رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

مزارعون يلجأئون إلى خلايا الطاقة الشمسية للتوفير

"البصل".. محصول استراتيجي يعزز حضوره في الأسواق العالمية

مصر تحتل المركز الرابع
مصر تحتل المركز الرابع عالميًا من حيث حجم الإنتاج

في وقت تتزايد فيه الضغوط على الموارد المائية، تقف زراعة البصل عند نقطة تقاطع بين ضرورات الأمن المائي ومتطلبات التوسع الزراعي والتصديري، فالمحصول الذي يحتل مكانة متقدمة بين الصادرات الزراعية ويُعدّ مصدرًا مهمًا للنقد الأجنبي، يواجه تحديات متنامية مع توجه الدولة نحو ترشيد استهلاك المياه والتوسع في نظم الري الحديثة، وبين مطالب الحفاظ على الإنتاجية وتعظيم العائد الاقتصادي من كل متر مكعب من المياه، تتباين آراء المزارعين حول أنسب أساليب الري، بينما يؤكد الخبراء أن مستقبل زراعة البصل بات مرتبطًا أكثر من أي وقت مضى بكفاءة إدارة المياه والتخطيط الزراعي القادر على تحقيق التوازن بين احتياجات السوق المحلية وفرص التصدير العالمية.

 

 

ويُعدّ نبات البصل من المحاصيل الزراعية المهمة ليس فقط على المستوى المحلي، لكن لكونه من المحاصيل التي يتم تصديرها إلى الخارج، غير أن التساؤل يظل قائمًا حول مدى تأثره بالسياسات المائية الحالية، باعتباره من المزروعات التي تحتاج إلى المياه، خاصة أن سياسات إدارة المياه تفرض قيودًا على استهلاك الموارد المائية، ما يدفع نحو التحول إلى أنظمة الري الحديثة بدلًا من الري بالغمر لتقليل الهدر.

 

 

وتستهدف السياسات توجيه المياه نحو الزراعات ذات العائد الاقتصادي والتصديري الأعلى، ما يضع زراعة البصل كأحد أهم المحاصيل التصديرية في قلب التحديات المتمثلة في تعظيم إنتاجية وحدة المياه، ناهيك عن أن الدولة تشجع زراعة البصل في الأراضي الصحراوية المستصلحة، مثل: مناطق غرب المنيا وتوشكى، التي تعتمد في الأساس على نظم الري الحديثة ومصادر المياه الجوفية المقننة وفق اشتراطات صارمة لضمان الاستدامة، كما تفرض سياسات وزارة الزراعة خططًا للدورات الزراعية للحد من استنزاف التربة والمياه معًا، ومكافحة الأمراض التي تهدد المحصول مثل العفن الأبيض.

 

 

ونظرًا لأهمية البصل كسلعة استراتيجية ومورد مهم للنقد الأجنبي، تتدخل السياسات أحيانًا بقرارات تنظيمية مثل حظر أو تقنين تصدير البصل في بعض الفترات، للحفاظ على التوازن بين تلبية الاحتياجات المحلية والوفاء بالالتزامات التصديرية.

"ما بين الغمر والتنقيط"

 

محمد حمدي، مزارع، لديه أرض في المنيا بمنطقة "مدق البترول"، قال لبوابة "روزاليوسف": إنه يستخدم الري بالتنقيط، لا سيما أن البصل من المزروعات التي تتطلب قدرًا كبيرًا من المياه، ويقوم بزراعة بصل من نوع "جيزة 20" ويتم بيعه للاستهلاك المحلي، وإن كان يتضرر من الاستهلاك المرتفع للكهرباء، ما يدفعه للتفكير في استخدام خلايا الطاقة الشمسية التي يعتبرها، وإن كانت تكلفتها الحالية مرتفعة، إلا أن تكلفتها على المدى البعيد أقل، مؤكدًا ضرورة التفكير في حلول جديدة لاستهلاك كل من المياه والكهرباء نظرًا للأزمات الحالية العالمية في هذه القطاعات التي ترفع من تكلفة المزروعات.

 

 

محمود عبداللطيف، مزارع، من محافظة المنيا، تحدث لبوابة "روزاليوسف" عن وفرة المياه المتاحة للزراعة، وإن كان يتضرر من عدم القدرة على تصريف المحاصيل ومحدودية ذلك، نتيجة لإقبال المزارعين على زراعة أنواع محددة، فيكون الإنتاج غزيرًا وبالتالي يصعب تصريفه، مطالبًا بتنظيم الدولة لعملية الزراعة،  فضلًا عن المساعدة في تصريف الإنتاج عبر فتح أسواق جديدة، منوهًا إلى أنه يستخدم الري بالتنقيط، وهو الأفضل لطبيعة التربة الزراعية في أرضه.

