سبق القول بأنَّ حديثنا عن «مشروع قانون الأسرة» الماثل بين يدى أعضاء البرلمان يهدف إلى تحصين المجتمع بالوعى الذى يحميه من الاختطاف الفكرى المغرض باسم الدِّين البريء من كل المتاجرين به.
وقسَّمنا الحديث عن هذا المشروع إلى سبعة أقسام، وهي: محتوياته، والملاحظات العامة عليه، ونتائج تلك الملاحظات، وإيجابياته، وسلبياته، ومزايداته التى ترضى هوى الإسلام السياسى، والثَّقافة الجديدة التى ألجأتنا إليها ضرورة الحضارة وحوارها المجتمعى.
وتكلمنا عن أربعة أقسام منها، واليوم نواصل الحديث عن أخطر سلبيات مشروع قانون الأسرة هو عدم استقلاله، بل خضوعه لمتغيرات اللِّجان الإفتائية المستقلَّة عنه والمُتحكِّمة فيه.
خامسًا: سلبيات مشروع قانون الأسرة
ولم ينتصر مشروع القانون لنفسه إلَّا فى تعريف الحضانة فى المادة (115) التى نصَّت على أنَّ: «الحضانة هى حفظ الولد وتربيته وضمان رعايته والقيام على شئونه فى زمن مخصوص محدد قانونًا»، ولم يقل كأغلب المواد شرعًا.
ويعود أكثر سلبيات مشروع القانون إلى ترضية أصحاب هوى الإسلام السياسى الذين يمارسون التَّضييق على سَعَة الفقه الإسلامى وتعدُّديَّة أوجهه باحتكار الفتوى، والادِّعاء - افتئاتًا على الله - ضمان صواب اختيارهم الفقهى لفرض وصايتهم على غيرهم، حتَّى أشاع حواريُّوهم اختصاصهم بحق التَّحدُّث باسم الشَّريعة الإسلاميَّة دون سائر المسلمين، وحق انفرادهم بإقرار قانون الأحوال الشخصية دون أصحاب الحق الأصيل المنصوص عليهم فى الدستور الحاكم، والذى ينص فى مادته رقم (101) على أن: «يتولَّى مجلس النواب سلطة التَّشريع»، وفى مادته رقم (122) على أنَّه: «لرئيس الجمهورية، ولمجلس الوزراء، ولكلِّ عضو فى مجلس النوَّاب اقتراح القوانين. ويحال كلُّ مشروع قانون مقدم من الحكومة أو من عُشر أعضاء المجلس إلى اللجان النوعية المختصة بمجلس النواب».
وإذا كان الهدف من وضع قانون للأحوال الشخصية هو مصلحة الأسرة وأطفالها، وليس التَّعبُّد بفتاوى معيَّنة من أشخاص معيَّنين، أو بفتاوى توارثها النَّاس فظنُّوا أنَّها الشَّريعة الإسلاميَّة، وما هى إلَّا وجه من فقهها الذى يتَّسع لأوجه فقهيَّة أخرى تليق بمتغيِّرات الزَّمان والمكان والأحوال، فإنَّ لأعضاء مجلس النوَّاب حقَّ الاختيار الفقهى الحُر دون فزَّاعة مخالفة الشريعة التى يشيعها أصحاب المصلحة فى الوصاية الفقهيَّة عليهم.
ومن السلبيات التى تؤخذ على مشروع قانون الأسرة بفزَّاعة مخالفة اجتهاد الحكومة ونوَّاب الشَّعب للشَّريعة لحرمانهم من سَعَة الفقه الإسلامى، أو بأكذوبة امتلاك البعض الرَّأى الفقهى الممهور بتوقيع الله تعالى دون غيره، ما يلي:
(1) عدم قيام مشروع قانون الأسرة بذاته، فهو مشروع بقانون فاقد السِّيادة والاستقلال، حتَّى إنَّه أقرَّ بعجز المأذون أو الموثق عن معرفة وقوع الطلاق الذى سيوثِّقه، وألزمه باللجوء إلى إحدى لجان الفتوى بالأزهر أو من دار الإفتاء.
فتنصُّ المادة (75) على أنَّه: «فإن تعذر على المأذون أو الموثق المختص التَّيقُّن من وقوع الطلاق شرعًا، فيطلب من الزوج إحضار فتوى معتمدة من إحدى لجان الفتوى بالأزهر الشريف أو من دار الإفتاء المصرية تفيد الرأى الشرعى فى مدى توافر أحكام وشروط الطلاق وإثبات ذلك بوثيقة الطلاق إن صدرت الفتوى بوقوعه. ويسرى طلب الفتوى على أى طلب طلاق شفوى سابق لم يوثق وطُلِب النص عليه فى الوثيقة».
وبهذا فإنَّ مشروع قانون الأسرة يجعل المأذون والقاضى فى مسائل الأسرة خاضعين لمتغيِّرات الفتوى، وفاقدين لأقدس صفة لا تنفك عن سيادة القانون وعن هيبة القضاء، وهى الاستقلال، وذلك بالمخالفة للدِّستور الذى ينصُّ فى مادَّته رقم (94) على أنَّ: «سيادة القانون أساس الحكم فى الدَّولة. وتخضع الدَّولة للقانون، واستقلال القضاء»، وتنصُّ مادَّته رقم (184) على أنَّ: «السلطة القضائية مستقلَّة»، وتنصُّ مادَّته رقم (186) على أنَّ: «القضاة مستقلون غير قابلين للعزل، لا سلطان عليهم فى عملهم لغير القانون».
(2) عدم التزام مشروع قانون الأسرة بنطاق حدود الأحكام القضائيَّة التى تنظِّم حقوق الزَّوجين الرِّضائيَّة والماليَّة والأمنيَّة التى تقوم على المُشاحَّة والخصومة والأداء أو الإبراء والمنع أو الإتاحة، فقد أقحم نفسه فى حدود الأحكام الدِّيانيَّة التى هى علاقة بين العبد وبين ربِّه، وتخضع لقاعدة المسامحات بالعفو الدِّينى عند الخطأ والنسيان والإكراه والتَّوبة.
ومن المسائل الدِّيانيَّة التى أقحم مشروع القانون نفسه فيها دون ولاية ما يلى:
(أ) وصف الزَّواج بالميثاق الشَّرعى فى المادة رقم (6)، مع أنَّ مشروع القانون نابع من الفقه المشروع وليس هو الشَّرع، كما أنَّ الله تعالى قد وصفه بالميثاق الغليظ، فكان الصَّواب وصفه بذلك، وتنصُّ المادة رقم (6) على أنَّ: «الزواج ميثاق شرعى بين رجل وامرأة».
(ب) وصف ترتيب آثار الزواج الصحيح بأنَّها «مقرَّة شرعًا منذ انعقاده» فى المادة رقم (19)، مع أنَّ مشروع القانون نابع من الفقه المشروع وليس هو الشَّرع، فكان الصواب هو حذف لفظ «شرعًا»؛ ليكون النَّصُّ: «يترتب عليه - أى على الزواج الصحيح - آثاره المقررة منذ انعقاده».
(ج) وصف «المحرمات» من النساء، وليس الممنوع الزواج منهنَّ فى المواد (10، 11، 12، 13، 14، 15، 20، 21، 25، 26، 27).
- ووصف الشَّرط بالمحرَّم شرعًا، وليس بالممنوع فى إبطال الشَّرط فى الزَّواج الوارد فى المادة رقم (30).
- ووصف الخلوة بالشَّرعيَّة، وليس بالصحيحة فى المواد (39، 44، 45).
- ووصف مانع الخلوة بالشَّرعى، وليس بالطَّبيعى فى المادة (45).
- وكذلك توصيف نفقة الزوجة من الغذاء والكسوة والمسكن ونفقات العلاج، وغير ذلك ممَّا يقضى به الشرع، وليس ممَّا ينصُّ عليه القانون بدلًا ممَّا يقضى به الشرع غير المعيَّن، فى المادة (49).
- ومنع سقوط نفقة الزوجة بخروجها من مسكن الزوجية فى الأحوال التى يباح فيها ذلك بحكم الشرع، وليس بحكم القانون، فى المادة (50).
-والنص على أنَّ الطلاق الرَّجعى لا يزيل الحِل، وليس كونه مجرد مانع من الخلوة، فى المادة (69).
- والنص على أنَّ الطلاق البائن بينونة كبرى لا تحل الزوجة للمطلق إلَّا بعد أن تتزوج بآخر..، وليس مجرَّد مانع من الزوجية أو إنشاء زوجيَّة جديدة إلَّا أن تتزوج بآخر، فى المادة (71).
-والنَّص على أنَّه يجب على المأذون التحقق من وقوع الطلاق شرعًا، وليس من وقوع الطلاق على الوجه الصحيح، وكذلك النَّص على وقوع الطلاق الشفوى شرعًا بفتوى معتمدة من إحدى لجان الأزهر أو دار الإفتاء، وليس وقوع الطلاق صحيحًا باستيفاء شكله أمام المأذون، فى المادة (75).
-والنَّصُّ فى الخلع على تنازل الزوجة عن جميع حقوقها المالية الشرعية، وليس المقرَّرة بالقانون، فى المادة (83).
-والنَّصُّ فى العدَّة على أنَّها المدة المحدَّدة شرعًا، وليس المحدَّدة قانونًا، فى المادة (86).
- والنَّصُّ فى إثبات النسب بالخلوة الشرعية، وليس الصحيحة، فى المادة (98).
-والنَّصُّ فى إثبات النسب بالطرق العلمية فى حالات إنكار مَن يُنسب إليه الطفل شرعًا، وليس قانونًا، فى المادة (101).
وهكذا كلُّ وصف دينى من الحلال أو الحرام أو الشَّرعي؛ لأنَّ القانون أو القضاء لا يملك تحريمًا أو تحليلًا، ولا يتكلَّم باسم الشَّرع، وإنَّما يملك منعًا أو إتاحة، ويتكلَّمُ باسم الشَعب، كما أنَّ مصطلح الشَّرع ليس له ضابط محصور فى كتاب معيَّن، فكان الواجب هو الاحتكام للقانون المنضبط القائم بذاته، والتَّعبير بالممنوع الزواج منهنَّ، أو المحظور الزواج منهنَّ، وليس المحرَّم الزواج منهنَ؛ تعظيمًا لله تعالى المنفرد بالتَّحريم والتَّحليل.
(3) تمكين مشروع القانون الزَّوج من مكايدة الزَّوجة وطفلها، ومن ذلك ما يلي:
(أ) إتاهة الزوجة فى وقوع طلاقها من عدمه، بعد النَّص فى المادة (75) على إلزام الزوج بتوثيق طلاقه الشفوى خلال خمسة عشر يوما، وأنَّ أثر هذا الطلاق لا يترتب قضاءً بالنسبة لكافة حقوق الزوجيَّة والميراث إلَّا إذا تم توثيقه، والسُّكوت عن حق العلاقة الزَّوجية فيما قبل التوثيق، ثم النَّص على عدم توثيق الطلاق بدون إحضار الزوج فتوى معتمدة من إحدى لجان الفتوى بالأزهر أو دار الإفتاء، والزوجة فى كل ذلك حائرة لا تعرف مصيرها من الطلاق.
(ب) إيقاظ فتنة اللعان بالأيمان مع انتشار خراب الذِّمم، وذلك فى المواد رقم (14) المخصَّصة لتحريم الزوجة الملاعَنة، وأرقام (109: 111) المنظمة لملاعنة الزوج زوجته من أجل نفى ولدها قبل ثلاثين يومًا من علمه بالولادة وليس بالحمل، ولم يثبت بالوسائل العلمية أنَّ الولد له، فإن ثبت فلا لعان، والمادة رقم (76) فقرة (و) فى بيان حالات فسخ عقد الزواج.
أقول: وإذا لم يثبت علميًّ كان إنهاء علاقة الزوجية فى هدوء، أو يتم السَّتر بقاعدة الفراش؛ خاصة وأنَّ جمهور الفقهاء يرى اللعان حقًّا للزَّوج وليس واجبًا عليه؛ عملًا بقاعدة «الولد للفراش»، خلافًا للشافعية الذين يرون وجوب اللعان لنفى الولد الذى يعتقد الزوج نفيه.
هذا، بالإضافة إلى أنَّ مشروع القانون قد منح الزوج حقَّ نفى ولد الفراش بدون لعان خلال سبعة أيام من وقت الولادة إن كان حاضرًا أو من تاريخ العلم بها إن كان غائبًا بشرط ألَّا يكون قد اعترف بالنسب صراحة أو ضمنًا، وألَّا يكذبه دليل علمى معتمد فى مادة (105).
(ج) تعليق صحة الشروط فى الزواج بأوصاف مرسلة، وهى محل خلاف بين الفقهاء، ممَّا يجعلها كأنْ لم تكن؛ حيث تنص المادة رقم (30) على أنَّه: «إذا اشترط فى الزواج شرط ينافى مقتضاه، أو كان محرَّمًا شرعًا يبطل الشرط ويصح العقد»، ولا يوجد ضابط لما ينافى المقتضى، كما اختلف الفقهاء فى الشروط المحرمَّة بين موسِّع وبين مضيِّق.
(د) تعليق صحة الشراكة المالية بين الزَّوجين على الحصَّة المالية لكل منهما، كما تنص على ذلك الفقرة الأولى للمادة رقم (33)، وهذا تحصيل حاصل، لا جديد فيه.
وتعليق مطالبة أحد الزوجين مقابلًا عن أعبائه فى تنمية أموال الآخر بألَّا تكون هذه الأعباء من مقتضيات عقد الزواج، كما تنص على ذلك الفقرة الثانية للمادة رقم (33)، وهذا تفويت لحق الزوجة فى تقدير أعبائها المنزلية بغموض قيد «ألَّا تكون هذه الأعباء من مقتضيات عقد الزواج».
(4)إقحام مشروع القانون نفسه فيما يتعذَر الإشهاد عليه، وفيما اتَّسع لاختلاف الفقهاء، ومن ذلك:
(أ) اشتراط الدخول الحقيقى فى زواج البائن بينونة كبرى من زوج آخر غير مَن بانت منه؛ حتى تجوز بعد طلاقها للأوَّل فى المادة (11) فقرة (د، هـ)، والمادة (15) فقرة (و)، والمادة (71).
مع أن التابعييَّن سعيد بن المسيب ت94هـ وسعيد بن جبير ت95هـ يريان الاكتفاء بعقد الزواج على آخر دون اشتراط الدخول الحقيقي؛ لأنَّ جميع ألفاظ النكاح - فى كتاب الله - قد وردت بمعنى العقد فقط، ومن ذلك قوله تعالى: «حتى تنكح زوجا غيره» (البقرة: 230).
(ب) استحداث الاعتراف بوطء الشبهة المبنى على الذِّمم فى حقوق الله، وليس فى حقوق الآدميين، وخصص لتعريفه المادة رقم (2)، وأثبت به العدَّة فى المادة رقم (88) فقرة (أ).
ثم انتكس مشروع القانون فى اعترافه بوطء الشبهة، فمنع إثبات النسب به؛ خلافًا مذهب جمهور الفقهاء الذين أثبتوا النسب به، فنصَّ فى مادته رقم (103) على أنَّه: «لا يُقبل ادِّعاء نسب مولود على فراش زوجية الغير».
(ج) نصَّ على فسخ عقد الزواج بردَّة أحد الزوجين مادة (76) فقرة (هـ).
وأرى لزوم تقييد ذلك بثبوت الرِّدَّة قضاءً، وبطلب الزَّوج المضرور فسخ عقد الزواج.
(د) اعتمد فى تقرير العدَّة - التى استحدث موادها - على غير ضابط عادل، فعدَّة المرأة المنتظم حيضها برؤيتها دم الحيض ثلاث مرَّات كوامل بما لا يقل عن ستين يومًا، والتى لا ينتظم حيضها بمرور عشرة أشهر، والتى لا تحيض بمرور تسعين يومًا فى المادة (89).
وأرى لزوم تقرير عدَّة غير الحامل بالعدد المحسوم؛ خاصة مع مرونة تفسير القرء بالحيض أو بالطُّهر بين الفقهاء.
(هـ) اشترط إرادة فرار الزوج من إرث زوجته لاحتساب عدَّة طلاقها بأبعد الأجلين من عدَّة الطلاق أو عدَّة الوفاة، فى المادة (92).
وأرى لزوم حذف هذا الشرط؛ خاصة وأنَّ المالكية يجيزون توريث المطلقة فى مرض الزوج وإن طال الزمان، والحنابلة يجيزون توريث المطلقة فى مرض الزوج ما لم تتزوج بآخر.
(5) اختيار أوجه فقهيَّة قاصرة، تضيعُ بها حقوق أحد الزَّوجين الرِّضائيَّة أو الماليَّة أو الأمنيَّة، ومن ذلك ما يلي:
(أ) تحديد حق الزوجة فى طلب فسخ عقد الزواج بسبب ادِّعاء الزوج لنفسه ما ليس فيه بمدة لا تزيد على ستة أشهر من تاريخ العقد، بشرط عدم وجود حمل أو إنجاب فى المادة (7).
وبهذ يضيع حق الزوجة فى طلب الفسخ لهذا السبب فى حال تأخير الدخول إلى بعد مضى ستة أشهر من العقد، فكان الأولى تحديد هذا الحق بشهر من الدخول، وليس من العقد؛ لأنَّ الحقائق تتكاشف بالدخول أكثر ممَّا قبله.
فتنصُّ المادة رقم (7) فقرة (ب) على أنَّه: «يحق للزوجة طلب فسخ عقد زواجها قضاءً خلال مدَّة لا تزيد على ستة أشهر من تاريخ العقد إذا تبين لها أنَّ الزوج ادَّعى لنفسه ما ليس فيه وتزوجته على ذلك شريطة عدم وجود حمل أو إنجاب».
(ب) استحداث النَّصُّ تحريم - والصَّواب منع - الزواج بسبب المصاهرة والرضاع واللعان والزنى والعارض المؤقت ممَّا وقع فيه اختلاف الفقهاء، بما يُضيِّق على المسلمين اختياراتهم الفقهيَّة، وذلك فى فصل «المحرمات» فى المواد (10: 15) الذى لم يكن له وجود فى القوانين السابقة.
ومن هذا التَّضييق: تحريم الزواج بابنة الزوجة غير الربيبة، وتحريم الزواج بالرضاع من جهة الأب وليس من جهة الأم وهو المعروف بلبن الفحل، والتَّحريم بالرضاع من خمس رضعات وليس من عشر رضعات، والتَّحريم بسبب اللعان حتى مع التوبة خلافًا لأبى حنيفة، والتحريم بنسب ومصاهرة الزنى الذى لا يثبت به النسب، ونحو ذلك ممَّا اختلف الفقهاء فى ثبوت التَّحريم به، ويلزم تركه لاختيارات الناس.
(ج) تحديد عدَّة الحامل المتوفَّى عنها زوجها بوضع الحمل فى المادة (90)، مع إمكان الأخذ برأى على بن أبى طالب وبعض المالكية بأبعد الأجلين من وضع الحمل أو مضى أربعة أشهر وعشرًا؛ مراعاة لأعراف المصريين..
(د) احتساب الحكم بالخلع طلاقًا من الثلاث مادة (83)، مع إمكان الأخذ برأى ابن عباس، والحنابلة والقديم للشافعية باحستاب الحكم بالخلع فسخًا، ولا يُعدُّ من عدد الطلقات الثلاث للزوج؛ حتَّى يتمكَّن الزَّوجان من العود تراضيًا بعقد ومهر جديدين.
(6) اختيار أوجه فقهية تُضيِّق واسعًا، ولو تُرِكتْ لاختيار الزَّوجين لكان فى ذلك سعة، ومن ذلك ما يلي:
(أ) النَّصُّ المستحدث فى المادة رقم (42) على أنَّه: «لا يجوز مطالبة الزوجة بإنفاق المهر فى تجهيز نفسها»، مع أنَّ المذهب المالكى يجيز ذلك.
(ب) النَّصُّ المستحدث فى المادة رقم (85) على أنَّ: «غير المسلمة المتزوجة بغير المسلم إذا أسلمت عُرِض الإسلام على زوجها فإن أسلم فزواجهما باق دون عقد جديد، وإن أبى فرَّقت بينهما المحكمة بطلقة بائنة».
هذا، مع إمكان بقاء الزوجيَّة بإسلام الزوجة دون زوجها، بحسب اختيارها، كما قال بذلك ابن تيمية فى «الاخيارات الفقهية»،وابن القيم فى «أحكام أهل الذمة»، وابن كثير فى «السيرة النبوية» والشوكانى فى «نيل الأوطار»، وهو رواية عن عمر بن الخطاب فيما أخرجه عبد الرزاق فى «مصنفه» عن ابن عباس قال: «أسلمت امرأة من أهل الحيرة، ولم يسلم زوجها، فكتب فيها عمر بن الخطاب: أنْ خيِّروها فإنْ شاءت فارقته، وإنْ شاءت قَرَّت عنده».
(ج) النَّصُّ المستحدث فى المادة رقم (98) على أنَّ: «أقل مدَّة للحمل يثبت بها النسب ستَّة أشهر قمريَّة من وقت الدخول بالزوجة أو الخلوة الشرعية، وأكثرها عشرة أشهر قمرية»، وكذلك النَّصُّ المستحدث فى المادة رقم (100) على أنَّه: «يثبت نسب الولد من الرجل فى الزواج الفاسد والوطء بشبهة إذا وُلِد لستة أشهر قمرية من تاريخ الدخول الحقيقى».
هذا، مع إمكان بقاء القانون الحالى كما هو، فقد سكت عن أقل مدَّة للحمل؛ لتمكين الزَّانيين من تصحيح وضعهما بالزَّواج، وإثبات النسب بالعقد، وليس بمضى ستة أشهر من العقد، وهو قول ابن مسعود وابن عباس وإليه ذهب أبو حنيفة ومحمد بن الحسن الشيبانى ووجه للشافعية ومذهب الظاهرية؛ فقد أخرج عبد الرزاق وابن أبى شيبة فى «مصنفيهما» عن ابن عباس أنَّه سئل عن رجل يفجر بالمرأة أو يزنى بها، ثم يتزوجها أو يريد نكاحها؟ فقال: «أوَّل أمرهما سفاح وآخره نكاح، وأوَّله حرام وآخره حلال»، وأخرج ابن أبى شيبة عن ابن مسعود أنَّه سئل عن الرَّجل يفجر بالمرأة ثم يتزوجها؟ فقال: «لا بأس به»، وقرأ قوله تعالى: «وهو الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون» (الشورى: 25).
وتنص المادة رقم (15) من القانون الحالى رقم (25) لسنة 1929م المعدَّل بالقانون رقم (100) لسنة 1985م على أنَّه: «لا تسمع عند الانكار دعوى النسب لولد زوجة ثبت عدم التلاقى بينها وبين زوجها من حين العقد، ولا لولد زوجة أتت به بعد سنة من غيبة الزوج عنها، ولا لولد المطلقة والمتوفى عنها زوجها إذا أتت به لأكثر من سنة من وقت الطلاق أو الوفاة».
(7) اختيار أوجه فقهيَّة طائفيَّة، مع إمكان اختيار أوجه فقهيَّة معتمدة من ثقات تقوم على المواطنة التى نصَّ عليها الدستور فى مادَّته الأولى، وفيها: «جمهورية مصر العربية دولة ذات سيادة... ونظامها جمهورى ديمقراطى، يقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون».
ومن تلك الاختيارات الطائفية التى تركت اختيارات المواطنة ما يلي:
(أ) اشتراط صفة الإسلام فى الشاهدين على زواج المسلم، مع أنَّ بعض كبار الصحابة والفقهاء قال بصحة وقبول شهادة غير المسلمين العدول فى جميع أقضيات المسلمين ومنها الزواج والطلاق.
ومن هؤلاء الفقهاء ابن تيمية ت728هـ وابن القيم ت751هـ، وروى عن ابن مسعود ت32هـ؛ لعموم قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم» (المائدة: 106)، والذين منعوا شهادة غير المسلمين قالوا بنسخ العمل بهذه الآية، أو قصرها على الوصية فى السَّفر.
فتنص المادة رقم (9) على أنَّه: «يشترط فى الإشهاد على زواج المسلم حضور شاهدين مسلمين..»
(ب) اشتراط صفة الإسلام فى الأم الحاضنة لولدها بعد بلوغه سبع سنين، فتنصُّ المادة (117) على أنَّه: «يُشترط فى الحاضن إذا كانت امرأة زيادة على الشروط المذكورة فى المادة السابقة ألَّا تكون مختلفة مع المحضون فى الدين بعد بلوغه سبع سنين، وألَّا تأتى مع المحضون ما يُخشى منه على دينه قبل بلوغه هذه السن».
وهذا يعنى حرمان الأم المسيحية من حضانة ولدها المسلم بزعم أنَّها تنشئه على الطقوس المسيحية؛ علمًا بأنَّ المذهب المالكى لم يشترط صفة الإسلام فى الحاضن أو الحاضنة.
(8) عقوبات حبس الزوج أو المطلق فى المواد (169: 175) غير لائقة من وجهة نظري؛ إكرامًا لعقد الزواج، ويكتفى بالعقوبة المالية؛ لعموم قوله تعالى: «الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان» (البقرة: 229)، وقوله تعالى: «وعلى المولود له رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده» (البقرة: 233).
وللحديث بقية
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



