رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

الثانوية العامة «قضاء وقدر»

بوابة روز اليوسف

كيف تحولت الامتحانات إلى «كابوس» للأسر المصرية؟
 

 

«هوس المجموع» و«ضغوط الأهل» وصراع «كليات القمة»، جعل الثانوية العامة الـ «بعبع» للطلاب والأسر على حد سواء، فلم تعد مجرد مرحلة دراسية فى حياة الطلاب، بل تحولت إلى «اختبار نفسي» واجتماعى واقتصادى لعائلات كثيرة، لكن الحقيقة الغائبة عن الكثير، أن الثانوية مجرد «مرحلة انتقالية» وليست نهاية العالم.

 

وفى هذا الإطار أجرت «روزاليوسف» لقاءات مع عدد من الطلاب وأولياء الأمور والخبراء التربويين، لرصد أبرز التحديات والضغوط التى تواجههم، واستطلاع رؤيتهم لسبل تطوير المنظومة التعليمية وتخفيف حدة القلق المرتبط بهذه المرحلة.
 


الخوف من التنسيق
 


قال «ي.م»، طالب بالصف الثالث الثانوى الشعبة الأدبية، لـ«روزاليوسف»: إن مستقبله مرتبط بالمجموع الذى يحصل عليه باعتباره «بطاقة العبور» إلى الكلية التى يحلم بها، مؤكدًا أن التنسيق يظل العامل الحاسم فى تحديد مستقبله الجامعي.
 


وأضاف، أنه خاض ما وصفه بـ«ماراثون مذاكرة»، تصاعد تدريجيًا خلال العام الدراسى، إذ بدأ بعدد ساعات أقل ثم ازداد مع الوقت ليصل إلى ذروته فى الفترة الأخيرة من العام، موضحا أن نظام الثانوية العامة عادل فى تقييم القدرات، لكنه يفرض تكلفة نفسية واجتماعية مرتفعة على الطلاب.
 


مخاوف الأهل وعزلة اجتماعية
 


من جانبها، كشفت منة، الطالبة بالشعبة العلمية، أن أكبر التحديات التى تواجه طلاب الثانوية العامة، يتمثل فى الضغوط الأسرية، موضحة أن نظرة الأسرة إلى هذه المرحلة تنعكس بصورة مباشرة على الأبناء.
 


وأضافت:« إذا كان الأهل لا يعطون الثانوية العامة أهمية كبيرة فلن يشعر الطالب بضغط حقيقى، أما إذا سيطر عليهم القلق والخوف فسينتقل هذا الشعور تلقائيًا إلى أبنائهم».
 


وأشارت إلى أن حياتها الاجتماعية تأثرت بشكل كبير خلال العام الدراسى، مضيفة: «لم يعد هناك وقت للأصدقاء أو للخروج، وحتى داخل الأسرة أصبح التركيز مُنصبًا بالكامل على النتيجة والمستقبل، دون الالتفات إلى أى تفاصيل أخرى».
 


دمج الجيولوجيا مع الأحياء زاد الضغوط
 


وفى السياق ذاته، أوضح أحمد، طالب بالشعبة العلمية، أنه رغم محاولات وزارة التربية والتعليم تقليل الأعباء على الطلاب عبر خفض عدد المواد المضافة للمجموع، فإن آلية توزيع الدرجات الجديدة أدت من وجهة نظره إلى زيادة التوتر والضغط النفسي.
 


وأشار إلى أن دمج مادة «الجيولوجيا» مع «الأحياء» جعل امتحان «البيولوجي» أكثر صعوبة وتعقيدًا، وهو ما انعكس على نتائج الطلاب، إذ لم يحصل سوى عدد محدود للغاية على الدرجة النهائية فى المادة، مقارنة بآلاف الطلاب الذين حصلوا على الدرجات النهائية فى مواد أخرى مثل اللغة العربية والرياضيات.
 


ويرى أحمد، أن هذا التفاوت يثير تساؤلات حول مستوى صعوبة الامتحان، مؤكدًا أن ذلك انعكس سلبًا على المجاميع النهائية لعدد كبير من طلاب شعبة علمى علوم.
 


أعباء مالية
 


تقول نادية، والدة أحد طلاب الثانوية العامة، إن هذه المرحلة تمثل عبئًا ماليًا استثنائيًا على الأسر المصرية، مع إعادة ترتيب أولويات الإنفاق لتغطية متطلبات الدراسة، وفى مقدمتها الدروس الخصوصية والمواصلات والكتب الخارجية والمراجعات النهائية، مشددة على أن الدروس الخصوصية أصبحت جزءًا أساسيًا من العملية التعليمية نظرًا لما توفره من متابعة مستمرة ودعم دراسى للطلاب.
 


ومن جانبها، أوضحت سامية، ولية أمر أحد الطلاب، أن القلق لدى أولياء الأمور غالبًا ما يفوق ما يشعر به الأبناء، حيث تتحول الأسرة خلال فترة الامتحانات إلى حالة من الدعم والمتابعة المستمرة، وسط مخاوف من الإجهاد أو صعوبة الامتحانات وتأثيرها على النتائج.
 


وأضافت، أن المنافسة بين الأسر والمقارنات المستمرة بين الأبناء وأقاربهم تزيد من حدة الضغوط النفسية، وتحوّل النجاح من هدف شخصى إلى وسيلة لإثبات التفوق اجتماعيًا، ما يجعل الثانوية العامة عبئًا نفسيًا يتجاوز حدود الدراسة والامتحانات.
 


تعدد المسارات الدراسية
 


وفى نفس السياق قال محمد، ولى أمر أحد طلاب الثانوية العامة، إن الدعم النفسى للأبناء خلال هذه المرحلة لا يقل أهمية عن الدعم الدراسى، موضحًا أن الأسرة تحرص على تشجيع الطالب باستمرار وتعزيز ثقته بنفسه، مع التأكيد أن بذل الجهد هو الأهم بغض النظر عن النتيجة النهائية.
 


وأضاف، أنهم يسعون إلى تخفيف الضغوط عن أبنائهم من خلال توفير أوقات للراحة والترفيه عند الشعور بالإجهاد، إلى جانب توزيع أدوار الدعم بين جميع أفراد الأسرة، بما يخلق بيئة مستقرة تساعد الطالب على تجاوز هذه المرحلة بأقل قدر من التوتر، مشيرا إلى أهمية عدم تصوير الثانوية العامة على أنها المحطة الوحيدة التى تحدد مصير الطالب، خاصة أن ذلك يسهم فى تقليل الضغوط النفسية وتحسين الأداء.
 


وفيما يتعلق بتطوير منظومة التعليم، أعرب عن تأييده لتوجه وزارة التعليم نحو إتاحة تعدد المسارات الدراسية، معتبرًا أنها خطوة إيجابية من شأنها تخفيف الأعباء عن الطلاب والأسر، ومنح الطلاب فرصة أكبر لاستيعاب المناهج بدلًا من تحمل كم كبير من المواد الدراسية خلال عام واحد.
 


الصحة النفسية للطالب أهم
 


بينما أكد الدكتور تامر شوقى، الخبير التربوى والأستاذ بكلية التربية جامعة عين شمس، لـ«روزاليوسف»، أن الثانوية العامة لا تزال تمثل مصدر القلق الأكبر داخل الأسر المصرية بسبب الموروث الثقافى الذى يربط مستقبل الطالب بالكامل بنتيجة عام واحد، رغم التوسع الكبير فى منظومة التعليم العالى وارتفاع عدد الجامعات الحكومية والأهلية والخاصة والتكنولوجية إلى ما يزيد على 120 جامعة، مرجعًا استمرار الضغوط إلى تزايد أعداد الطلاب وتمسك كثير من الأسر بالالتحاق بالجامعات الحكومية التقليدية.
 


وأوضح، أن استحداث نظام البكالوريا الجديد يمثل محاولة جادة لإنهاء فكرة «الفرصة الواحدة» التى تجعل مصير الطالب مرتبطًا بامتحان واحد، مشيرًا إلى أن النظام الجديد يتيح للطالب عدة فرص للامتحان تصل إلى أربع مرات لكل مادة، مع تقليص عدد المواد إلى 6 مواد موزعة على عامين، وإتاحة اختيار بعض المواد التخصصية وفق ميول الطالب.
 


وأشار إلى أن القلق لا يرتبط بشكل الامتحان سواء كان بنظام «البابل شيت» أو الأسئلة المقالية، وإنما بمستوى التحصيل الدراسى، لافتًا إلى أن «البابل شيت» يفرض استذكار جميع أجزاء المنهج، بينما يرتبط تخوف الأسر منه بإمكانية الغش الإلكترونى وتسريب الإجابات.
 


وقدم «شوقي» مجموعة من النصائح للأسر لدعم أبنائهم نفسيًا، أبرزها توفير بيئة أسرية هادئة، واستخدام خطاب إيجابى ومطمئن بشأن الامتحانات، وعدم رفع سقف التوقعات أو ربط النجاح بكليات بعينها، إلى جانب الاعتماد على التحفيز والمكافأة بدلًا من التهديد، والابتعاد تمامًا عن المقارنات والتنمر أو التقليل من قدرات الطالب. وانتقد الخبير التربوى، ثقافة اختزال قيمة الطالب فى مجموع الثانوية العامة، مؤكدًا أن المجتمع يجب أن يتبنى مفهوم «الذكاءات المتعددة»، فالتفوق لا يقتصر على الجانب الأكاديمى، بل يشمل مجالات أخرى كالفنون والرياضة والبرمجة والذكاء الاصطناعى، التى باتت تفتح آفاقًا واسعة للنجاح.
 


وأضاف، أن ضغوط الثانوية العامة لا تقتصر على الطلاب متوسطى المستوى، بل تمتد أيضًا إلى المتفوقين خوفًا من فقدان الدرجات، ما ينعكس سلبًا على الصحة النفسية، مؤكدًا أن الصحة النفسية للطالب أهم وأبقى من مجموع الثانوية العامة.
 


وفى ختام تصريحاته، دعا إلى تطبيق منظومة قبول جامعى أكثر شمولًا، بحيث لا يكون مجموع الثانوية العامة المحدد الوحيد للالتحاق بالجامعة، مقترحًا أن يمثل المجموع 30 % من التقييم، واختبارات عامة موحدة 30 %، واختبارات القدرات والذكاء والاستعدادات 40 %، مؤكدا أن هذه الآلية من شأنها تخفيف الضغوط وتوزيع عبء التقييم، مع الإقرار بأن قطاعًا كبيرًا من المجتمع لا يزال يرى فى نظام التنسيق التقليدى الصيغة الأكثر عدالة وتكافؤًا للفرص.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط