لا يحتاج الحبيب إلى مناسبة للحديث عما يحب، وكذلك أنا لا أحتاج إلى مناسبة للحديث عن «روزاليوسف». ومع ذلك، فإن بعض الأخبار الجديدة تصلح مناسبة لفتح كتاب التاريخ وقراءة بعض صفحاته.
ولعله ليس هناك جديد يُقال عن فضل «روز اليوسف» على الصحافة المصرية سوى إعادة قراءة تاريخ هذه المجلة المعجزة بشكل مختلف. ويمكننى أن أقول إن «روز اليوسف»، التى أتمت المئة عام منذ شهور، هى صاحبة الفضل الأول فى تمصير الصحافة الصادرة فى مصر، والتى بدأت على يد عدد من المثقفين الشوام الفارين من الاضطهاد العثمانى إلى رحابة الانفتاح المصرى؛ حيث أسس الأخوان «تقلا» جريدة الأهرام، وأسس الأخوان «زيدان» دار الهلال، وأسس فارس نمر جريدة المقطم الموالية للاحتلال البريطانى… إلخ.
ورغم أن السيدة فاطمة اليوسف كانت أيضًا من أصول شامية، فإنها تربت فى مصر التى وصلتها طفلة أو مراهقة. ورغم أنها، شأن نساء عصرها، لم تكن متعلمة تعليمًا نظاميًا، فإنها كانت عبقرية فى اكتشاف المواهب. وهكذا أقنعت محمد التابعى، الموظف فى البرلمان وناقد المسرح الهاوى الذى كان يوقع مقالاته باسم مستعار، بأن يتفرغ للصحافة. وبعد قليل من الوقت عينته رئيسًا للتحرير ليؤسس أول مدرسة صحفية مصرية، ويتعامل مع الصحافة باعتبارها فنًا من فنون الكتابة، لا أداة للنضال السياسى أو لنشر المقالات المعقدة.
ثم بدأ فى تعليم تلاميذه المصريين، وكان أهمهم على الإطلاق مصطفى أمين وعلى أمين من جهة، ومحمد حسنين هيكل من جهة أخرى. وقد بنى كل منهما مؤسسة صحفية مصرية عظيمة نعرفها جميعًا، والفضل فى ذلك يرجع إلى «روز اليوسف».
وقبل أن يترك التابعى «روز اليوسف» ضم الصحفى الشاب إحسان عبدالقدوس إلى مدرسته، وإن كان إحسان قد اختلف معه فيما بعد. ولولا «روزاليوسف» لما كان لدينا صحفى وروائى وصاحب فكر بحجم إحسان عبدالقدوس، الذى تولى رئاسة تحرير المجلة التى تملكها والدته وهو شاب صغير، فأبدى كفاءة وجدارة وتمردًا واستحقاقًا، وأثبت نفسه. لكن الفضل الأول يعود إلى صاحبة المجلة وصاحبة الاسم «روزاليوسف»، التى راهنت عليه وعلمته وروضت موهبته الجامحة.
ولولا «روز اليوسف» لما ازدانت صحافة مصر باسم أحمد بهاء الدين، الذى ترك مقالًا فى استعلامات المجلة عام 1951، فأصدر إحسان عبدالقدوس قرارًا بالقبض عليه عندما يأتى مرة أخرى، ثم ضمه إلى كتيبة العباقرة والموهوبين، ليصبح أصغر رئيس تحرير فى مصر، ويتولى إصدار مجلة «صباح الخير» عام 1956.
وفى «صباح الخير» تفجرت قنابل عنقودية من الموهوبين، حتى إن أكبر شاعرين مصريين فى ذلك الوقت، وهما صلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطى حجازي، كانا يعملان فى قسم التصحيح بالمجلة، تلبية لرغبة بهاء الدين، الذى كان راعيًا عظيمًا للمواهب.
وأذكر أن الفنان العظيم بهجورى روى لى أنه صارح أحمد بهاء الدين برغبته فى تعلم الفن فى إيطاليا، فأصدر له قرارًا بالسفر إلى روما فى مهمة صحفية، وظل يمول إقامته فى إيطاليا لمدة عام ونصف العام من ميزانية المجلة، فى مخالفة للوائح الإدارية، واستجابة للوائح المهنة والثقافة والتنوير ورعاية الموهوبين.
بل إننا لو نظرنا إلى أكثر الكتاب والمفكرين شعبية، لدرجة أن يُنتج عن حياته مسلسل درامى كبير، لوجدنا أنه ابن من أبناء «روز اليوسف» أيضًا، وهو الدكتور مصطفى محمود، الذى كان جنديًا فى كتيبة الموهوبين فى «روزاليوسف»، وإن تقدمه كثيرون فى ذلك الوقت المليء بالموهوبين.
وغنى عن البيان دور «روز اليوسف» فى التسعينيات فى التصدى لجماعة الإخوان الإرهابية، فى وقت كانت فيه دوائر داخل السلطة تتواطأ معها وتفسح لها المجال. وقد امتد هذا الدور فى بداية الألفية، وكان لى شرف المشاركة فى فضح عدد من تجار الدين المنتمين للجماعة، الذين كانوا ينفذون مخططها لاختراق الصفوة، برضا وموافقة من بعض دوائر السلطة آنذاك، حتى جرى ما جرى فى يناير 2011.
ولم تجبن المجلة عن إدانة الإخوان وواحد منهم على رأس السلطة، وأتشرف بأن كان لى فى ذلك نصيب من الجهاد.
ولو كانت مجلة بنصف أو ربع تاريخ «روز اليوسف» فى بلد آخر، لتحولت من مجلة إلى متحف، ومن مطبوعة إلى مركز ثقافى يروى التاريخ ويجسده، بغض النظر عن المكاسب والخسائر. فالتاريخ لا يقدر بثمن، وأغلى ما نملكه فى مصر هو التاريخ، ولا يوجد عاقل يفرط فى أغلى ما يملكه.
وعلى الله قصد السبيل.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



