تطوير التعليم ومواجهة التطرف ودعم للمرأة.. الأزهر الشريف عقد من الإنجاز
على مدار أكثر من ألف عام، ظل الأزهر الشريف منارةً للفكر الوسطي، وكانت الفترة الممتدة من عام 2014 وحتى عام 2026 مدة استثنائية في تاريخ هذه المؤسسة العريقة، وبتوجيهات ورؤية فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، انخرط الأزهر في عملية تطوير هيكلي، وفكري، وتكنولوجي غير مسبوقة.
ولم يقتصر دور المؤسسة على الوعظ التقليدي، بل تحولت إلى لاعب إقليمي ودولي بارز في صياغة السلام العالمي، ومكافحة التطرف، وتقديم الدعم الإنساني والتنموي، بالتوازي مع عملية تجديد حقيقية لمنظومتها التعليمية والدعوية في الداخل المصري.
وشهدت الفترة (2014 - 2026) تحولاً استراتيجياً في توظيف القوة الناعمة للأزهر من خلال الجولات المكثفة لفضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب عبر قارات العالم، والتي اتسمت بطابع سياسي وإنساني دافع عن حقوق الشعوب ووجه وجهة الإسلام الحقيقية للعالم.
وخلال تلك الفترة، شملت جولات الإمام الأكبر العواصم الأوروبية الكبرى مثل (باريس، ولندن، وروما، وجنيف). وحظيت لقاءات الإمام في الفاتيكان بالاهتمام الأكبر، حيث التقى بالبابا فرنسيس الراحل في قمم متعددة كسرت الجفاء ، وخلال الزيارة كان له كلمات تاريخية لتفنيد ظاهرة "الإسلاموفوبيا" والتأكيد على قيم المواطنة.
ولم تقتصر زيارات الإمام الأكبر على أوروبا، بل شملت العديد من الدول في إفريقيا وآسيا حيث زار الإمام الأكبر دولاً إستراتيجية مثل إندونيسيا، وكازاخستان، وسنغافورة، وماليزيا، لتعزيز الروابط التعليمية والثقافية والاعتراف المتبادل بالشهادات التعليمية. وفي إفريقيا، ركزت الزيارات (مثل نيجيريا وموريتانيا) على دعم السلم المجتمعي ومواجهة الجماعات المتطرفة ميدانياً عبر إرسال قوافل العلماء والوعاظ.
ونجحت هذه الجولات في ترسيخ مكانة الأزهر كمرجعية إسلامية أولى لدى صناع القرار الدولي، حيث استقبلت مشيخة الأزهر بالقاهرة عشرات الرؤساء والملوك ورؤساء الوزراء من مختلف دول العالم كجزء من بروتوكول زياراتهم الرسمية لمصر، اعترافاً بدور المشيخة في صياغة الاستقرار الفكري العالمي.
كما كان للأزهر الشريف بصمة قوية خلال تلك الفترة على الساحة الدولية، حيث استضاف الأزهر الشريف ونظّم عشرات المؤتمرات العالمية التي صاغت أدبيات فكرية جديدة، وتحولت توصياتها إلى وثائق دولية تُدرس في المعاهد السياسية والدينية حول العالم.
وكان من أبرز تلك المؤتمرات، مؤتمر الأزهر العالمي لمواجهة الإرهاب (2014)، الذي وضع اللبنة الأولى في المواجهة الفكرية العلنية للتنظيمات الإرهابية، بمشاركة علماء وممثلي 120 دولة، حيث أعلن الأزهر براءته وبراءة الإسلام من الفكر التكفيري ونبذ "الخلافة المزعومة".
كما نظم الأزهر مؤتمر الحرية والمواطنة (2017)، الذي صاغ "إعلان الأزهر للمواطنة والعيش المشترك"، والذي ألغى فيه مصطلح "الأقليات" واستبدله بالمواطنة الكاملة المتساوية في الحقوق والواجبات لجميع المواطنين بغض النظر عن الدين أو العرق، وهناك أيضا مؤتمر الأزهر العالمي للسلام (2017)، والذي شهد حضوراً تاريخياً لبابا الفاتيكان الراحل فرنسيس وقادة الأديان حول العالم، وأرسى دعائم الحوار كبديل لصدام الحضارات.
