تعيش مصر بشعبها وجيشها حالة من الزَّهْو والعافية، ويُسجل التاريخ أنه لم يتعرض الشعب المصرى فى أى وقت للتآمر أو العدوان أو الشدة إلاّ وكان الجيش المصرى هو طوق النجاة. ويَذكر التاريخ للجيش المصرى فى يوليو 1952 أنه قام بثورة على الفساد والاحتلال الإنجليزى لمصر بقيادة الزعيم الخالد جمال عبدالناصر، الذى أنهَى حقبة المَلكية وأعلن الجمهورية وقضى على الاستعمار، وأنهَى الاحتلال البريطانى بفضل التحام الجيش بالشعب الذى وقف إلى جانبه فى كل خطوة، من بناء السّد العالى إلى مجمع مصانع الألومنيوم والحديد والصلب والأدوية والغزل والنسيج.
وفى هذا الإطار تبدو مصر إحدى الحضارات والشعوب التى لا تعرف التفرقة بين الجيش والشعب، فكلاهما كيان واحد؛ إذ إن الجيش هم أبناء الشعب، وكل أسرة مصرية لها ابن ضابط أو جندى، فيذوب الجميع حبًا وإخلاصًا فى تراب الوطن. ومن حسن الطالع أن الاحتفال بثورة 30 يونيو يتزامن مع عيد قوات الدفاع الجوى، ذلك العيد الذى يُعَبر عن التحام الجنود والمهندسين العسكريين مع المهندسين المدنيين لبناء «حائط الصواريخ»، تلك المعجزة العسكرية التى سجلتها الأكاديميات العالمية.
ويرجع إعجاز بناء الحائط إلى تمكن القوات المسلحة، بمشاركة المهندسين المصريين، من تشييده وسط ضربات متواصلة من طائرات الفانتوم الأمريكية التى لم تتوقف ساعة واحدة عن قصف مواقع البناء. لكن العبقرية المصرية تفجّرت فى بناء حوائط خشبية مخادعة تشبه الحائط الحقيقى، مما جعل الطيران الإسرائيلى ينشغل بضربها، بينما استكمل المهندسون بناء الحائط الفعلى الذى أسقط الكثير من طائرات الفانتوم، وأدى إلى أسْر عدد من الطيارين الإسرائيليين. وبعد حرب أكتوبر 1973 أصرت جولدا مائير رئيسة الوزراء الإسرائيلية فى ذلك الوقت فى مفاوضاتها مع مصر على تسليم هؤلاء الأسرَى لإسرائيل.
وللتاريخ؛ كان المهندسون المدنيون يتسابقون إلى شط القناة لمشاركة المهندسين العسكريين فى البناء، حتى اكتمل الحائط وأصبح الدرع الحامى للأجواء المصرية، فلم تجرؤ أى طائرة فانتوم على اختراق المجال الجوى المصرى. وكان لهذا الحائط الدور الفعّال فى حرب أكتوبر المجيدة؛ حيث أثبت أن الجيش والشعب لا فرق بينهما، فهم أبناء وطن واحد لا يبخلون بالغالى والثمين فداءً لمصر.
ويأتى العيد السادس والخمسون لقوات الدفاع الجوى، الذى احتُفل به الأسبوع الماضى، مع الذكرى الثالثة عشر لثورة 30 يونيو؛ ليؤكد التلاحم الدائم بين الشعب والجيش، ذلك الولاء للوطن بعد أن حاول الإرهاب التلاعب بعقول المصريين بشعارات دينية لم يتحقق منها شىء على أرض الواقع. ففى 23 يونيو، وفى أول ظهور مباشر لوزير الدفاع المصرى وقتها الفريق أول عبدالفتاح السيسي، قال: «إذا لم تتوصل القوى السياسية إلى توافق مع الرئيس (محمد مرسى)، ستضطر المؤسَّسة العسكرية إلى التدخل فى المشهد السياسى بشكل مباشر وأن القوات المسلحة المصرية لن تقف عاجزة أمام هذا الاستقطاب السياسى ولن تسمح بترويع الشعب المصرى».
لكن خطاب مرسى فى اليوم التالى، الذى استمر ثلاث ساعات، انتظره الجميع ولم يأتى بجديد.. الرئيس الإخوانى خلال كلمته لم يقدم الحد الأدنى ليُرضى التيارات والقوى السياسية ولم يلبِّ مَطالب وطموحات الشعب المصرى فى أدنى مستوياتها؛ بل اكتفى فى كل عبارة يختمها بالشرعية الشرعية، وعلى إثر ذلك تفجّرت موجات الغضب فى مظاهرات حاشدة، واقتحمت مقرات الإخوان فى معظم المحافظات يوم 28 يونيو، وأُحرقت.. وفى 30 يونيو امتلأت الميادين رافعة شعار «يسقط يسقط حكم المرشد»، فيما انتشرت دبابات الجيش لحماية المنشآت العامة.. وفى 29 يونيو أعلن نادى ضباط الشرطة استقلاله عن السلطة الحاكمة ورفضه تأمين مقرّات الإخوان، فى سابقة تاريخية لم تحدث من قبل.
هكذا هى مصر؛ لا يستطيع أحد أن يعبث بهويتها الوطنية، فقد شعر المصريون أن الدولة عادت بوقوف الجيش والشرطة إلى جانب الشعب، والفضل الأول فى ذلك يعود إلى الرئيس السيسي الذى حافظ على الهوية الوطنية وطهّرها من التطرف، وفتح أبواب التفاؤل لتخرج مصر من الإحباط واليأس والتيئيس.. ومن أجل ذلك؛ فإن الجهود يجب أن تتضاعف لتعزيز التلاحم بين الجيش والشعب، فالمصريون دفعوا أغلى الأثمان لطرد الإرهاب والحفاظ على الهوية، ويستحقون الوقوف بجانبهم.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



