الانتظار الطويل قبل تحقيق الانتصار المستحيل
فى الساعة الرابعة عصر السابع والعشرين من مايو 1934.. بدأت مصر أولى مبارياتها المونديالية أمام تسعة آلاف متفرج فى استاد جورجيو أسكاريلى بمدينة نابولى الإيطالية.. ولم يكن المصريون خائفون من مواجهة المجريين فى مباراتهم الأولى.. فلم يسبق لمصر أو المجر المشاركة فى المونديال الأول الذى استضافته أوروجواى 1930.. وفى آخر مسابقة كروية أوليمبية استضافتها أمستردام 1928 قبل أن يخترع الفيفا هذا المونديال الجديد.. لم تشارك المجر وفازت مصر بالمركز الرابع، وكان ذلك يعنى وقتها أن مصر الكروية هى رابعة العالم حيث كان الفيفا يعتمد النتائج الأوليمبية لترتيب بلدان العالم.
أول انتصار كروى رسمى لمصر كان الفوز على المجر بثلاثة أهداف نظيفة فى دورة باريس الاوليمبية 1924.. وبالتالى لم يكن المصريون خائفين أو صغارا اضطرهم المونديال لمواجهة أحد الكبار.. لكنهم فوجئوا حين بدأت المباراة بالمجر تحرز هدفين فى أول 30 دقيقة فى الشوط الأول.. وتوقع الكثيرون انهيار المنتخب المصرى وانتهاء المباراة بهزيمة ثقيلة للمصريين.. ولم يحدث ذلك وعاد المصريون وسجل عبد الرحمن فوزى هدفين فى أربع دقائق لينتهى الشوط الأول بالتعادل.. وفى الشوط الثانى ألغى الحكم الإيطالى رينالدو بارلاسينا هدفا لمصر أحرزه مختار التتش.. وتوتر المصريون وأحرز المجر هدفها الثالث.. ولم يحتسب الحكم شيئا ضد المجرى تولدى الذى اعتدى على حارس المرمى المصرى مصطفى كامل منصور وكسر أنفه وسدد الكرة فى المرمى محرزا الهدف الرابع.. وانتقدت الصحافة الإيطالى الحكم واتهمته بالتحيز ضد مصر وأنه هو الذى هزمهم وليس المجريون.. وبعد سنتين جاء تولدى بنفسه إلى مصر واعتذر لمصطفى كامل محمود.. ولأن المشاركة المونديالية وقتها كانت مجرد مباراة وحيدة فلم ينل المصريون فرصة لعب مباراة ثانية يحققون فيها انتصارهم المونديالى الأول
ولم تشارك مصر بعد مونديال 1934 فى تصفيات مونديال 1938.. ومونديال 1950.. وخسرت أمام إيطاليا فى تصفيات مونديال 1954.. ولم تشارك مصر أو انسحبت من تصفيات المونديال من 1958 حتى 1970.. وخسرت التصفيات من 1974 حتى 1986 وتأهلت أخيرا لتشارك للمرة الثانية فى تاريخها فى مونديال إيطاليا 1990.. وكان للغياب المصرى عن المونديال 56 سنة نتيجته الواضحة والطبيعية فى أن المصريين لم يعودوا يحلمون بأكثر من مجرد المشاركة المونديالية.. علمهم وأقنعهم الغياب الطويل أنهم ليسوا من البلدان المؤهلة لتحقيق أى انتصار فى أى مونديال وكان ذلك تفسيرا لفرحة كروية هائلة وخرافية عاشتها مصر مرتين.. الأولى حين فازت على الجزائر لتتأهل لمونديال 1990.. والثانية حين تعادلت مصر فى أولى مبارياتها فى هذا المونديال أمام هولندا.. ونجح الإعلام المصرى بكافة أطيافه ومجالاته فى أن يحيل هذا التعادل إلى انتصار كروى خرافى.. وتوالت الاحتفالات أياما وشهورا وامتلكنا قدرة هائلة على خداع الذات وابتكار تعبيرات كروية مصرية استثنائية مثل التمثيل المشرف والتعادل بطعم الفوز.. ولأنه فى ذلك الوقت كانت أبواب كثيرة مغلقة بدون إنترنت وتواصل اجتماعى وسماوات مفتوحة.. فقد استسلم الجميع لتجاهل الإعلام المصرى لما قامت به الكاميرون فى نفس المونديال.. ورغم أنها كانت أيضا مشاركتها المونديالية الثانية مثلنا.. لكنها فازت على الأرجنتين حاملة لقب مونديال 1986 وفازت على رومانيا وخسرت أمام الاتحاد السوفييتى وتصدرت مجموعتها.. وفازت على كولومبيا فى دور الـ 16 وخسرت أمام إنجلترا فى دور الثمانية بضربة جزاء فى الوقت الإضافى.. ولم يشغلنا ذلك كله واعتبرنا أن التعادل مع هولندا أجمل وأهم وأغلى مما قامت به الكاميرون وأى دولة أفريقية سبقتها وشاركت فى المونديال ولعبت وانتصرت.
وتعادلت مصر فى مباراتها الثانية فى مونديال 1990.. تعادل كانت تريده مصر وتراه أقصى طموحها ولم تحلم مطلقا بالفوز.. وخسرت مصر المباراة الثالثة أمام إنجلترا وعادت البعثة المصرية لتستقبلها القاهرة استقبال الأبطال.. ولم ينتبه وقتها أحد إلى أن حفلات التكريم المتتالية والجوائز والمكافآت الضخمة التى تسابق الكثيرون لتقديمها وحفاوة الدولة والناس والإعلام.. كل ذلك أكد انطباعا داخل الجميع بأننا لا نستحق ولا نستطيع إلا التعادل فى أى مونديال مقبل ليرضينا ذلك ويسعدنا أيضا.. ورغم الفوز ببطولة أمم أفريقيا 1998 ثم 2006 و2008 و2010.. بقينا غائبين عن كل مونديال ونفشل فى كل تصفيات أفريقية مونديالية رغم أننا أصبحنا أبطال أفريقيا دون منازع بالأرقام والنتائج.. وارتضينا طويلا هذه القسسمة الكروية.. أن نلعب ونتألق ونفوز فى بطولات أفريقيا.. وأن نلعب ونفشل ونخسر فى تصفيات أفريقيا للمونديال.. مع أنها نفس القارة ونفس البلدان التى نفوز عليها فى السباق القارى ونضعف ونخسر أمامها فى السباق المونديالى.. وظل الأمر قائما حتى نجحنا فى التأهل للمرة الثالثة فى مونديال روسيا 2018.
وأوقعتنا قرعة مونديال 2018 فى مجموعة واحدة مع روسيا وأوروجواى والسعودية.. لم نتخيل أو نحلم بالفوز على روسيا أو أوروجواى لكن بدأ نأمل فى محاولة الفوز على السعودية ليكون أول انتصار مونديالى لمصر.. أمل كان محفوفا بالحذر والخوف من تكرار الهزيمة الرسمية أمام السعودية التى لعبنا أمامها فى كأس العالم للقارات فى المكسيك 1999 وخسرنا بخمسة أهداف مقابل هدف واحد.. ثم نسينا هذا الخوف وشجعتنا على التمادى فى حلم الفوز على السعودية خسارتها لمباراتها الأولى هذا المونديال أمام روسيا بخمسة أهداف نظيفة.. وفى انتظار مباراتنا أمام السعودية.. لم نحزن بالخسارة أولا أمام أوروجواى وثانيا أمام روسيا.. وتقدمنا بالفعل على السعودية بهدف لمحمد صلاح فى الدقيقة 22.. وتخيلنا ضرورة الوقوف أمام مرمانا دفاعا عن هذا الهدف وانتظارا للانتصار الأول الذى لم يحدث حيث تعادلت معنا السعودية ثم فازت بالمباراة
وبعد الفشل فى التأهل للمونديال القطرى 2022.. تأهلنا لمونديال 2026.. وتعادلنا فى المباراة الأولى أمام بلجيكا.. وحاول كثيرون حكاية مونديال 1990 والتعادل مع هولندا واقتسموا الفرحة وتبادلوا التهانى بعد التعادل مع بلجيكا.. ولم ينجحوا نفس النجاح الذى تحقق فى 1990.. فالدنيا تغيرت والمصريون بات باستطاعتهم متابعة ما يحدث كرويا فى العالم حولهم.. وعرفوا ما حققته منتخبات الكاميرون وغانا والسنغال قبل فوز المغرب بالمركز الرابع فى مونديال 2022.. ولم يعد ممكنا أن يبقى التعادل مع بلجيكا هو الإنجاز الأكبر والأهم والأجمل لمنتخب اليوم مثلما عاش منتخب 1990 سنوات طويلة يحتفل ويتباهى بالتعادل مع هولندا.. وبالفعل بدأ المنتخب المصرى مباراته الثانية يريد لاعبوه الفوز المونديالى لأول مرة فى تاريخ مصر.. وكان معهم فى الملعب وفى مدينة فانكوفر الكندية جيش من العشاق جاءوا من كل أرجاء كندا والولايات المتحدة ومن مصر وأوروبا.. تسبقهم أحلامهم وإيقاع دقات قلوبهم ويحملون أعلام مصر فى أيديهم وفوق أكتافهم فى انتظار الانتصار.. وبالفعل.. وبعد 92 سنة.. تحقق هذا الانتصار الأول وفازت مصر على نيوزيلندا.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