 

 

ويستخدم ناجي حسن، مزارع، من ميت غمر بمحافظة الدقهلية، الري بالغمر ويعتبره الأسلوب الأمثل لزراعة محصول البصل، قائلًا: إن جودة البصل سواء كانت منخفضة أو متوسطة أو عالية تُحسب وفقًا لاستهلاكه للمياه، ويحتاج إلى الري ما لا يقل عن 4 مرات، ويزرع البصل الإيطالي الأحمر، ويعتبره من الزراعات الحساسة التي تحتاج إلى وعي واهتمام من المزارع.

 

 

وخالفه الرأي محمد أبوسند، مزارع من طنطا، الذي يفضل الري 3 مرات على الأكثر لمحصول البصل، ويستخدم الري بالتنقيط باعتباره الأسلوب الأمثل للحفاظ على المياه، التي لا يجد مشكلة في توفرها، بينما يشتكى محمد أبوخالد، مزارع من كفر الشيخ، عدم توفر المياه بصورة جيدة، ما يدفع لاستخدام مياه الصرف الزراعي بكل ما تحتويه من بقايا مبيدات وغيرها من المشكلات، لكنها الحل الوحيد المتوفر أمامه، منوهًا إلى أنه يفضل زراعة الأرز باعتباره الأنسب لطبيعة الأرض، وإن كان هناك قيود على زراعته.

 

التوسع في الري الحديث

 

من جانبه، أكد الدكتور أسامة درويش، أستاذ الاقتصاد المساعد في مركز بحوث الصحراء، في تصريحاته لبوابة "روزاليوسف"، أن البصل يتأثر بالتحديات المائية شأنه شأن معظم المحاصيل الزراعية، إلا أن القضية لا ترتبط فقط بكمية المياه المتاحة، إنما بكفاءة إدارة واستخدام الموارد المائية، فالبصل يحتاج إلى ري منتظم خاصة خلال مراحل النمو وتكوين الأبصال، وبالتالي فإن أي خلل في انتظام الري ينعكس مباشرة على الإنتاجية والجودة، مشيرًا إلى أن هناك ضرورة للتوسع في نظم الري الحديثة مثل التنقيط والرش والمصاطب ضرورة استراتيجية، بما يحقق التوازن بين الحفاظ على الموارد المائية واستمرار زيادة الإنتاج.

 

وفيما يتعلق بشكوى المزارعين من عدم القدرة على بيع المحصول المخزن كما توقعوا مع زيادة الإنتاج بشكل عام، قال أستاذ الاقتصاد المساعد في مركز بحوث الصحراء إن هذه المشكلة تمثل تحديًا مرتبطًا بالتخطيط الزراعي وإدارة الأسواق، وليس مجرد زيادة في الإنتاج، فمصر تُعد من الدول الكبرى في إنتاج البصل، حيث يحتل البصل المصري المركز الرابع عالميًا من حيث حجم الإنتاج، ما يعكس قوة القاعدة الإنتاجية.

 

وتابع: في المقابل، تؤدي قرارات الزراعة الفردية في بعض المواسم دون معلومات سوقية دقيقة إلى وفرة في المعروض تفوق الطلب، ما يضعف قدرة السوق على الاستيعاب حتى مع وجود التخزين، كما أن ضعف الزراعة التعاقدية يجعل المزارع يتحمل مخاطر السوق، بينما لا يكفي التخزين وحده دون توازن بين الإنتاج والاستهلاك المحلي والتصدير، قائلًا: "من هنا تظهر الحاجة إلى تطوير التخطيط الزراعي الاسترشادي، وتوفير قواعد بيانات دقيقة عن الإنتاج والأسواق، والتوسع في الزراعة التعاقدية، إلى جانب دعم الصناعات المرتبطة بالبصل وعلى رأسها التصنيع والتجفيف، وفتح أسواق تصديرية جديدة".

 

تعزيز استقرار الصادرات

 

وأوضح أن التصنيع الزراعي يمثل نقطة تحول مهمة، حيث يبلغ سعر طن البصل الطازج نحو 400 دولار، بينما يصل سعر طن البصل المجفف إلى نحو 3100 دولار، بما يعكس الفارق الكبير في القيمة المضافة وأهمية التحول نحو التصنيع لتعظيم العائد الاقتصادي واستيعاب الفائض الإنتاجي، ناهيك عن أن فتح أسواق جديدة يعزز استقرار الصادرات، حيث نجحت مصر في فتح سوق الأوروغواي أمام صادرات البصل والثوم، إلى جانب السوق الفيتنامي في فترات سابقة، ما يدعم تنوع الأسواق وتقليل المخاطر التصديرية.

