إيفيان.. من منتجع صحي هادئ إلى "قلعة دبلوماسية" محصنة تستضيف قمة مجموعة السبع
تتجه أنظار العالم، غداً الاثنين وحتى 17 يونيو الجاري، صوب مدينة "إيفيان لابان" الفرنسية، التي تتحول على مدار ثلاثة أيام إلى عاصمة للقرار الدولي باستضافتها قمة مجموعة السبع (G7)، والتي تنعقد في ظرف دولي بالغ التعقيد، بالنظر إلى الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على الأسواق والاقتصادات العالمية، واستمرار الأزمة الأوكرانية ومخاوفها الأمنية في أوروبا.
وتقع "إيفيان لابان" في إقليم "ساڤوا العليا" شرق فرنسا، وتتميز بموقع جغرافي فريد؛ إذ تقبع في حضن جبال الألب وتطل مباشرة على الضفة الجنوبية لبحيرة جنيف (ليمان)، مواجهةً مدينة لوزان السويسرية.
وتعد تلك البلدة الصغيرة التي لا يتجاوز سكانها 9 آلاف نسمة مكاناً جاذباً لاستضافة القمم التاريخية واللقاءات الدبلوماسية الأكثر حساسية في العالم؛ فمنذ نهاية القرن الثامن عشر واكتسابها شهرة واسعة بفضل مياهها المعدنية الطبيعية ونبع "كاشا" الشهير، تحولت إلى منتجع صحي فاخر يقصده الملوك والأثرياء للاستشفاء، إلا أن التاريخ سجل لهذه المدينة فصولاً سياسية لا تُنسى.
ففي عام 1938، احتضنت المدينة "مؤتمر إيفيان" لبحث أزمة اللاجئين في أوروبا بدعوة من الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت. وفي مارس 1962، كانت المدينة مسرحاً لتوقيع "اتفاقيات إيفيان" التاريخية التي وضعت حداً لحرب الجزائر وأقرت استقلالها بعد مفاوضات شاقة وتوترات سياسية كبرى.
واستمراراً لهذا الإرث، احتضنت المدينة اللقاءات السنوية الفرنسية الألمانية منذ عام 1992، وتوجت مسيرتها باستضافة قمة مجموعة الثماني (G8) في يونيو 2003، قبل أن يجدد "قصر الإليزيه" ثقته بها مجدداً لاستضافة قمة مجموعة السبع هذا العام.
ولم يكن اختيار "الإليزيه" لإيفيان وليد الصدفة، بل تحكمت فيه معايير جغرافية ولوجستية تجعل منها "حصناً طبيعياً" يسهل تأمينه؛ حيث تشير جوزيان لي، عمدة إيفيان، إلى الصعوبة الطبيعية للوصول إلى المدينة برياً، قائلة: "البحيرة من جهة، والجبل من جهة أخرى، وفي الشرق تحدنا الحدود السويسرية، بينما يفصلنا نهر عن جارتنا (تونون لابان) من الغرب.. باختصار؛ تأمين المدينة أمر سهل تكتيكياً".
وإلى جانب العزل الجغرافي، توفر المدينة بنية تحتية فندقية ضخمة تصل إلى 10 آلاف سرير سياحي لاستيعاب أعضاء الوفود وقوات الشرطة والإعلاميين. ويمثل مجمع "إيفيان ريزورت" الفاخر النواة الصلبة للقمة، حيث يقيم قادة الدول السبع الكبرى ووفودهم في فندق "لو رويال" ذي الخمس نجوم، والمحاط بحديقة شاسعة تمتد على 19 هكتاراً، مما يوفر عزلاً تاماً للقادة وعودة إلى الهدوء والطبيعة بعيداً عن صخب العواصم.
ونظراً للحضور المرتقب لقادة الدول السبع، بالإضافة إلى قادة دوليين بارزين تمت دعوتهم للقمة يمثلون قوى إقليمية واقتصادية واعدة، أعلنت وزارة الجيوش الفرنسية عن خطة أمنية شاملة بالتعاون مع قوات الأمن الداخلي؛ إذ يشارك الجيش الفرنسي عبر عملية "سنتينيل" بمراقبة الحدود البرية والبحيرية، وتأمين المواقع الحيوية، ونشر وحدات عسكرية متخصصة في التعامل مع المتفجرات والأمن السيبراني.
أما في الأجواء، فيتولى جيش الطيران والفضاء -تحت سلطة رئيس الوزراء المباشرة- إدارة المنظومة الخاصة للأمن الجوي.
وأكدت وزارة الجيوش الفرنسية، في مؤتمر صحفي، أنه تم فرض "فقاعة حماية جوية معززة" تطوق سماء إيفيان على مدار 24 ساعة لضمان المراقبة الدائمة والرصد الفوري لأي اختراق، موضحة أن المنظومة ضخمة للغاية وتعمل بتنسيق وثيق ثنائي وثلاثي الأبعاد مع السلطات المدنية.
وأضافت وزارة الجيوش أن هناك تنسيقاً في هذا الشأن مع الجانب السويسري منذ خريف 2025 لإطلاق المنظومة القائمة حالياً.
من جانبه، يشارك الجيش السويسري بقوة دعم لوجستي وعسكري موسعة تضم آلاف الجنود (وقد تصل إلى نحو 5000 عسكري وفق الحاجة الميدانية) لتأمين الأجواء والمياه المشتركة لبحيرة جنيف، لا سيما وأن الوفود تستغل مطار جنيف القريب للوصول إلى إيفيان عبر المروحيات في غضون دقائق، حيث تم تجهيز مهبط فندق "رويال" والملعب البلدي للمدينة لاستقبال الطائرات المروحية. وتصر السلطات السويسرية والفرنسية على ضبط الأمن بشكل صارم.
ورغم التقييد المؤقت لحركة مرور السكان المحليين لمدينة إيفيان، إلا أن الأوساط المحلية تعتبر أن هذه القمة تقدم ترويجا سياحيا واقتصاديا هائلاً لمدينتهم الساحرة.
وفي هذا الصدد، أكدت عمدة المدينة جوزيان لي أن القمة تمنح إيفيان رؤية إعلامية عالمية لا تقدر بثمن، قائلة: "إيفيان معروفة بمياهها، لكن الكثيرين لا يدركون طبيعتها كمدينة؛ هذه القمم تضعنا على خارطة العالم لعدة أيام وتسلط الأضواء على جمال المنطقة بأكملها".
وبين بريق الدبلوماسية وطبيعة جبال الألب الساحرة، تبدأ إيفيان المحصنة غداً ولمدة ثلاثة أيام كتابة فصل جديد من تاريخ العلاقات الدولية والقرارات المصيرية، لتصبح المياه الهادئة لبحيرة ليمان شاهداً جديداً على صياغة سياسات العالم.




