعا فيما هو أكثر.. ومع هؤلاء كانت كرة القدم معظم أوقاتها لعبة الفقراء التى امتلكها واحتكرها الأغنياء.. واللعبة التى لا مكان فيها إلا فقط للأوروبيين واللاتينيين. 
 


وعلى سبيل المثال.. رفض الفيفا بعد رحيل جول ريميه قبول أى أفريقى كعضو فى اللجنة التنفيذية للفيفا باعتبار أن الأفارقة بإمكانهم لعب الكرة لكنهم ليسوا مؤهلين لإدارتها.. وبعد معاناة طويلة نجح المصرى عبد العزيز سالم فى نيل عضوية المكتب التنفيذى.. وبعد صفقة عقدها عبد العزيز سالم مع الإنجليزى أرثر درورى المرشح لرئاسة الفيفا لينال درورى أصوات الأربعة بلدان الأفريقية أعضاء الفيفا مقابل موافقته على تأسيس اتحاد أفريقى لكرة القدم.. مجرد صفقة انتخابية وليست اقتناعا بأى حق للأفارقة.. واضطر الأفارقة للانسحاب من مونديال 1966 فى إنجلترا نتيجة تعنت الإنجليزى ستانلى راوس رئيس الفيفا معهم ورفضه الحاد لأن تملك أفريقيا مكانا خاصا بها فى قائمة بلدان أى مونديال باعتبار الأفارقة لا يستحقون ذلك.. وكأن ستانلى راوس قد عاد بالفيفا إلى ما قبل جول ريميه الذى فتح كل الأبواب أمام كل العالم.. وكان الغضب الإفريقى سببا فى خسارة ستانلى راوس انتخاباته الجديدة ونجاح البرازيلى هافيلانج.. واعتبر الأوروبيون نجاح برازيلى فى رئاسة الفيفا خطأ لا يمكن أن تقبل أوروبا تكراره وهو ما جرى بالفعل
 


وكانت أول حرب خاضها جول ريميه قبل رئاسته للفيفا ضد اللجنة الأوليمبية الدولية التى كانت تمنع لاعبى الكرة المحترفين من المشاركة فى الدورات الأوليمبية.. وحين استجابت اللجنة الأوليمبية فى 1984 وأرادت إلغاء أى قيود على لاعبى الكرة.. كانت المفاجأة هى رفض هافيلانج رئيس الفيفا السماح بذلك وتوصلت اللجنة الدولية والفيفا فى 1992 لاتفاق يرضى الطرفين بالسماح للمحترفين المشاركة بشرط ألا تزيد أعمارهم عن 23 سنة.. وتوالت الحكايات والفضائح وتعاقب على الفيفا رؤساء لم يلتزم أى منهم بوصايا وأفكار جول ريميه حتى جاء إينفانتينو رئيسا للفيفا فى 2016 ليصبح أكثر من خانوا جول ريميه فى كل شىء.. وكان مونديال 2026 تجسيدا واضحا لكل ما جرى فى الفيفا بعد جول ريميه.. فالولايات المتحدة تقدمت بطلب استضافة هذا المونديال فى 2018 بعد 80 يوما فقط على دخول ترامب البيت الأبيض.. ولأنها كانت المرة الأولى التى ستقوم فيها بلدان العالم بالاختيار وليست اللجنة التنفيذية للفيفا.. فقد أعلن ترامب بوضوح أن البلدان التى لن تمنح الولايات المتحدة أصواتها عليها أن تتوقع حربا أمريكية سواء ساسية أو اقتصادية أو إعلامية أو عسكرية إن تطلب الأمر ذلك.. وأكد ترامب أنه ليس مثل رؤساء الولايات المتحدة الذين سبقوه وكانوا يقبلون ببساطة وهدوء أن تخسر أمريكا سباق استضافة أى بطولة رياضية.. وبالفعل فازت الولايات المتحدة دون أن ينزعج أحد ويغضب ويثور رافضًا هذا التهديد العلنى والفج والقبيح لاستضافة بطولة لأول مرة فى تاريخ الفيفا.. وبعدها سلم إينفانتينو كل مفاتيح الفيفا للرئيس الأمريكى لينتهى تماما كل ما بدأه وأسسه جول ريميه.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط