الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

الآن يجلس الذكاء الاصطناعى إلى مائدة صانع القرار هذه حقيقة عالمية.. لم يعد الذكاء الاصطناعى قضية تخص المهندسين أو شركات التكنولوجيا وحدها ولم يعد مجرد برنامج يختصر الوقت أو يرفع كفاءة الأداء.. نحن أمام تحول يعيد توزيع القوة داخل الدول نفسها..ولعل أخطر ما يحدث الآن أن الذكاء الاصطناعى بدأ ينتقل بهدوء من غرفة الخوادم إلى غرفة صناعة القرار هو أقرب من فى السلطة لعقل الحكام!
 


على امتداد التاريخ كانت السلطة تُبنى على ثلاثة عناصر.. امتلاك المعلومات والقدرة على تحليلها وسرعة اتخاذ القرار واليوم أعاد الذكاء الاصطناعى تعريف العناصر الثلاثة معًا.
 


فالدولة التى كانت تحتاج إلى أسابيع لتحليل ملايين الوثائق أصبحت قادرة على إنجاز ذلك فى دقائق وما كان يتطلب مئات الخبراء بات يمكن لنظام ذكى أن ينجزه فى وقت قياسى ليس لأنه أكثر ذكاءً من الإنسان بل لأنه قادر على معالجة حجم من البيانات يستحيل على العقل البشرى استيعابه. 
 


ولهذا لم يعد الحديث فى العواصم الكبرى يدور حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعى سيدخل مؤسسات الدولة بل حول السرعة التى سيدخل بها والحدود التى ينبغى ألا يتجاوزها.
 


فالولايات المتحدة أعادت توجيه سياساتها لتعزيز استخدام الذكاء الاصطناعى فى مؤسساتها المدنية والعسكرية والاتحاد الأوروبى يتعامل معه باعتباره قضية سيادية تستوجب تشريعات حاكمة.
 


وفى المقابل تضخ الصين استثمارات هائلة لدمج الذكاء الاصطناعى فى الإدارة والصناعة والأمن والاقتصاد انطلاقًا من إدراك واضح أن المنافسة العالمية لم تعد فى امتلاك التكنولوجيا فقط وإنما فى امتلاك القدرة على توظيفها فى إدارة الدولة.
 


لكن التأثير الأعمق لا يكمن فى كل ذلك بل فى أن الذكاء الاصطناعى بدأ يغير الطريقة التى يفكر بها صانع القرار نفسه. 
 


فالقرار السياسى كان يعتمد تقليديًا على التقارير البشرية   والخبرة التراكمية والحدس السياسى، أما اليوم فقد أصبح أمام المسئول مصدر جديد للمعلومة نظام يستطيع تحليل اتجاهات الرأى العام لحظة بلحظة وربط الأداء الاقتصادى بالتحولات الاجتماعية وقياس أثر القرارات قبل صدورها وبناء عشرات السيناريوهات المحتملة مع تقدير تكلفتها السياسية والاقتصادية والأمنية..إنه لا يقدم قرارًا..لكنه يقدم خريطة كاملة للقرار..ومع ذلك فإن أخطر وهم يمكن أن تقع فيه الدول هو الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعى قادر على أن يحكم. 
 


فالسياسة ليست معادلة رياضية ولا يمكن اختزالها فى خوارزمية..الآلة تستطيع أن تحسب تكلفة القرار لكنها لا تستطيع أن تحسب قيمته الأخلاقية. 
 


تستطيع أن تتنبأ بردود الأفعال لكنها لا تستطيع أن تتحمل مسئوليتها..تستطيع أن تقدم أفضل السيناريوهات إحصائيًا لكنها لا تستطيع أن تحدد ما إذا كان هذا القرار ينسجم مع هوية الدولة أو مصالحها العليا أو اعتبارات الأمن القومى. 
 


ولهذا فإن الدول التى ستقود العالم فى العقد المقبل لن تكون تلك التى تستبدل الإنسان بالآلة بل تلك التى تعيد تعريف العلاقة بينهما. 
 


تجعل الذكاء الاصطناعى مستشارًا استراتيجيًا لا حاكمًا وشريكًا فى التحليل لا صاحبًا للقرار ومصدرًا للقوة لا بديلًا عن القيادة السياسية. لقد دخل الذكاء الاصطناعى ملعب السياسة بالفعل لكنه لم يدخل ليحكم وإنما ليعيد كتابة قواعد اللعبة كلها..ومن يدرك هذه الحقيقة مبكرًا سيمنح دولته ميزة استراتيجية يصعب تعويضها أما من يتعامل معها باعتبارها مجرد موجة تقنية عابرة فقد يكتشف متأخرًا أن العالم لم يغيّر أدواته فقط بل غيّر طريقة حكم.. أصحاب المعالى أصبحوا نماذج ذكاء اصطناعى فى الحكومات المتطورة.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط