ليست الحيوانات مجرد أرقام فى سجلات وزارة الزراعة، ولا مجرد مشهد عابر فى شوارع المدن والقرى. فخريطة الحيوانات فى أى مجتمع تقول الكثير عن طريقة إدارته، وعن فلسفته فى التعامل مع موارده، بل وعن أولوياته أيضًا.
ولذلك فإن السؤال لا يتعلق فقط بتراجع أعداد الماشية، ولا بزيادة الكلاب الضالة، وإنما بما تعنيه الظاهرتان إذا وُضعتا جنبًا إلى جنب.
فالحيوان المنتج ليس مجرد رأس ماشية يدر لحمًا أو لبنًا، بل هو وحدة اقتصادية كاملة. وراء كل رأس قطيع، مزارع، وعامل، وطبيب بيطرى، وتاجر أعلاف، ووسيلة نقل، وسلسلة إنتاج تمتد حتى تصل إلى مائدة الأسرة.
وكل انخفاض فى هذه المنظومة لا يعنى نقصًا فى أعداد الحيوانات فحسب، وإنما يعنى انكماشًا فى الاقتصاد الريفى، وضغطًا على الأمن الغذائى، وزيادة فى فاتورة الاستيراد.
وفى المقابل، لا تمثل الكلاب الضالة مشكلة لأنها حيوانات، وإنما لأنها عنوان لخلل آخر. فانتشارها بهذا الحجم يكشف عن منظومة بيئية وخدمية تحتاج إلى مراجعة؛ تبدأ من إدارة المخلفات، ولا تنتهى عند برامج السيطرة العلمية على التكاثر، مرورًا بالتشريعات، والتوعية، والتنسيق بين الجهات المعنية. إنها ليست قضية يمكن اختزالها فى مشهد كلب يجوب شارعًا، بل فى منظومة كاملة سمحت لهذا المشهد أن يتكرر.
ومن الخطأ أن يُنظر إلى الظاهرتين باعتبارهما مرتبطتين سببيًا، لكن من المشروع أن تُقرآ باعتبارهما تعبيرين عن سؤال واحد. كيف ندير مواردنا الحية؟
فالدول التى نجحت فى بناء منظومات غذائية مستقرة لم تعتمد على زيادة الإنتاج وحدها، وإنما وفرت للمربى بيئة اقتصادية تسمح له بالاستمرار، وخفضت المخاطر التى تدفعه إلى الخروج من النشاط، وربطت الإنتاج الحيوانى بمنظومة بيطرية وتمويلية وتسويقية متكاملة. وفى الوقت نفسه، لم تترك الحيوانات الضالة تتحول إلى أزمة مجتمعية، بل أدارتها بمنهج علمى يوازن بين الصحة العامة، والرفق بالحيوان، وحقوق المواطنين فى الأمن والسلامة.
ولعل الدرس الأهم هو أن إدارة الثروة الحيوانية لا تبدأ من الحظائر، كما أن إدارة الكلاب الضالة لا تبدأ من الشوارع. البداية الحقيقية هى السياسات العامة؛ تلك التى تجعل الإنتاج مجزيًا، والخدمة البيطرية فعالة، وإدارة المخلفات منضبطة، والتنسيق بين المؤسسات قائمًا على رؤية واحدة لا على ردود الأفعال.
إن الأمم لا تُقاس فقط بما تشيده من طرق أو مصانع، وإنما أيضًا بقدرتها على إدارة مواردها الحية بكفاءة. فالثروة الحيوانية ليست بندًا فى الموازنة، بل أحد أعمدة الأمن الغذائى، والحيوانات الضالة ليست مجرد مشهد مألوف، بل مؤشر على أن جزءًا من المنظومة يحتاج إلى إعادة نظر.
ولهذا فإن القضية لا ينبغى أن تُطرح باعتبارها مقارنة بين حيوان ينتج وآخر لا ينتج، وإنما باعتبارها دعوة إلى مراجعة فلسفة الإدارة ذاتها. فحين تُدار الموارد بكفاءة، تزدهر الثروة، وتتراجع الفوضى. أما حين تغيب الرؤية، فإن المؤشرات، مهما بدت متباعدة، تبدأ جميعها فى الاتجاه نفسه.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



