ليست كل السنوات سواء فى ذاكرة الأمم. فهناك أعوام تمر كغيرها، وأخرى تتحول إلى علامات فارقة، يُعاد من خلالها تفسير ما قبلها وما بعدها. وعام حكم الإخوان (2012-2013) لم يكن بالنسبة لكثير من المصريين مجرد مرحلة سياسية عابرة؛ بل اختبارٌ قاسٍ للدولة والمجتمع، وبعد سنوات من تلك الأحداث، أجد من واجبى تدوين شهادتى، لا كموقف سياسى؛ بل كشاهد عايش كيف انتقلت مصر فى شهور قليلة من الأمل إلى القلق، ثم إلى الخوف على بقاء الدولة نفسها، ثم الثورة.
لقد أمضت جماعة الإخوان عقودًا طويلة وهى تقدم نفسها باعتبارها البديل الجاهز للحكم، حتى إنهم أشاعوا أن لديهم خبراء عالميين فى كل التخصُّصات لديهم القدرة على معالجة كل أزمات البلاد.
كان خطاب الإخوان فى زمن مبارك يعتمد على معادلة بسيطة وجذابة فى آن واحد، هى إرجاع مشكلات الدولة إلى غياب المشروع الإسلامى، ثم تقديم نفسها باعتبارها الممثل الوحيد لهذا المشروع، وأنها تريد تقديم الخير لمصر، ومع مرور الزمن، ترسّخت هذه الصورة فى أذهان قطاعات واسعة من الناس، حتى بدا لكثيرين أن وصول الجماعة إلى السلطة سيحمل حلولاً سريعة لمشكلات تراكمت عبر عقود.
غير أن السلطة تختلف عن المعارضة، والدولة تختلف عن الجماعة، وإدارة الأوطان لا تُقاس بقدرة التنظيم على الحشد؛ وإنما بقدرته على تحقيق الاستقرار وصيانة المؤسّسات وإدارة المصالح المتعارضة داخل المجتمع.
فعندما وصلت الجماعة إلى الحكم، بدأ الاحتكاك المباشر بين الخطاب العلنى والواقع، واتضح أن إدارة تنظيم يختلف تمامًا عن إدارة الدولة، ولذلك سرعان ما اكتشف المصريون أن كثيرًا من الشعارات التى سمعوها طويلاً لم تتحول إلى سياسات، وأن كثيرًا من الوعود التى بدت سهلة فى ساحات الخطابة كانت أكثر تعقيدًا حين واجهت تحديات الدولة الحقيقية، حتى إن قيادات الإخوان الذين جلسوا على كرسى الحكم كانوا لا يعرفون الفرق بين الميزانية والموازنة، ولا الفرق بين النمو الاقتصادى والتنمية الاقتصادية.
لكن المشكلة لم تتوقف عند حدود الجهل ولا الإخفاق فى تحقيق الوعود؛ إذ بدأ يتشكل لدى قطاعات واسعة من المصريين شعور بأن الدولة تُدار بعقلية الجماعة أكثر مما تُدار بعقلية الوطن، وأخذت المخاوف تتزايد من أن الولاء التنظيمى أصبح عاملاً مؤثرًا فى شغل المواقع العامة، ومن أن مؤسّسات الدولة العريقة تتعرض لمحاولات إعادة تشكيل لا تستند إلى معايير الكفاءة والخبرة بقدر ما تستند إلى اعتبارات الانتماء للجماعة.
وفى الوقت ذاته؛ كانت الأزمات المعيشية تتفاقم بصورة لافتة. أزمات الوقود، وانقطاع الكهرباء، وحالة القلق الاقتصادى، كلها تحولت إلى جزء من المشهد اليومى. ولم يكن المواطن ينظر إلى هذه المشكلات باعتبارها أزمات عابرة بقدر ما كان يراها دليلاً على غياب رؤية واضحة لإدارة الدولة فى مرحلة شديدة الحساسية.
كما شهد ذلك العام توترات متصاعدة بين السلطة الإخوانية وعدد من المؤسّسات الوطنية. وبدلاً من بناء جسور الثقة والتوافق، اتسعت دوائر الشك والصدام. وبدأت قطاعات من المجتمع تشعر بأن الاختلاف السياسى لم يعد يُعامل باعتباره حقًا مشروعًا؛ بل أصبح يُقدَّم أحيانًا باعتباره خروجًا على الدين أو معاداة للمشروع الإسلامى، وهو ما زاد من حدة الاستقطاب والانقسام، وزاد الطين بلة أن الخلاف لم يكن مع أفراد أو حتى أحزاب سياسية، ولكن ضد مؤسّسات كان أكثرها حدة صراع الإخوان ضد القضاء، وضد الإعلام، وضد النخب الثقافية وهلم جرّا.
ومع مرور الوقت؛ لم يعد القلق مقتصرًا على النخب السياسية أو الفكرية؛ بل امتد إلى المواطن العادى الذى بدأ يشعر بأن الدولة تفقد توازنها شيئًا فشيئًا، وكان الإحساس السائد لدى كثيرين أن القضية لم تعد مرتبطة بنجاح حكومة أو فشلها؛ وإنما بمسار الدولة المصرية نفسها ومستقبل مؤسّساتها وهويتها الوطنية، ومن هنا جاءت لحظة الثلاثين من يونيو.
فلم تكن تلك الحشود الضخمة مجرد احتجاج على سياسات بعينها، ولا مجرد تعبير عن خلاف سياسى مع جماعة حاكمة؛ بل كانت فى نظر المشاركين فيها محاولة لاستعادة التوازن الذى شعروا بأنه يتآكل. لقد خرج ملايين المصريين وهم يحملون قناعة بأن الدولة الوطنية يجب أن تبقى أكبر من أى تنظيم، وأن الوطن لا يجوز أن يُختزل فى جماعة مَهما كان حجمها أو شعاراتها.
وقد يختلف الناس فى تقييم بعض التفاصيل السياسية المرتبطة بتلك المرحلة، لكن ما يصعب إنكاره أن سَنة حكم الإخوان مثلت نقطة تحول كبرى فى وعى المصريين. ففيها سقطت الفجوة بين الصورة التى رُسمت طوال عقود والواقع الذى ظهر عند اختبار السلطة، وفيها أدرك كثيرون أن إدارة الدول تحتاج إلى ما هو أكثر من الشعارات، وأن المشروعية الحقيقية لا تُكتسب بالخطاب وحده؛ وإنما بالقدرة على الحفاظ على الدولة وخدمة المجتمع واحترام تنوعه.
واليوم، وبعد مرور السنوات، لا أستدعى تلك المرحلة بروح الخصومة؛ وإنما بروح المراجعة والتعلم. فالأمم التى تنسى لحظات الخطر مُعَرضة لتكرارها، والدول التى لا تستخلص الدروس من تجاربها تدفع الثمَن مرة بعد أخرى.
لقد علّمتنا تلك السَّنَة أن الأوطان أكبر من الجماعات، وأن الدولة ليست غنيمة يتقاسمها المنتصرون؛ بل مسئولية يحملها الجميع. كما أكدت أن الشعب المصرى، مَهما اختلفت توجهاته وتباينت آراؤه؛ يمتلك فى اللحظات الفاصلة قدرة فريدة على التمييز بين الخلاف السياسى العابر والخطر الذى يهدد كيان الدولة ذاته. ولهذا ستظل الثلاثون من يونيو، فى ذاكرة من عاشوها، لحظة انتصار لإرادة وطن قرر أن يتمسك بنفسه وأن يحمى مستقبله بيديه.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