كما كانت وثيقة الأخوة الإنسانية في (2019) تتويجا مهما لدور الأزهر حيث وقع فضيلة الإمام الأكبر والبابا فرنسيس على "وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك" في أبوظبي، التي تحولت لاحقاً إلى وثيقة رسمية اعتمدتها الأمم المتحدة، وأعلنت يوم توقيعها (4 فبراير) يوما عالميا للأخوة الإنسانية.
كما نظم الأزهر مؤتمرات التجديد والتحديات المعاصرة التي ركزت على القضايا المستجدة مثل "مؤتمر الأزهر العالمي لتجديد الفكر الإسلامي"، ومؤتمرات مناقشة التغيرات المناخية، والتحديات الرقمية، والذكاء الاصطناعي من منظور الفقه الإسلامي ومبادئ الأخلاق الإنسانية.
وكان هناك مؤتمر البحرين للحوار الإسلامي‑الإسلامي (فبراير 2025، والذي أكد خلاله الإمام الأكبر على تعزيز وحدة الأمة، وإرساء أسس الحوار العلمي بين مختلف المذاهب، وترسيخ الاعتدال كخطاب عالمي.
كما نظم الأزهر مؤتمره لدعم حقوق المرأة (فبراير 2026)، الذي سلط الضوء على أهمية الخطاب الديني في حماية حقوق المرأة وتعزيز مشاركتها الاجتماعية والاقتصادية.
على مدار العقد الأخير، قاد قطاع المعاهد الأزهرية وجامعة الأزهر أضخم عملية مراجعة وتطوير في تاريخ المنظومة التعليمية للحاق بركب العصر وتطهير الفكر من الشوائب والجمود.
وبشأن تنقية وتطوير المناهج، تم إلغاء الكتب التراثية التي لا تتناسب مع مقتضيات العصر الحديث في المراحل قبل الجامعية، وتكليف لجنة علمية رفيعة المستوى بصياغة مناهج جديدة تماماً تمتاز بالتبسيط، وإبراز قيم التسامح، وقبول الآخر، وتفنيد شبهات الجماعات المتطرفة. وتم تطبيق منهج "الثقافة الإسلامية" كمادة إجبارية للمرحلتين الإعدادية والثانوية لإنصاف المفاهيم المغلوطة.
كما شهدت جامعة الأزهر توسعا نوعيا في الكليات العملية والنظرية، حيث تم استحداث فروع وكليات جديدة وتطوير المستشفيات الجامعية، تمثل التحول الأبرز في حصول أكثر من 30 كلية أزهرية على شهادة الاعتماد والجودة من "الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد"، ودخول الجامعة ضمن التصنيفات الدولية المرموقة (مثل تصنيف تايمز وكيو إس) بفضل قفزة البحث العلمي الإنشائي والمقالي، وفيما يتعلق بالتعليم قبل الجامعي تم اعتماد ١٣٠١ معهد أزهري.
وعن التحول الرقمي التعليمي، جرى تعميم "منصة الأزهر التعليمية"، وميكنة منظومة الطعون والامتحانات (نظام البوكليت الشهير للشهادة الثانوية الأزهرية للقضاء على الغش وتسريب الامتحانات، وتطبيق نظم إدارة التعلم الإلكتروني في كليات الجامعة والمعاهد النموذجية.
ولمواجهة سيل الفتاوى المضللة وخطاب الكراهية على الإنترنت، أنشأ الأزهر الشريف مؤسسات حديثة أدخلت الآليات التكنولوجية في عمق العمل الدعوي والبحثي.
وقام الأزهر بتأسيس مرصد الأزهر لمكافحة التطرف عام 2015، والذي يُعد "العين الحارسة" للأزهر على العالم؛ ويعمل بـ 13 لغة أجنبية حية، ويقوم برصد وتحليل وتفكيك الإصدارات المرئية والمكتوبة للجماعات المتطرفة (مثل داعش والقاعدة وحركات اليمين المتطرف)، وإصدار تقارير دورية ودراسات نوعية تُرسل للمؤسسات الأمنية والفكرية الدولية لإحباط استقطاب الشباب.
كما تم تأسيس مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية في عام 2016)، وهي منصة رقمية ضخمة تهدف لضبط بوصلة الإفتاء، تضم مئات الباحثين والباحثات للرد المباشر على الهاتف، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتطبيقات الهواتف الذكية، وخلال تلك الفترة وحتى الآن تعامل المركز مع ملايين الفتاوى، وأطلق مبادرات ميدانية كبرى مثل "وحدة لمّ الشمل" لمواجهة ظاهرة الطلاق والتفكك الأسري وقضايا المواريث.
كما للأزهر ذراعها التدريبي وهو أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والوعاظ وباحثي الفتوى، وتم تأسيسها وتطويرها لتصبح مركزاً دولياً لتدريب الأئمة والوافدين من مختلف دول العالم، وركزت برامج الأكاديمية على تزويد الأئمة بالعلوم الحديثة (علم النفس، علم الاجتماع، الأمن القومي، والتعامل الفني مع الفضاء الرقمي) لتمكينهم من تفكيك الفكر المتطرف بآليات عصرية.
كما اهتم الأزهر بشكل خاص بالوافدين، حيث يمثل الطلاب الوافدون في الأزهر جيش مصر الدبلوماسي الأبيض في الخارج، وحظي هذا الملف برعاية استثنائية من مشيخة الأزهر لضمان سلامتهم الفكرية والبدنية.
وأنشأ الأزهر مركز تطوير تعليم الطلاب الوافدين والأجانب، لتنظيم عملية قيد وتعليم الطلاب غير المصريين (الذين يتجاوز عددهم 40 ألف طالب من أكثر من 100 دولة حول العالم)، وصاغ المركز مناهج خاصة بمعاهد البعوث الإسلامية لتأهيل الطلاب لغوياً وفكرياً قبل الالتحاق بالجامعة.
كما شهدت مدن البعوث الإسلامية (سواء للذكور أو الإناث) عمليات إحلال وتجديد شاملة لبنيتها التحتية، مع توفير رعاية معيشية، وصحية، وثقافية كاملة ومجانية بتوجيهات ومتابعة مباشرة من شيخ الأزهر.
كما اهتم الأزهر بمنظومة المبتعثين بالخارج، حيث يُرسل الأزهر سنوياً مئات العلماء والمقرئين إلى مختلف قارات العالم (خاصة في شهر رمضان وعبر بعثات ممتدة لسنوات) لنشر الفكر الوسطي، وإدارة المراكز الإسلامية الكبرى في أوروبا والأمريكتين وإفريقيا، ليكونوا حائط صد ضد الأفكار المتطرفة والدخيلة على المجتمعات المسلمة هناك.
وتخلى الأزهر في هذا العقد عن العمل من خلف المكاتب، وانطلق رجاله ونساؤه إلى عمق المجتمع المصري لمعالجة مشكلاته بمرونة عالية وعبر قنوات مبتكرة.
وأطلق مجمع البحوث الإسلامية آلاف القوافل الدعوية الشاملة التي جابت المحافظات المصرية، مستهدفة المقاهي الثقافية، مراكز الشباب، السجون، المدارس، والمصانع، ولم يقتصر الحديث على الوعظ الديني، بل امتد لترسيخ قيم العمل، والانتماء الوطني، ومواجهة الشائعات.
كما عمل الأزهر على ملف تمكين الواعظات، شهدت هذه الفترة قفزة غير مسبوقة في إشراك "الواعظات الأزهرية" في العمل الميداني والفتوى النسائية والمشاركة في القوافل الميدانية، لملء الفراغ الذي كانت تستغله جماعات الإسلام السياسي لاستقطاب النساء.
كما تعد لجنة المصالحات العليا، من الأنشطة النوعية الكبرى؛ حيث نجحت اللجنة، بالتنسيق مع أجهزة وزارة الداخلية، في إنهاء مئات الخصومات الثأرية المعقدة في محافظات الصعيد والدلتا، وحقن الدماء وإرساء قواعد الصلح القانوني والمجتمعي.
أما عن بيت العائلة المصري، فبالتعاون بين الأزهر الشريف والكنيسة القبطية الأرثوذكسية، واصل "بيت العائلة" فعالياته من خلال فروع بجميع المحافظات لوأد أي فتنة طائفية في مهدها، ونشر قيم التآخي والعيش المشترك عبر أنشطة ولقاءات دورية تجمع القساوسة والأئمة بالشباب.
وتكاملت رسالة الأزهر الفكرية مع رسالته الإنسانية، حيث قاد جهوداً ضخمة لتخفيف المعاناة عن كاهل الفئات الأكثر احتياجاً محلياً ودولياً.
حيث شهد بيت الزكاة والصدقات المصري (تحت إشراف شيخ الأزهر) نمواً هائلاً في موارده وإنفاقه منذ إعادة تنظيمه. قدم البيت مساعدات نقدية شهرية مستمرة لم مئات الآلاف من الأسر المستحقة، ودعم قطاع "الغارمات" بالإفراج عنهن وسداد ديونهن، وتكفل بتجهيز العرائس الأيتام، فضلاً عن بناء وترميم المنازل المتضررة من السيول والكوارث الطبيعية بالقرى الأكثر احتياجاً ضمن المبادرات الرئاسية.
كما سير الأزهر القوافل الطبية والإغاثية الداخلية، بصفة دورية للمحافظات الحدودية والنائية (مثل سيناء، ومطروح، والوادي الجديد، وحلايب وشلاتين)، تضمنت القوافل إجراء عمليات جراحية معقدة بالمجان، وصرف الأدوية، وتوزيع آلاف الأطنان من المواد الغذائية والملابس.
وامتدت يد الأزهر الإغاثية إلى الخارج بشكل لافت؛ حيث أرسل قوافل طبية وإنسانية كبرى لدول إفريقية وآسيوية متضررة من الأوبئة والنزاعات (مثل الصومال، تشاد، والنيجر، ومخيمات مسلمي الروهينجا في بنغلاديش)، كما برز دور الأزهر بقوة في تسيير قوافل المساعدات الضخمة لقطاع غزة، والسودان، لمواجهة الأزمات الإنسانية الحادة.
ولضمان رعاية الوعي من الطفولة وحتى النضوج الفكري، يتبنى الأزهر أنشطة ثقافية دقيقة تسهم في تشكيل الهوية العربية والإسلامية وحمايتها من الاستلاب الثقافي.
وأصدرت الرابطة العالمية لخريجي الأزهر برعاية مباشرة من الإمام الأكبر الأزهر مجلة "نور" للأطفال في العام 2015: لتكون بديلاً وطنياً مجابهاً للأفكار الدخيلة وتغريب الأطفال.
وتُرجمت المجلة لعدة لغات، وتحولت بعض قصصها إلى مسلسلات رسوم متحركة بُثت على الشاشات الرسمية لترسيخ قيم المواطنة، وتاريخ مصر، وقبول الآخر بطرق جاذبة.
كما مثل مركز الأزهر للترجمة الجسر الفكري للأزهر نحو الغرب؛ وتولى المركز ترجمة مئات المؤخّرات وأمهات الكتب الإسلامية وبيانات الأزهر إلى أكثر من 13 لغة أجنبية حرة، ونشرها إلكترونياً وفي المعارض الدولية لتصحيح صورة الإسلام ومواجهة ظاهرة "الإسلاموفوبيا" فكرياً.
كما نشط معهد المخطوطات في ترميم ورقمنة آلاف الوثائق التراثية النادرة لحفظ الهوية التاريخية للمكتبة الإسلامية، وتتوج هذه الأنشطة سنوياً بـ "جناح الأزهر الشريف بمحيط معرض القاهرة الدولي للكتاب"، الذي تحول إلى ظاهرة ثقافية متميزة عبر تقديم إصدارات علمية بأسعار رمزية، وتنظيم ندوات تثقيفية تفاعلية وعروض مسرحية تخدم مئات الآلاف من الزوار سنويا .
أثبت الأزهر الشريف، عبر حصاد أعماله من 2014 حتى 2026، أنه مؤسسة حيوية متجددة استطاعت تطويع التكنولوجيا العصرية، وتطوير أساليبها الإدارية والتعليمية، والاشتباك المباشر مع قضايا الإنسان المعاصر في مصر وخارجها. وإن هذا العقد من الإنجازات حوّل الأزهر الشريف إلى مظلة أمان فكري واجتماعي محلياً، وركيزة أساسية للدبلوماسية الإنسانية والروحية على الساحة الدولية.





