رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

100 يوم على الحرب الأمريكية الإسرائيلية الإيرانية

لا سلام والخليج ينتظر انتهاء التصعيد

بوابة روز اليوسف

بعد مرور 100 يوم على الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، يتضح أن لا سلام يلوح فى الأفق فيما يغلى الخليج تحت وطأة التصعيد العسكرى والسياسى المتواصل، فالهجمات المتبادلة والمفاوضات المتعثرة والضغوط المتزايدة على وقف إطلاق النار الهش كلها ترسم مشهدًا إقليميًا شديد التعقيد؛ حيث تتداخل الحسابات الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية مع مَصالح دول الخليج لتجعل من هذه الحرب الطويلة أزمة مفتوحة بلا حلول قريبة.

جاءت الغارات الأخيرة على الأهداف الإيرانية المختلفة وسط تحذيرات أمريكية من أن العمليات العسكرية قد تتوسع إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق مع طهران؛ لتكشف أن إدارة ترامب باتت محكومة بخيار واحد تقريبًا فى مقاربتها للملف الإيرانى وهو خيار القوة العسكرية، باعتباره الأداة الوحيدة القادرة على كسر الجمود الذى يُعرقل المفاوضات، ما يعكس افتقارًا واضحًا إلى المرونة فى فهم طبيعة الموقف الإيرانى ويؤكد قناعة ترامب الراسخة بأن طهران لن تقدم تنازلات جوهرية إلا تحت ضغط مباشر وأن العقوبات الاقتصادية لم تعد كافية لإحداث التحول المطلوب ليصبح التصعيد العسكرى محورًا رئيسيًا فى استراتيجية واشنطن رغم ما ينطوى عليه من مخاطر جسيمة على استقرار المنطقة واحتمال انزلاقها إلى مواجهة مفتوحة.

 اتفاق سلام 

بَعد مرور 100 يوم على الحرب التى أطلقتها واشنطن وإسرائيل ضد إيران؛ لا تزال الصورة قاتمة، فلا تقدُّم يُذكر فى المفاوضات بين الولايات المتحدة وطهران نحو اتفاق مؤقت فيما تتزايد الضغوط على وقف إطلاق النار الهش مع تصعيد جديد هو الأسوأ منذ بدء الهدنة فى أبريل تعثرت المحادثات بسبب مصير الأصول الإيرانية المجمدة، بينما يفاقم الصراع الموازى بين إسرائيل وحزب الله فى لبنان مما عَقّد المشهد كثيرًا، وفى الميدان أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أنها أسقطت طائرتين إيرانيتين مُسَيرتين هجوميتين فى مضيق هرمز الممر الحيوى لصادرات الطاقة العالمية، كما اعترضت ستة صواريخ باليستية أطلقت نحو البحرين والكويت وقصفت مواقع رادار إيرانية فى غوروك وجزيرة قشم منذ بدء القصف الأمريكى والإسرائيلى فى 28 فبراير، ردت طهران ووكلاؤها بسلسلة هجمات صاروخية ومُسَيرة استهدفت البنية التحتية النفطية والمنشآت العسكرية الأمريكية فى الخليج ما ألحق أضرارًا بالسعودية والإمارات والكويت والبحرين. وفى واشنطن طرحت إدارة ترامب خطة مثيرة للجدل تقضى بتوجيه الأصول الإيرانية المجمدة نحو مساعدة الحلفاء فى الخليج على إعادة بناء ما دمرته الهجمات فى خطوة تعكس مأزق السياسة الأمريكية بين التصعيد العسكرى ومحاولة إدارة تداعياته الاقتصادية والدبلوماسية.

 تقلبات ترامب 

إقرار ترامب الأخير يكشف بوضوح تناقضاته المتكررة وتصريحاته المتقلبة، فبَعد أن ظل لشهور يؤكد أن إيران على وشك الانهيار عاد فى نهاية الأسبوع ليعترف بأن طهران ما زالت تحتفظ بجزء كبير من قدراتها الصاروخية وطائراتها المُسَيرة، مُحددًا أن ما بين 21% و22% من ترسانتها لا يزال قائمًا، وفى مقابلة مع شبكة إن بى سى نيوز حاول التقليل من شأن هذه القدرات قائلًا إنها صواريخ كثيرة، لكنها ليست كما كانت عندما هاجمنا لأول مرّة، بينما صرّح فى وقت سابق من اليوم نفسه للصحفيين بأن الولايات المتحدة تحقق نجاحًا كبيرًا مع إيران وأنها ليست فى وضع يسمح لها بامتلاك سلاح نووى. هذه التصريحات المتناقضة تعكس مأزق ترامب السياسى والإعلامى؛ فهو يتأرجح بين خطاب الانتصار ومحاولة إظهار السيطرة وبين الاعتراف الضمنى بأن إيران لم تنهَر وأن الحرب لم تحقق أهدافها المعلنة. هذا التذبذب يضعف مصداقية واشنطن ويعيد إلى الأذهان دروسًا مريرة من فيتنام والعراق وأفغانستان؛ حيث كان الخطاب السياسى منفصلاً عن الواقع العسكرى والدبلوماسى.

 خلاف نتنياهو وترامب

كشفت الأسابيع القليلة الماضية عن خلاف حقيقى بين ترامب ونتنياهو، وفسّر الخبراء الاستراتيجيون الدوليون، أن هذا الخلاف يتعلق فقط بإدارة الحرب ضد إيران ولبنان لكنه فى نفس الوقت قد يتحول إلى عبء سياسى ثقيل على الرئيس ترامب وربما يقضى على مستقبله السياسى، فبينما يسعى ترامب إلى تقديم تنازلات فى ملفات متعددة مع طهران يظل مَطلب بقاء حزب الله فى لبنان وهو شرط إيرانى رئيسى خارج قدرته على التنفيذ ما لم يوافق نتنياهو، الأمر الذى يكشف حدود النفوذ الأمريكى أمام تصلب الموقف الإسرائيلى. هذا التباين يضع واشنطن فى مأزق مزدوج، فهى من جهة عاجزة عن فرض رؤيتها على حليفها ومن جهة أخرى تبدو أسيرة لقرارات تل أبيب التى تجعل أى تسوية أكثر تعقيدًا. الخبراء يرون أن هذا التعاون غير المتوازن يعزز الرواية الإيرانية ويضعف صورة الولايات المتحدة كقوة مستقلة قادرة على إدارة تحالفاتها وهو ما قد ينعكس مباشرة على الداخل الأمريكى؛ حيث يواجه ترامب انتقادات متزايدة من خصومه السياسيين الذين يعتبرون أن انصياعه لنتنياهو يضر بالمَصالح الأمريكية ويقوض فرصه فى الحفاظ على الأغلبية خلال الانتخابات. أمّا لبنان فهى مجرد ورقة ضغط مركزية طهران تستخدمها لتقييد واشنطن نتنياهو يعتبرها خطًا أحمر وترامب يجد نفسه عاجزًا عن التوفيق بينهما ما يرسخ صورة رئيس فقد القدرة على ضبط حلفائه ويواجه خطر انهيار استراتيجى قد يمتد إلى مستقبله السياسى وحتى بقائه فى منصبه.

