من الخازندار إلى بركات..
التنظيم الخاص.. مشروع «البنا الدموى»
القتل طريق الإخوان لتحقيق شعار «لنحكمكم لنقتلكم»
فى صباح يوم الإثنين 29 يونيو 2015، خرج المستشار هشام بركات من منزله فى حى مصر الجديدة متجهًا إلى مكتبه كعادته.. لم يكن الرجل الذى قضى سنوات طويلة بين ملفات القضايا والتحقيقات يعلم أن دقائق قليلة فقط تفصله عن موعده الأخير مع الحياة.. وأنه سيذهب فى هذا اليوم شهيدًا.
تحولت لحظات الصباح العادية إلى مشهد من الدمار والدماء.. تناثرت الشظايا فى كل اتجاه، وارتفعت أعمدة الدخان، وسقط عشرات المصابين، بينما نُقل المستشار هشام بركات إلى المستشفى فى محاولة لإنقاذ حياته.. وبعد ساعات قليلة أعلن نبأ وفاته متأثرًا بجراحه، لتفقد مصر أحد أبرز رجال القضاء فى واحدة من أخطر العمليات الإرهابية التى شهدتها البلاد فى تاريخها الحديث.
لم تكن الجريمة مجرد اغتيال لشخصية عامة أو مسئول رفيع المستوى؛ بل كانت رسالة عنيفة موجهة إلى الدولة والمجتمع فى لحظة شديدة الحساسية من تاريخ مصر.. ومع التحقيقات التى تلت الحادث بدأت الخيوط تتكشف تدريجيًا، لتقود إلى دوائر مرتبطة بالتنظيمات المسلحة التى خرجت من رحم جماعة الإخوان بعد أحداث 30 يونيو 2013.
ومع مرور الوقت برز اسم حركة «حسم» باعتبارها أبرز تعبير تنظيمى عن هذا المسار الجديد/ القديم من العنف، وهو المسار الذى رأى فيه كثير من الباحثين والمتخصّصين امتدادًا مباشرًا لفكرة قديمة عرفتها الجماعة منذ أربعينيات القرن الماضى تحت اسم «التنظيم الخاص» أو «النظام الخاص».
وربما لهذا السبب لم يكن اغتيال هشام بركات مجرد جريمة إرهابية منفصلة عن سياقها التاريخى؛ بل بدا لكثيرين وكأنه حلقة جديدة فى سلسلة طويلة بدأت قبل عقود، حين قررت جماعة الإخوان لأول مرة إنشاء تنظيم سرى يعمل فى الظل ويمنح نفسه حق استخدام القوة لتحقيق أهدافه السياسية والتنظيمية.
وعندما يُذكر التنظيم الخاص فى تاريخ الإخوان، يتبادر إلى الأذهان فورًا ذلك الجهاز السرى الذى تأسّس داخل الجماعة خلال أواخر الثلاثينيات وبدايات الأربعينيات من القرن الماضى.
كان التنظيم فى جوهره دولة داخل الدولة وتنظيمًا داخل التنظيم.. ففى الوقت الذى كانت الجماعة تتحرك علنًا من خلال أنشطتها الدعوية والاجتماعية والسياسية، كان هناك كيان آخر يعمل خلف الستار.. كيان مغلق لا يعرف أسراره إلا عدد محدود من أفراده، ويقوم على الطاعة المطلقة والسرية الكاملة والانضباط العسكرى الصارم.
وتشير شهادات قيادات إخوانية سابقة ووثائق عديدة إلى أن حسن البنا رأى منذ وقت مبكر أن مشروع الجماعة يحتاج إلى جناح خاص يمتلك القدرة على تنفيذ المهام التى لا يمكن تنفيذها عبر العمل العلنى.. ومن هنا بدأ تشكيل ما عرف لاحقًا بالتنظيم الخاص.. ومع مرور الوقت تحوّل هذا الجهاز من مجرد نواة سرية إلى تنظيم كامل يمتلك هيكلًا عسكريًا وخلايا مغلقة وبرامج تدريب وتسليح خاصة.
لكن الأخطر أن التنظيم لم يكتفِ بالإعداد النظرى أو التنظيمى؛ بل انتقل إلى العمل المباشر.. ففى عام 1948 اغتيل المستشار أحمد الخازندار بعد نظره فى قضايا تتعلق بعناصر من الجماعة.. وبعد أشهر قليلة اغتيل رئيس الوزراء محمود فهمى النقراشى باشا عقب قراره بحل جماعة الإخوان.
ولم تكن تلك الوقائع سوى بداية لسلسلة طويلة من الأحداث التى رسخت فى الوعى المصرى صورة التنظيم الخاص باعتباره الذراع التى تلجأ إليها الجماعة عندما تنتقل من مرحلة الخلاف السياسى إلى مرحلة استخدام القوة.
ولعل ما يمنح الحديث عن التنظيم الخاص قدرًا أكبر من المصداقية أنه لم يعد يعتمد فقط على روايات خصوم جماعة الإخوان أو خصومها السياسيين؛ بل أصبح ملفًا موثقًا فى عشرات الكتب والمذكرات والشهادات التى كتبها أعضاء وقادة سابقون فى الجماعة، فضلًا عن دراسات أكاديمية وبحثية متخصّصة.
ولهذا؛ فإن صورة التنظيم الخاص اليوم لا تستند إلى رواية واحدة أو مصدر واحد؛ وإنما إلى شبكة واسعة من الشهادات والوثائق والمذكرات التى تكاد تجمع على أن العمل السرى واستخدام القوة شكلا جزءًا أصيلًا من تاريخ الجماعة منذ نشأتها.
ولهذا يرى كثيرٌ من الباحثين أن فهم حركة «حسم» وغيرها من التنظيمات التى ظهرت بعد 2013 لا يمكن أن يتم بمعزل عن هذه الأدبيات والوثائق؛ لأنها تكشف أن فكرة التنظيم المغلق القائم على السرية والقوة والعنف والقتل لم تختفِ تمامًا من المشهد الإخوانى؛ وإنما أعادت إنتاج نفسها كلما تهيأت الظروف لذلك.
لسنوات طويلة ظل الإخوان يؤكدون أن مرحلة العنف انتهت وأن الجماعة تخلت عن أى شكل من أشكال العمل المسلح.
لكن الأحداث التى أعقبت ثورة 30 يونيو 2013 أعادت طرح الأسئلة القديمة من جديد.. فمع خروج الجماعة من السلطة ودخولها فى مواجهة مفتوحة مع الدولة، بدأت تظهر داخل التنظيم دعوات تتحدث عن «العمل النوعى» و«المقاومة الثورية» و«التصعيد».
فى البداية ظهرت مجموعات تحمل أسماء مثل «العقاب الثورى» و«المقاومة الشعبية» و«كتائب حلوان»، ثم برز اسم حركة «حسم» باعتبارها التنظيم الأكثر احترافًا وتنظيمًا.
اعتمدت الحركة على الخلايا الصغيرة المغلقة، واستخدمت أساليب العمل السرى ذاتها التى عرفها التنظيم الخاص تاريخيًا. كما تبنت عمليات استهدفت شخصيات ومؤسسّات رسمية، وسعت إلى تقديم خطاب سياسى ودينى يبرّر اللجوء إلى العنف باعتباره وسيلة للتغيير.
والثابت أن «حسم» لم تكن تنظيمًا وُلد من فراغ؛ وإنما جاءت باعتبارها إعادة إنتاج حديثة لفكرة التنظيم الخاص القديمة.. فالاختلاف كان فى الأسماء والظروف والتكنولوجيا المستخدمة، أمّا الفكرة الأساسية فبقيت كما هى: تنظيم سرى، وخلايا مغلقة، واستخدام القوة لتحقيق أهداف سياسية.
ويَعتبر كثيرٌ من المتابعين أن نقطة التحول الأساسية جاءت مع صعود ما عرف داخل الجماعة بتيار «العمل الثورى»، الذى ارتبط باسْم محمد كمال عضو مكتب الإرشاد.. ففى أعقاب 2013 ظهرت دعوات لتبنّى ما أطلق عليه «العمل الثورى المبدع»، وهو تصوُّر يقوم على استنزاف الدولة عبر مجموعات نوعية صغيرة تتحرك بصورة مستقلة.
وبحسب شهادات عدد من المنشقين والباحثين؛ فإن هذا التوجه أعاد إحياء كثير من الأفكار التى قامت عليها تجربة التنظيم الخاص فى الأربعينيات، سواء من حيث السرية أو طبيعة الخلايا أو مفهوم استخدام القوة لتحقيق أهداف الجماعة.
ومع الوقت تحولت هذه الأفكار إلى كيانات على الأرض، كان أبرزها حركة «حسم» التى أصبحت العنوان الأكثر شهرة لهذا المسار.
المشكلة الأساسية التى تكشفها دراسة التنظيم الخاص وحركة «حسم» ليست فقط فى عدد العمليات التى نفذتها هذه التنظيمات؛ بل فى الفكرة التى تقف خلفها..فحين يقتنع تنظيم ما بأنّ من حقه استخدام السلاح لفرض رؤيته السياسية؛ يصبح العنف جزءًا من معادلة العمل العام.. وهنا لا تعود الضحية مجرد مسئول أو قاضٍ أو ضابط شرطة.. فالضحية الحقيقية تصبح الدولة نفسها.. ويصبح المجتمع كله رهينة لفكرة ترى أن الرصاص يمكن أن يحل محل السياسة، وأن التفجير يمكن أن يكون بديلًا عن الحوار، وأن التنظيم المغلق يمتلك شرعية أعلى من شرعية المؤسّسات والقانون.
ولهذا لم يكن المستشار هشام بركات هو الضحية الوحيدة لتلك الأفكار.. فمن قبله سقط المستشار أحمد الخازندار، وسقط النقراشى باشا، وسقط عشرات الضباط والقضاة والمواطنين الأبرياء فى عمليات استهدفت زعزعة الاستقرار وإرباك مؤسّسات الدولة.
وعندما ننظر إلى المسافة الزمنية الفاصلة بين اغتيال المستشار أحمد الخازندار عام 1948 واغتيال المستشار هشام بركات عام 2015؛ تبدو السنوات طويلة للغاية.. لكن عند التدقيق فى طبيعة الفكرة التى تقف خلف الجريمتين، يكتشف المرء أن الخيط الرابط بينهما لم ينقطع بالكامل.. فى الحالتين هناك تنظيم مغلق.. وفى الحالتين هناك قناعة بأن العنف والقتل وسيلة مشروعة لتحقيق أهداف سياسية.. وفى الحالتين هناك محاولة لفرض الإرادة خارج إطار الدولة والقانون.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