 

شدد "درويش" على ضرورة التعامل بشكل علمي مع محدودية الموارد المائية، لكن تطبيق هذه النظم يجب أن يتم تدريجيًا وفق طبيعة كل محصول وكل منطقة، ويتطلب ذلك تدريب المزارعين، وتوفير التمويل الميسر، والدعم الفني، وتطوير البنية التحتية للري، مع التأكيد أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي دون إرشاد زراعي فعال يضمن التحول الفعلي في الممارسات الزراعية.

 

ويُعدّ البصل من أهم المحاصيل التصديرية المصرية ومصدرًا رئيسيًا للنقد الأجنبي، حيث يحتل مكانة متقدمة عالميًا، إذ تأتي صادرات البصل الطازج ضمن المراكز الخمسة الأولى عالميًا، بينما يحتل البصل المجفف مركزًا متقدمًا بحصة تقارب 12% من السوق العالمية، وتتوزع أهم الأسواق المستوردة للبصل الطازج بين السعودية والإمارات والاتحاد الأوروبي وروسيا، بينما تتجه صادرات البصل المجفف إلى أسواق رئيسية مثل ألمانيا والولايات المتحدة واليابان وهولندا.

 

من هنا فإن المطلوب ليس التدخل المباشر في قرارات المزارعين، إنما تعزيز دور الدولة في التنظيم والتنسيق عبر توفير المعلومات السوقية، ودعم منظومة الجودة والفحص، والتوسع في محطات التعبئة والفرز والتجفيف، وتشجيع الزراعة التعاقدية، والحفاظ على الالتزام بالمعايير الدولية لضمان استمرار النفاذ للأسواق العالمية.

 

تحمّل ملوحة مياه الري

 

أما المهندس جمعة محمد عطا، خبير واستشاري زراعة البصل، فيقول: إن نبات البصل يعد من محاصيل الخضر التي تُزرع بمساحات كبيرة لكثرة الطلب عليه في السوق المحلية والتصدير، ويزرع كمحصول شتوي، كما أنه من المحاصيل المتحملة لملوحة مياه الري، حيث يتحمل ملوحة تصل إلى 4000 جزء في المليون، ويُعد من المحاصيل المتوسطة الاحتياج للماء، حيث يحتاج الفدان في الري الواحد إلى 20 – 25 مترًا مكعبًا من الماء، أي يحتاج طوال فترة بقائه بالأرض، وهي نحو 6 أشهر، إلى نحو 3000 متر مكعب من المياه، خاصة في الأراضي الرملية باستخدام نظم الري الحديثة "الري بالرش – الري بالتنقيط"، ويحتاج إلى نحو 10 مرات ري في الأراضي الطينية عند استخدام نظام الري بالغمر أو الري المتطور، بإجمالي كمية مياه لا تتعدى 3000 متر مكعب خلال مدة بقائه بالأرض من الزراعة حتى الحصاد.

 

وأكد عطا أنه نظرًا لتحمل البصل لمدى واسع من الملوحة، فيمكن زراعته في معظم الأراضي الصحراوية والأراضي القديمة وبكل نظم الري وباستخدام معظم المياه الجوفية ومياه النيل، بما لا تتجاوز نسبة ملوحة مياه الري الحد الأقصى لتحمل البصل للملوحة، وهي 4000 جزء في المليون، حتى ينتج إنتاجية اقتصادية.

 

"عطا" أشار إلى أن زراعات البصل تتأثر عند نقص كمية المياه اللازمة للنمو عن المعدل الأمثل، لأن نقص المياه يتسبب في تقزم النباتات، وبالتالي تعطي النباتات المتقزمة أبصالًا ذات أحجام صغيرة لا تصلح للتسويق أو التصدير، كما يؤدي صغر حجم ومساحة أوراق النباتات إلى نقص إنتاج الغذاء من عملية البناء الضوئي التي تقوم بها الأوراق، فضلًا عن أن العطش الشديد لنباتات البصل يؤدي إلى اتجاه النباتات للتزهير "الحنبطة"، ما يتسبب في زيادة نسبة الأبصال الفرزة المستبعدة عند التسويق.

البصل

تم نسخ الرابط