 أزمة الاقتصاد  

بَعد مرور مئة يوم على الحرب أصبح تأثيرها الاقتصادى على العالم متعدد المستويات ومعقدًا بصورة غير مسبوقة بحسب خبراء الاقتصاد الدوليين انعكست الحرب مباشرة على الأسواق المالية وعوائد السندات والبورصات العالمية وأسواق النفط وصولاً إلى التضخم والاقتصادات الكبرى، فقد شهدت أسواق الأسهم العالمية انخفاضًا حادًا فى أعقاب الضربات الأولية قبل أن تستعيد وول ستريت زخمها وتحقق مستويات قياسية جديدة مدفوعة بالتفاؤل بشأن التحول المستقبلى للذكاء الاصطناعى والبيئة المربحة للشركات الأمريكية، بينما بقيت الأسهم الأوروبية أكثر هدوءًا تحت ضغط تكاليف الطاقة المرتفعة، فى المقابل اتخذت أسواق السندات منحى أكثر قتامة؛ إذ ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية إلى أعلى مستوياتها منذ ما قبل الأزمة المالية ما يعكس توقعات بارتفاع التضخم وسياسة نقدية متشددة، فيما شهدت المملكة المتحدة عمليات بيع قوية لسنداتها الحكومية وسط اضطرابات سياسية داخلية. أمّا فى أسواق النفط فقد أدى إغلاق مضيق هرمز وتضرر منشآت الإنتاج فى الشرق الأوسط إلى تقلبات كبيرة فى الأسعار؛ حيث بقى خام برنت وغرب تكساس الوسيط أعلى بكثير من مستويات ما قبل الحرب رغم تدخلات مثل الإفراج عن الاحتياطى البترولى الاستراتيجى وزيادة صادرات النفط الأمريكية التى ساعدت على منع قفزة أكبر فى الأسعار ومع ذلك فإن استمرار انخفاض المخزونات يهدد بارتفاع جديد إذا لم يُفتح المضيق سريعًا، وعلى مستوى الاقتصاد الكلى ارتفعت مؤشرات التضخم فى معظم الاقتصادات الكبرى؛ إذ بلغ معدل أسعار المستهلك فى الولايات المتحدة 3.8% فى أبريل وهو الأعلى منذ ثلاث سنوات مدفوعًا بارتفاع تكاليف الطاقة، فيما اضطرت دول مثل ألمانيا والهند إلى التدخل الحكومى للحد من آثار الأزمة، هذا المشهد أكد أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بل تحولت إلى أزمة اقتصادية عالمية متشابكة؛ حيث تتأرجح الأسواق بين التفاؤل التكنولوجى والقلق التضخمى وتظل عوائد السندات المرتفعة وأسعار النفط المضطربة مؤشرات على هشاشة الوضع ما يجعل الأشهُر المقبلة فترة حاسمة لقدرة الاقتصادات الكبرى على الصمود أمام تداعيات أطول حرب فى المنطقة منذ عقود.

 

تجسس خلف خطوط التحالـــــف

 

فى خطوة تهدد بتعميق فجوة الثقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، انتشرت أنباء حول تزايد المخاوف من تكثيف «تل أبيب» جهودها الاستخباراتية تجاه مسئولين أمريكيين بارزين، ما يشكل تصعيدًا يجعل العلاقات الأمنية والدبلوماسية بين البلدين فى اختبار غير مسبوق، حيث كشفت صحيفة «نيويورك تايمز» نقلا عن مسئول أمريكى سابق، أن عددا من كبار مسئولى الإدارة الأمريكية الحالية وقعوا أهدافًا محتملة لعمليات تجسس خارجية، وفى مقدمتهم ستيڤ ويتكوف المبعوث الخاص للرئيس الأمريكى دونالد ترامب.

وتأتى هذه المخاوف فى ظل تقارير تتحدث عن ارتفاع وتيرة أنشطة التجسس الإسرائيلية على الإدارة الأمريكية خلال الحرب الأخيرة مع إيران، وسط قلق من تجاوز بعض التحركات الاستخباراتية ما يعتبره مسئولون أمريكيون خطوطا حمراء فى العلاقات بين الحليفين.

 وأوضح مسئول أمريكى سابق، أن بعض السلوكيات المتبعة من كبار مسئولى إدارة «ترامب» ساهمت فى تسهيل عمليات المراقبة والتنصت عليهم، لافتا إلى اعتماد بعضهم على الطائرات الخاصة والهواتف الشخصية فى مناقشة ملفات مرتبطة بالأمن القومى.

 ولفت إلى أن بعض المسئولين تجنبوا الاستعانة بالكوادر الأمنية واللوجستية التابعة للسفارات الأمريكية خلال زياراتهم الخارجية، مما جعلهم أهدافا أكثر سهولة لأجهزة الاستخبارات الصديقة والمعادية على حد سواء.. وأشار تقرير استخباراتى أمريكى أعدته وكالة الاستخبارات العسكرية وجهات أمنية أخرى إلى رفع مستوى التهديد الاستخباراتى المرتبط بإسرائيل من عالٍ إلى حرج خلال الأسابيع الأخيرة؛ كما تحدثت التقارير عن وقائع اكتشاف عناصر من القوات الأمريكية فى إسرائيل لبرامج تنصت مزروعة سرا على هواتفهم، حيث رفضت وزارة الدفاع الأمريكية التعليق على هذه المعلومات. 

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط