الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

كاتب يهودى يوثق «فشل» تل أبيب فى 7 أكتوبر:

إسرائيل.. كانت صرحًا من خيال فهوى!

بوابة روز اليوسف

أقوى شهادات النجاح هى التى يكتبها العدو بنفسه، خاصة إذا ما كان هذا العدو يمتلك الأدوات التى تغير الحقائق وفقًا لمصالحه الخاصة، حيث أصدر الكاتب الإسرائيلى عاموس هارئيل كتابه الجديد «6:29 : تشريح الفشل» عن أحداث السابع من أكتوبر، وكشف فيه فشل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، فى توقع عملية «طوفان الأقصى»، والتى كانت وما زالت صفعة على وجه الاحتلال.


الكتاب الجديد، هز المشهد الثقافى والسياسى الإسرائيلى، والذى تتكاثر فيه الكتب التى تعيد إنتاج الرواية الرسمية، فتزيد من زخم الأحداث وتغرق القارئ فى تفاصيل وبطولات أغلبها من نسج خيال الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، لكنها فى جوهرها لا تفعل سوى إعادة تدوير الخطاب الأمنى والسياسى، خاصة أن هذه الكتب تقدم كوثائق وأحيانا شهادات للتاريخ لتعزز صورة «وهمية» للدولة المحاصرة التى تواجه تهديدات وجودية بلا توقف، لكن بين الحين والآخر تظهر طفرات من المؤلفات تجرؤ على تعريه الحقيقة، وتخرج من بين ركام السرديات الدعائية لتحدث صدمة معرفية وتجبر القارئ الإسرائيلى على مواجهة الأسئلة التى طالما تهرب منه.
 


يقدم عاموس هارئيل كتابه الجديد، بصفته مراسلاً ومعلقاً عسكرياً ملما باللغة والأنظمة والطبقات والأشخاص الذين يقفون وراء العناوين الرئيسية، حيث تكمن الميزة الكبرى للكتاب فى قدرته على الجمع بين منظورين فى آن واحد، نظرة شاملة واستراتيجية ومنهجية للانهيار الكبير الذى حدث فى 7 أكتوبر، ونظرة دقيقة شبه يومية على كيفية استيقاظ بلد بأكمله فى الساعة 6:29 صباحاً على واقع لم يرغب أحد فى تخيله، وذلك من خلال سرد دقيق ومفصل لأحداث السابع من أكتوبر، والانهيار الذى سبقه، وبالاستناد إلى تحقيقات داخلية ومواد استخباراتية وشهادات ميدانية ومحادثات مع مسئولين كبار، يُعيد «هارئيل» بناء صورة كاملة لكيفية فشل إسرائيل على جميع المستويات الاستخبارات والعمليات والاستراتيجيات والجيش فى أحداث السابع من أكتوبر.
 


نقد البنية الأمنية
 


كتب «عاموس» كتابه بين أنقاض بلدات الجنوب الإسرائيلى، حيث البيوت فى منطقة غلاف غزة ونيرعوز وبارى تحولت إلى أشباح، والملاجئ إلى مصائد فئران متكدسة، ليضع إصبعه على الجرح الحقيقى، وهو انهيار مفهوم الأمن الإسرائيلى، إذ أكد أنه ليس السابع من أكتوبر 2023 سوى لحظة الانفجار، أما التصدعات فقد بدأت قبل عقود، حين استبدلت إسرائيل خيبة وهزيمة حرب 1973، بغرور وغطرسة وواصلت لعبة أطلق عليها المعركة بين حربين، متباهية بقدرتها على السيطرة، بينما كان خصمها الحقيقى ينمو فى الظل داخل غزة.
 


«هارئيل» لم يكتف بسرد المأساة، بل وجه الاتهام مباشرة إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزرائه وجيش الاحتلال الإسرائيلى والشاباك، محملًا إياهم مسئولية التقصير، سواء عن قصد أو عن إهمال، فهؤلاء كما يقول تجاهلوا التحذيرات وأسكتوا الأصوات، التى نبهت إلى الخطر تاركين سكان البلدات الحدودية لمصيرهم والأسرى فى غزة للموت البطيء.
 


 الكتاب يُذكر القارئ، بأن ثمن الأكاذيب التى تصدق هو دائمًا الأغلى، وأن الاستيقاظ من وهم الأمن بالقوة كان لا بد أن يكون على «كابوس»، لكن الأخطر هو العودة إلى سبات الغرور.
 


 الكتاب لا يعتبر توثيقًا لطوفان الأقصى فقط ، بل محاولة لفضح البنية السياسية والأمنية التى سمحت لها بوقوع لما أسماه الكاتب بـ«المجزرة» ولإعادة طرح السؤال الأخطر هل يمكن لدولة أن تعيش على أوهام أمنية بينما الواقع ينهار تحت قدميها؟
 


عاموس هارئيل الذى كان يعمل مراسلا عسكريا لأكثر من عقدين، قدم عملًا وصفه المحللون الإسرائيليون بأنه يرتقى إلى مستوى الافتتاحية التحذيرية وجرس إنذار يذكر الإسرائيليين بأن تجاهل الحقائق لا يحميهم بل يقودهم إلى الكوارث والهلاك.
 


 عملية الشرائح الفاشلة
 


ذكر «عاموس» فى كتابه عملية استخباراتية إسرائيلية مهمة أطلق عليها اسم «الشرائح»، وقدم سردًا نقديًا أبرز خلاله فشل الاستخبارات الإسرائيلية فى استيعاب مراحل عملية «الشرائح» وتحويلها إلى إنذار عملى، حيث لم يكتف برصد الوقائع التقنية بل وضعها فى إطار أوسع، يكشف عن أزمة بنيوية فى العقلية الأمنية الإسرائيلية.
 


 فيرى «عاموس»، أن عملية «زرع الشرائح» كانت ابتكارًا استخباراتيًا بارعًان لكنها تحولت إلى مثال صارخ على العجز المؤسسى، «الشرائح» فُعلت فى توقيت حساس لكن الرسائل لم تترجم بل أهملت أو فسرت بشكل خاطئ.
 


 ويبرز الكاتب أن الضباط دربوا على إيقاف الإنذارات لا تشغيلها، أى أن المؤسسة الأمنية كانت تبحث عن أسباب تجعل الوضع طبيعيًا بدلًا من مواجهة احتمال الهجوم، فهذه الثقافة هى جوهر الفشل الذى يشتت الأجهزة من وجهة نظره، فالمشكلة لم تكن فى نقص المعلومات بل فى غياب التنسيق بين الشاباك والوحدة 8200 «القيادة الجنوبية» والجيش، كل طرف امتلك جزءًا من الصورة، لكن لم يجمعها أحد فى لوحة واحدة.
 


كما كشف الكاتب عن فشل إسرائيل واستخباراتها فى زرع عناصر بشرية داخل غزة، واعتمدت بشكل شبه كامل على التكنولوجيا، وهذا الاعتماد جعلها عمياء أمام التحركات البشرية التى سبقت الهجوم، والمفارقة المأساوية أنه رغم وجود 13 مؤشرًا متزامنًا ورغم تحذيرات المراقبات الميدانية، لم يترجم ذلك إلى قرار بل وألمح إلى أن هذه المفارقة كشفت عن خلل عميق فى بنية الأمن الإسرائيلى، حيث تتكدس المعلومات لكن تغيب القدرة على الفعل.
 


ما قدمه عاموس ليس مجرد تقرير استخباراتى أو سرد لوقائع الهجوم بل شهادة على انهيار الثقة وخاصة ثقة النخبة الإسرائيلية فى المنظومة الأمنية ،فعملية الشرائح التى كان يفترض أن تكون أداة إنذار مبكر تحولت إلى دليل على أن إسرائيل رغم تقنياتها المتقدمة فشلت فى ترجمة الواقع إلى قرار، وكأن التاريخ يعيد نفسه كما حدث فى حرب 1973، حيث وضع الكاتب وضع هذا الفشل فى سياق أوسع وهو وجود أزمة عقلية وثقافية ومؤسسية لا مجرد خطأ تقنى.
 


 المؤشرات الـ 13 لطوفان الأقصى
 


رصد الكاتب ثلاثة عشر مؤشرًا كان ينبغى أن تتحول إلى إنذار مبكر، لكنها لم تُستوعب فى الوقت المناسب، هذه العلامات توزعت على مناطق غزة المختلفة، وظهرت فى وحدات متعددة من حماس ما كان يفترض أن يكشف عن هجوم منسق واسع البداية، البداية كانت بتشغيل 45 شريحة إسرائيلية فى هواتف عناصر الحركة ليلة 6-7 أكتوبر وهو رقم غير مسبوق وانتشارها فى بيت حانون شمالًا ومخيمات الوسط وخان يونس جنوبًا.
 


واستخدمت الشرائح لتحميل تطبيقات بث مباشر ما يشير إلى نية توثيق الهجوم مع ارتفاع فى تبادل الرسائل النصية بين قادة الكتائب باستخدام رموز مشفرة، كما ظهر نشاط فى غرف عمليات تحت الأرض واستعدادات غير معتادة فى مرافق الطوارئ الخاصة بقيادات حماس، إلى جانب رفع التأهب فى مواقع الصواريخ وتحركات وحدة مضادات الدبابات واستعداد لتصوير فيديو دعائى صباح الهجوم.
 


كما لوحظ نشاط غير عادى فى سلاح الجو وتحركات وحدات الطائرات المسيّرة ومؤشرات فى الوحدة البحرية، الأهم كان التوزيع الجغرافى الواسع، إذ أظهرت المؤشرات فى أربعة ألوية وأكثر من عشر كتائب باستثناء «رفح»، وتزامنت فى خمسة تشكيلات حيوية هى القيادة والسيطرة وإطلاق النار من المرتفعات ومضادات الدبابات والتشكيل الجوى وقوات النخبة.
 


 ويؤكد الكاتب، أن هذه المؤشرات كانت كافية لتشكيل صورة واضحة عن هجوم منسق، لكن الثغرات المؤسسية والاعتماد المفرط على التكنولوجيا دون العنصر البشرى جعلت الاستخبارات عاجزة عن ترجمتها أساسًا.
 


 آراء وتحليلات
 


فيما حلل الخبراء والمثقفون داخل إسرائيل كتاب عاموس هارئيل بدقة، وأجمعوا على أن قيمته تتجاوز حدود السرد الإخبارى التقليدى، إذ يرتقى ليكون بمثابة بديل فعلى للجان التحقيق الرسمية الغائبة فى ظل انعدام لجنة تحقيق أو وثائق حكومية شاملة، توثق أبعاد الكارثة.
 


كما ينظر إليه باعتباره الوثيقة الأكثر اكتمالًا التى تصدت لتفكيك الحدث وجمعت تفاصيله وسردت أبعاده حتى اللحظة، كما يرى المحللون أن الكتاب يتميز بجرأته فى كسر المفاهيم الأمنية السائدة ويكتسب أهميته من مواجهته المباشرة للعمى المؤسسى، حيث يفكك الفشل العسكرى والاستخباراتى ويهدم أساطير أمنية اعتبرها المجتمع الإسرائيلى لسنوات طويلة من المسلمات التى لا تقبل الشك.
 


ويرى الخبراء أن أهمية الكتاب، تكمن فى أنه لا يقتصر على فهم ما حدث فى السابع من أكتوبر بل يطرح تساؤلات وجودية عميقة حول الهوية كيف كان المجتمع الإسرائيلى قبل الحدث؟ كيف سيكون بعده؟ وهل يمتلك القدرة على أن يتحول إلى مجتمع أفضل مستقبلًا؟ ما جعله بمثابة صرخة فكرية وسياسية تخلخل اليقينيات وتزرع الشك فى قلب المفاهيم الراسخة. 

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط