ليس من اليسير على من يدرس تاريخ جماعة الإخوان أن يفرق بين الرجل والفكرة، ولا بين الإنسان والعصر الذى عاش فيه؛ فكثيرا ما يظن الناس أنهم يقرأون سيرة رجل، وهم فى حقيقة الأمر يقرأون سيرة زمن كامل اختصر نفسه فى شخص، أو أودع أسراره كلها فى عقل واحد.
ولست أدرى أكان «محمد أحمد البحيري» القيادى الإخوانى المخضرم قد قصد إلى هذا الدور أم ساقته إليه الظروف ومسارات التنظيم، وبقدر ما كان هذا الرجل مجهولا عند عامة الناس، كان يتربع على عرش الشهرة فى الداخل التنظيمي؛ إذ يجاوز بعض الرجال حدود أسمائهم ليصبحوا عنوانا لمرحلة كاملة من الفكر والتنظيم، وقد كان البحيرى واحدا من هؤلاء، حيث خرج من الجيل الذى تشكل وعيه فى ظل الأفكار القطبية التى سادت داخل الجماعة فى الستينيات تحت تأثير خضوعهم النفسى لسيد قطب، كان ذلك الجيل، فى معظمه، شديد الانشغال بالتنظيم حتى كاد يعجز عن الانشغال بالعالم الأوسع منه، قرأ فيما يؤكد أفكاره، ولم يقرأ فيما يختبرها، فازدادت يقيناته رسوخا، بينما ضاقت مساحة التساؤل والمراجعة، ومن هنا نشأ نوع من الفقر الثقافى المقنع؛ لا فقر فى عدد الكتب المقروءة، بل فقر فى تنوع المصادر واتساع الأفق، ومنحته شعورا متزايدا باليقين والاصطفاء، وهكذا حمل البحيرى معه رؤية للعالم لم تتبدل كثيرا مع تبدل الأزمنة، ثم مضت الأعوام فإذا به ينتقل من موقع التلقى إلى موقع الصياغة، ومن صفوف الأتباع إلى دائرة المؤثرين
حتى أصبح واحدا من الأمناء على الذاكرة الفكرية، وحارسا لأبواب الجماعة العقائدية.
وفى كل مساراته التنظيمية لم يكن من أولئك الذين تعرفهم الجماهير أو تتردد أسماؤهم على ألسنة الناس، فلم يكن خطيبا تهتف له الحشود، ولا سياسيا تتعقبه عدسات المصورين، ولا نجما من نجوم الإعلام الذين تصنعهم الشاشات، ولعله عاش معظم حياته مجهولا عند الجمهور، معروفا فقط داخل الأسوار التنظيمية للجماعة، ولكن خطورة بعض الرجال لا تأتى من شهرتهم، وإنما تأتى من قدرتهم على التأثير فى العقول ، وكانت هذه هى موهبة البحيرى الحقيقية؛ إذ لم ينشغل بقيادة الجماهير فيما انشغل بصياغة الوعى داخل التنظيم، ولم يعمل على تجنيد الأتباع والأعضاء لمصلحة التنظيم، بقدر ما عمل على صناعة الطريقة التى يفكر بها الأعضاء.
ولذلك، فإن دراسة سيرته ليست حديثا عن فرد، إنما هى محاولة لفهم تيار فكرى كامل تجسد فى عدد من قيادات الجيل القطبى، وكان البحيرى أحد أبرز مهندسيه التربويين، وإن ظل أقلهم شهرة عند الجمهور.
مفاتيح التربية والمال
والسؤال الذى يفرض نفسه هنا هو: كيف استطاع رجل لم يعرفه الجمهور، ولم تصنعه المنابر، ولم تمنحه الشهرة ما منحته لغيره، أن يترك هذا الأثر العميق فى بنية الجماعة؟ والجواب يكمن فى طبيعة الموقع الذى شغله، لا فى حجم الضوء الذى أحاط به
ذلك أن القوة الحقيقية التى مكنت «محمد أحمد البحيري» من فرض رؤيته، انطلقت من «الاحتكار المزدوج»؛ فقد جمع فى يديه مفاتيح «التربية» ومفاتيح «المال» فحين يشرف الرجل نفسه على وضع «مناهج التربية» التى تقدس القيادة وتعتبر التساؤل ضعفا فى الثقة، ويشرف فى الوقت ذاته على «المصادر المالية» التى تمول النشاط وتوفر الامتيازات، فإنه ينشئ نظاما «مغلق الدائرة» هنا، لا يمكن لعضو الجماعة أن ينتقد المنهج الفكرى دون أن يجد نفسه فى مواجهة «البارانويا الأمنية» التى غرسها البحيرى، ولا يمكنه نقد «الفساد المالي» دون أن يُتهم بالخروج عن «وحدة الصف» التى هو حارسها الأمين.
كما أن خطورة البحيرى لا تكمن فى أنه كان صاحب سلطة فحسب، بل فى كونه جسرا نقل الأفكار من عالم التنظير إلى عالم التربية اليومية، فالأفكار، مهما بلغت قوتها، تظل عاجزة عن صناعة الواقع ما لم تتحول إلى مناهج وسلوك، ومن خلال شخصية البحيرى، نرى بوضوح هذا «التأصيل التنظيمي» للاستعلاء؛ فالبنية الأمنية التى ميزت «التنظيم الخاص» عام 1939، كانت هى الحاضنة الحقيقية لنقل النظرية من بين أغلفة الكتب إلى فضاء التنظيم. وقد التقط البحيرى تلك البذور، ووجد فى كتابات سيد قطب الغطاء العقدى الذى يبرر «الاستعلاء» لم يكن قطب هنا مجرد مرجع فكرى، بل كان «الكاهن» الذى استند إليه البحيرى لتحويل الجماعة إلى «طليعة» فى حالة حرب دائمة مع مجتمع وُصِف بالجاهلية.
وهنا يفقد الإخوانى، شيئا فشيئا، فضيلة التواضع الفكري؛ فيصبح التعلم من المجتمع أمرا مرفوضا، والاعتراف بالخطأ ضعفا، والنقد الذاتى مدخلا من مداخل الشيطان، وقد ترتب على ذلك انتقال الجماعة من كونها «جماعة من المسلمين»، إلى تصور يجعلها «جماعة المسلمين» المحتكرة للحقيقة، والفارق هنا ليس لغويا فحسب، بل هو فارق يمس جوهر الفكرة؛ فحين ترى الجماعة نفسها ممثلة للأمة أو ناطقة باسمها، فإنها تضع نفسها فى موضع «الوصي» على المجموع، ومن ثم يصبح الخروج على التنظيم خروجا على المنهج، ونقد القيادة تشكيكا فى الإسلام.
القبطى
وتتجلى هذه الحالة فى «عقدة المُنقذ الأوحد»؛ ففى الفضاء الحركى يجد المريض بالاستعلاء ضالته بالاعتقاد بأنه المخلّص الذى انتظرته البشرية، مما يمنحه «سلطة أخلاقية مطلقة» تبرر له الجناية على الواقع؛ فكل وسيلة يسلكها —مهما كثرت آثامها— تظل فى عينه مقدسة. إن هذا الوباء الذى أصاب قطب والبحيرى ومن تلاهما، أفسد على الجماعة علاقتها بالمجتمع؛ إذ لم يعد المجتمع شريكا فى الوطن، بل أصبح موضوعا للرعاية حينا، وللوصاية حينا آخر، وللاتهام أحيانا كثيرة.
ولا تقف آثار هذه الحالة عند حدود الاستعلاء فحسب، بل تتجاوزها إلى ما هو أخطر، فحين يعتاد الإنسان النظر إلى نفسه بوصفه صاحب الرسالة المقدسة، والطليعة المختارة، والمُنقذ الذى يحمل وحده مفاتيح الجنة، تتضخم صورته فى وعيه حتى يعجز عن رؤية نفسه على حقيقتها، وعند هذه النقطة يبدأ كل نقد يُوجَّه إليه وكأنه عدوان على الحق ذاته، لا مجرد اعتراض على رأى أو مراجعة لفكرة، ومن هنا تنشأ حالة من الارتياب الدائم فى الآخرين؛ إذ لا يعود المخالف صاحب اجتهاد مختلف، وإنما يتحول إلى خصم متربص أو عدو خفى أو أداة فى يد مؤامرة كونية كبرى، ومع تراكم الانتقادات واتساع دائرة الرافضين، يزداد العقل الإخوانى التصاقا بأوهامه بدلا من أن يراجعها. فبدلا من أن يسأل نفسه: لماذا يختلف الناس معي؟ يبدأ فى التساؤل: من الذى حرض الناس عليّ؟ وبدلا من مراجعة الفكرة، يبحث عن المتآمر، ويصبح العضو الإخوانى الذى يسأل ويفكر وينتقد خائنا وتابعا لأجهزة أمنية، أو فاسدا أراد الدنيا فهزمته رغباته.
