الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

يوم تغير كل شىء.. وبقيت مصر

بوابة روز اليوسف

بعد كل هذه السنوات، كلما اقتربت ذكرى تمرد وثورة الثلاثين من يونيو وبيان الثالث من يوليو، أجد نفسى أعود إلى سؤال مختلف تمامًا عن الأسئلة التى اعتدت سماعها.
 


لا أسأل: كيف بدأت تمرد؟
 


ولا أسأل: كم توقيعًا جمعنا؟
 


ولا حتى: كيف نجحت الثورة؟
 


السؤال الذى يطاردنى دائمًا هو: ماذا لو صمت المصريون؟


قد يبدو السؤال بسيطًا، لكنه فى الحقيقة يلخص حكاية جيل كامل عاش واحدة من أكثر اللحظات صعوبة فى تاريخ الدولة المصرية الحديثة، فقبل أن تكون تمرد استمارة توقيع، وقبل أن تتحول إلى حملة أو عنوان يتصدر الصحف والشاشات، كانت حالة قلق عميقة تسكن قلوب ملايين المصريين الذين كانوا يشعرون أن وطنهم يسير فى طريق مظلم لا يشبههم.
 


فى تلك الأيام، لم يكن الخوف على أشخاص أو مواقع أو مناصب، بل كان الخوف على الدولة نفسها، كان المصريون يتابعون المشهد يومًا بعد يوم، ويتساءلون إلى أين تمضى البلاد، وكيف يمكن حماية الدولة الوطنية التى دفع أجيال متعاقبة أثمانًا باهظة من أجل بنائها والحفاظ عليها.
 


 وسط هذا المناخ ولدت فكرة تمرد
 


لم تولد فى قاعة مكيفة، ولم تخرج من مكتب سياسى مغلق، بل خرجت من الشارع المصرى نفسه، خرجت من أحاديث الناس فى المقاهى، ومن غضب الشباب فى الجامعات، ومن القلق الذى كان يملأ البيوت، كانت الفكرة بسيطة فى ظاهرها، لكنها عميقة فى معناها: إذا كان الشعب هو مصدر الشرعية، فمن حق الشعب أن يعبر عن موقفه حين يشعر أن صوته لم يعد مسموعًا.
 


بدأت الرحلة باستمارة صغيرة، لكن ما حدث بعد ذلك كان أكبر بكثير من أى توقعات.
 


أتذكر جيدًا الأيام الأولى للحملة بعد أن اقترحت فكرة واسم تمرد على زملائى  لم تكن لدينا إمكانات ضخمة، ولم تكن لدينا مؤسسات تدير المعركة، لكن كان لدينا إيمان لا يتزعزع بأن المصريين قادرون على التمييز بين الأوطان والجماعات، وبين الدولة والتنظيم، وبين المستقبل والمجهول.
 


يوماً بعد يوم بدأت الاستمارات تنتشر انتشارًا يشبه كرة الثلج من القاهرة إلى الإسكندرية، ومن الدلتا إلى الصعيد، ومن المدن الكبرى إلى القرى البعيدة، وفى كل مكان كنا نكتشف أن ما نحمله فى أيدينا لم يعد مجرد ورقة، بل أصبح وسيلة يعبر بها المصريون عن موقفهم ورؤيتهم لمستقبل بلدهم.
 


ولكن الطريق لم يكن سهلاً كانت هناك ضغوط هائلة، وحملات تشويه لا تتوقف، وتهديدات مباشرة وغير مباشرة لى بشكل شخصى ولباقى أعضاء تمرد، كانت هناك محاولات مستمرة لبث الخوف فى نفوس الشباب وإقناعهم بأن التراجع هو الخيار الآمن، ومرت علينا أيام لم نكن نعرف فيها ماذا يحمل الغد، ولا كيف ستنتهى هذه المواجهة المفتوحة.
 


تعرض أعضاء الحملة لهجمات وضغوط متعددة، وشهدت تلك المرحلة استهداف مقرات مرتبطة بالحركة، ووصل الأمر إلى حرق المقر الرئيسى فى وسط البلد وكنت متواجدا ذلك اليوم داخل المقر وكدت أن أفقد حياتى لولا عناية الله لنا لاستكمال المسيرة وكان هدف الجماعة واضحًا: هو كسر الإرادة قبل أن تتحول إلى موجة شعبية واسعة.
 


لكن ما لم يفهمه كثيرون وقتها أن تمرد لم تعد ملك مؤسسيها لقد أصبحت ملك الناس وحين تصبح الفكرة ملك الناس، يصبح من الصعب إيقافها.
 


ولم أنس التهديد المباشر لى بالقتل من مدير مكتب محمد البلتاجى ولكن كل تهديد كان يدفع شابًا جديدًا إلى الانضمام، وكل محاولة تخويف كانت تدفع مواطنًا جديدًا إلى التوقيع، وكل محاولة لإسكات الأصوات كانت تجعلها أكثر حضورًا.
 


ولهذا لم تكن اللحظة الفاصلة بالنسبة لى يوم إعلان أعداد التوقيعات، رغم أهمية ذلك المشهد، وإنما كانت اللحظة التى أدركت فيها أن المصريين أنفسهم أصبحوا أصحاب الفكرة وحراسها الحقيقيين.
 


ثم جاء الثلاثون من يونيو لم يكن مجرد يوم احتجاج ولم يكن مجرد مظاهرات ضخمة بل كان يومًا استعادت فيه الجماهير ثقتها فى نفسها رأيت مصر كلها تتحرك رأيت وجوهًا أعرفها ووجوهًا لم أرها من قبل، لكن ما جمع بينها كان أكبر من أى انتماء سياسى أو فكرى كان هناك شعور واحد يملأ الجميع: أن الوطن يستحق أن ندافع عنه.
 


فى ذلك اليوم لم تكن الحشود هى الحدث الأهم وكان الحدث الأهم  أن ملايين المصريين قرروا أن يتكلموا بصوت واحد وعندما تتحدث الشعوب بهذه القوة، يتغير التاريخ.
 


ثم جاءت الأيام التالية سريعة ومشحونة بالتوتر والترقب كانت مصر كلها تنتظر مآلات المشهد، بينما كانت الأنظار تتجه إلى مستقبل بدا مفتوحًا على جميع الاحتمالات ولكن جموع المصريين استقر فى ذهنها أن القوات المسلحة المصرية لن تترك المصريين أمام إرهاب وتهديدات الجماعة وبالأخص بعد بيان مهلة الـ48 ساعة الذى أعلنته القوات المسلحة حتى يتفق الجميع من أجل الوطن.
 


 وجاء الثالث من يوليو
 


ويتذكر كثيرون هذا اليوم باعتباره نهاية مرحلة، بينما أراه أنا بداية مرحلة أخرى أكثر صعوبة وتعقيدًا لأن التغيير الحقيقى لا يبدأ عندما تنتهى المعركة، بل عندما تبدأ مسئولية البناء.
 


كان من الممكن أن تتوقف الحكاية عند حدود المشهد السياسى، لكن الشعوب لا تعيش بالشعارات وحدها، والدول لا تُبنى بالهتافات فقط.
 


ولهذا كانت السنوات التالية هى الاختبار الحقيقى اختبار القدرة على تحويل لحظة الغضب إلى مشروع دولة واختبار القدرة على الانتقال من الميادين إلى مواقع البناء واختبار القدرة على حماية الدولة وسط منطقة تموج بالأزمات والصراعات والانهيارات.
 


وبعد ثلاثة عشر عامًا منذ انتصار المصريين فى الثلاثين من يونيو يمكن لكل مصرى أن ينظر حوله ويرى حجم التحولات التى شهدتها البلاد من مدن جديدة خرجت إلى النور، وشبكات طرق ربطت أنحاء الجمهورية، ومشروعات قومية ضخمة أعادت رسم خريطة التنمية، واستثمارات فى الطاقة والبنية التحتية، وجهود متواصلة لترسيخ مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات.
 


وفى قلب هذه المرحلة برز دور الرئيس عبدالفتاح السيسى الذى حمّله المصريون مسئولية قيادة الدولة فى واحدة من أصعب الفترات التى مرت بها المنطقة بأكملها. وكانت السنوات الماضية، بما حملته من تحديات وإنجازات، جزءًا من مسار طويل رأى فيه كثير من المصريين استكمالًا لما بدأته إرادتهم فى الثلاثين من يونيو.
 


لكن رغم كل ما تحقق، تبقى القيمة الأهم بالنسبة لى فى مكان آخر ليست فى الأرقام وليست فى المشروعات وليست فى البيانات.
 


القيمة الحقيقية هى أن المصريين أثبتوا لأنفسهم قبل أى أحد آخر أنهم قادرون على الفعل حين يشعرون أن وطنهم يحتاج إليهم وهذا هو الدرس الذى سيبقى.
 


فتمرد فى جوهرها لم تكن حملة توقيعات، وثلاثون يونيو لم تكن مجرد يوم فى التقويم، والثالث من يوليو لم يكن مجرد بيان سياسى كان كله فصولا فى حكاية أكبر
 


حكاية شعب قرر ألا يصمت.
 


وحين قرر ألا يصمت... تغيرت أشياء كثيرة، وبقيت مصر.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط