البابا تواضروس يستعيد ذكريات 3 يوليو:
«لن أنسى فرحة المصريين»
شهدت مصر لحظة فارقة فى تاريخها الحديث، فى الثالث من يوليو عام 2013، حينما خرج الفريق أول عبدالفتاح السيسي- وزير الدفاع آنذاك- ليلقى بيانًا تاريخيًا باسْم القوات المسلحة، معلنًا الاستجابة لإرادة الشعب المصرى الذى خرج بالملايين مطالبًا بإنهاء حكم جماعة الإخوان.
جاء البيان بعد أيام من الاحتجاجات العارمة ونزول المصريين إلى الشوارع والميادين بأعداد غفيرة؛ ليضع خارطة طريق جديدة للمستقبل، استهدفت استعادة الدولة وإنقاذ مؤسّساتها من الانهيار، وتصحيح مسار ثورة يناير، والانطلاق نحو بناء جمهورية جديدة تقوم على الاستقرار والتنمية.
البابا تواضروس
ومَثل عدد من الشخصيات الوطنية والسياسية مع وزير الدفاع فى ذلك الوقت أركان الدولة المصرية، ومن بين هذه الشخصيات قداسة البابا تواضروس الثانى بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية؛ الذى حفرت فى ذاكرته وقلبه أحداث هذا اليوم وتأثر به كثيرًا؛ وسطره للتاريخ فى مذكراته؛ والتى حملت عنوان «سنوات من المحبة لله والوطن».
وعن أحداث هذا اليوم، قال البابا تواضروس إنه يوم الأربعاء الثالث من يوليو، وتحديدًا الثانية ظهرًا، فوجئت بمكالمة من القيادة العامة للقوات المسلحة المصرية، تطلب منّى الحضور إلى اجتماع بعد ساعة بالقاهرة، ورددت معتـذرًا بتلقائية وأخبرتهـم بأننى فى كينج مريوط، ولم تمضِ سوى دقائق قليلة وأعادوا الاتصـال وأخبرونى بتجهيز طائرة هليكوبتر فى أقرب مطار لـى، وهو مطار برج العرب، وقالـوا لى: «مـن بـاب الطمأنينة وحتى لا تقلق، فضيلة الإمام موجود بالأقصر وأرسلنا له طائرة»، وبالفعل كنت فى مطار برج العرب فى الثانية والنصف ظهرًا، وكان فى استقبالى هناك رئيس المطار، الذى رحب بى واستقللت الطائرة الهليكوبتر بصحبة اثنين من الطيارين، وكانت المرة الأولى التى أركب فيها طائرة هليكوبتر، وفى أقل من خمس دقائق كانت الطائرة محلقة فى السماء، وهبطت فى مطار ألماظة وأقلتنى سيارة لمبنى المخابرات.
وبعد وصولى حضر فضيلة الإمام شيخ الأزهر، والكاتبة سكينة فؤاد، والدكتور محمد البرادعى، وممثل عن حزب النور، وممثلون عن الشباب، وكان عدد الحضور ما يقرب من 20 شخصًا، ثم جاء الفريق أول عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع وقتها، والفريق صدقى صبحى، وبعض القادة العسكريين.
جلسة ديمقراطية
وقتها قام الفريق أول عبدالفتاح السيسي بقيادة الجلسة، وبدأ يتحدث عـن معطيات ما يدور فى البلاد، والوضع الراهن، وسأل كلاً منا عن وجهة نظره، ومن بين الحضـور مـن قـال إن الحـل هـو انتخابات رئاسية مبكرة، وهنـاك مـن طلب منح مرسى سـنة أخـرى كفرصة أخيرة، ومنهـم من وجـَّه النظـر لحالة الغليـان فى الشـارع، إلى أن وصلنا لصيغة توافقية، وقمنا بصياغـة البيـان الشهير».
وأضاف البابا تواضروس قائلًا: «وبعـد أن انتهينـا، كان الجميع فرحين وتبادلنا التهانى والأحضان، وجلسنا على مائدة واحـدة نتناول الطعام ونتابـع إذاعـة البيـان بالتليفزيون الرسمى، وكانت لحظات فارقة لا تُنسَى، وبدأت أشـعـر بـأن الوطن يتعافى ويعود من خاطفيه، وكانت الطائرة بانتظارى لأعـود مـرة أخرى إلى برج العـرب، وأخذ الطيار يُحَلق بى مقتربًا من الملايين الذين ملأوا الشوارع والميادين فرحين بما حدث، فاللحظة فارقة».
ويتذكر البابا تواضروس أحداث هذا اليوم ويصفها بأنها بطولة حقيقية تستعيد بها مصر مكانتها قائلاً: «ذهبت وأنا لا أعرف من سيحضر، ولا ما سيقال أو سيحدث»..مشيرًا إلى أن الرئيس السيسي أدار الجلسة بديمقراطية، وأعطى الفرصة لكل شخص للتعبير عن رأيه».
وأوضح أن «ما حدث خلال الأيام الثلاثة السابقة كان واضحًا للجميع؛ لكن الرئيس السيسي رتّبه فى نقاط، وبدأ فى استطلاع الآراء حتى توصلنا إلى إعداد بيان 3 يوليو».
وأكد أن رأيه كان «رأى الوطن وسلامته، وعودة مصر إلى مصر التى عرفناها، مصر الجيران والإخوّة والزملاء، كانت لحظة فارقة جدًا».
البابا يرتجل
وعن كلمته التى ألقاها فى هذا اليوم؛ يقول البابا تواضروس الثانى: «كلمتى فى بيان 3 يوليو لم يتم إعدادها من قبل، وقررت حينها ارتجال الكلمة، وقلت ما معناه أنّ عَلم مصر يجمعنا، فاللون الأبيض يشمل سكان البحر الأبيض المتوسط، واللون الأحمر يشمل البحر الأحمر، واللون الأسود يشمل نهر النيل، واللون الأصفر للقوات المسلحة المصرية التى تعيش فى الصحراء، وكان وقت كلمتى دقيقتين فقط».
وأضاف البابا: «إنّ من أكثر الأمور الجميلة التى أتذكرها، أنه عندما أنهينا جميعًا كلمتنا فى بيان 3 يوليو، تعانقنا جميعًا بشكل لا يُنسَى كتعبير عفوى تمامًا، وبَعد إذاعة بيان الفريق عبدالفتاح السيسي، جلسنا على مائدة الطعام لنتناول وجبة العَشاء، ثم عدت بالطائرة إلى الإسكندرية».
وتابع: «قائد الطائرة قال لى حينها أنه سيهبط بالطائرة قليلاً، حتى أرى بعينىّ فرحة المصريين فى الشارع يوم 3 يوليو، ولن أنسى مشهد السعادة الغارمة بين المواطنين والزغاريد والأنوار والهتافات الجميلة».
فترة جديدة
هكذا حفرت أحداث هذا اليوم فى ذاكرة بطريرك الكرازة المرقسية؛ والتى كانت أحداثًا فيصلية نقلت الدولة المصرية لفترة جديدة؛ حيث انطلقت مصر فى بناء جمهوريتها الجديدة، وأكدت على إجماع أطياف الشعب المصرى على وطنية محفورة داخل قلوبهم جميعًا، يرفعون شعار «عاشت مصر حرة أبيّة دائمًا».
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