وهكذا يتحول الشعور بالاصطفاء شيئا فشيئا إلى شعور بالاضطهاد، ويتحول النقد الطبيعى الذى تتعرض له كل الجماعات البشرية إلى دليل جديد فى نظر أصحابه على أنهم أصحاب الحق الذين يحاربهم الجميع.
وإذا أردنا أن نفتش عن الجذر الأول لهذا المرض، فلن نجده فى السياسة وحدها، ولا فى التنظيم وحده، ولا فى ظروف الصراع وأحداثه، وإنما نجده متجذرا فى ذلك الوهم القديم الذى يداهم الإنسان حين يخلط بين الإيمان والخيرية المطلقة، وبين الثبات على المبدأ والتفوق على الخلق، فكل انغلاق على الذات يبدأ بادعاء امتلاك الحقيقة كاملة، وكل عجز عن مراجعة النفس يبدأ من اللحظة التى يقتنع فيها المرء بأنه خير من غيره، وهنا نغادر عالم التنظيمات إلى عالم الخلق، لنجد أن أول معصية فى الوجود لم تكن معصية شهوة، وإنما معصية استعلاء.
فليس فى تاريخ المعصية كلها مثال أبلغ من إبليس نفسه؛ فما حمله على العصيان إنكارٌ لوجود الله، ولا جهلٌ بأمره، وإنما حمله عليه شعورٌ متضخم بالخيرية والاستعلاء، لقد نظر إلى نفسه قبل أن ينظر إلى أمر ربه، وقاس الفضل بمقياس الهوى لا بمقياس الطاعة، فقال فى كبره وغروره: }أنا خير منه خلقتنى من نار وخلقته من طين{. وكانت هذه الكلمة القصيرة هى أول بيان للاستعلاء فى تاريخ الخليقة، ومنها بدأ طريق السقوط.
والإسلام لم يُبنَ على هذا المعنى قط؛ فقد نهى الله الناس عن تزكية أنفسهم، وترك أمر التقوى لعلمه وحكمه، لأن الإنسان لا يملك أن يزن قلبه فضلا عن أن يزن قلوب الآخرين، وكلما ازداد المؤمن إيمانا ازداد تواضعا، وكلما ازداد علما ازداد خوفا من أن يخدعه غروره.
أما الذين يرفعون لأنفسهم لواء الخيرية، ويمنحون ذواتهم حق الاستعلاء على الناس، فإنهم - وإن اختلفت الأسماء والشعارات - يسيرون فى الطريق نفسه الذى بدأه إبليس يوم ظن أنه خيرٌ من آدم.
لذلك حذرنا الله من أن نتبع خطوات الشيطان، ولكن الإخوان تناسوا وصايا الله سبحانه وتعالى، وأغلقوا قلوبهم، فوقعوا فيما وقعوا فيه من أخطاء وخطايا، أخطاء داخل التنظيم، وخطايا تجاه مجتمعاتهم.
ولعل هذا هو المأزق الحقيقى الذى يفسر أزمات جماعة الإخوان؛ إذ لم تكن المشكلة فى خصومهم، بل فى ذلك البناء الفكرى الشيطانيّ الذى أقام حائطا نفسيا بين التنظيم والأمة، فعندما أدلى مصطفى مشهور عام 1997 بتصريحه الشهير: «نحن على القرآن والسنة، فهل تطلبون منا أن نغير الدين؟»، كان يؤسس لقاعدة أن الإخوان هم الترجمة الواقعية للحق المطلق، وحين انفجرت الخلافات بين الإخوان لاحقا، اصطدمت هذه الصورة المثالية بواقع بشرى شديد التعقيد؛ فظهر التناقض الصارخ بين خطاب يرفع شعارات الزهد، وواقع امتلأ بصراعات النفوذ والمصالح.
إن دراسة تجربة البحيرى لا تعنى مجرد تدوين تاريخ، بل تعنى تشريح جثة فكرة وُلدت مبتسرة، لم تصلح للزمن الذى ولدت فيه، فلا يمكن أن تصلح للواقع الذى نعيشه، لقد كان الرجل تجسيدا لجيل ظن أن بناء «النواة الصلبة» يتطلب عزلها عن كل ما هو بشرى ووطنى، واليوم، وبعد أن سقطت أستار «الاستعلاء» تحت وطأة الصراعات المادية والأزمات الهيكلية، يواجه التنظيم حقيقة قاسية: أن المناهج التى أُسست على التعالى لا تنتج قادة قادرين على إدارة الأزمات، بل تنتج أتباعا لا يجيدون سوى حراسة الأطلال.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



