بعد تركيب «وعاء مفاعل الوحدة النووية الثانية»..
«الضبعة» تقترب من الانطلاق.. والحلم النووى المصرى يدخل مرحلة الحسم
دخل مشروع محطة الضبعة النووية مرحلة جديدة وحاسمة، بعد الانتهاء من تركيب «وعاء مفاعل الوحدة النووية الثانية» الخميس الماضى ، فى خطوة تُعد من أبرز المراحل الإنشائية بالمشروع، وتُمهد للانتقال إلى المراحل النهائية لتجهيز أول مفاعل نووى لإنتاج الكهرباء فى مصر، تمهيدًا لتشغيله وفق الجدول الزمنى المقرر.
وجاء تركيب «وعاء مفاعل الوحدة النووية الثانية»، بعد فترة وجيزة من تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة الأولى، وهى أحد أهم مكونات منظومة الأمان فى مفاعلات الجيل الثالث المطور، إذ صُمم لاحتواء المواد المنصهرة داخل المفاعل فى حالات الطوارئ القصوى، بما يضمن أعلى مستويات السلامة النووية وفقًا لمعايير الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وخلال مراسم تركيب «وعاء مفاعل الوحدة النووية الثانية» أكد رئيس الوزراء دكتور مصطفى مدبولى أن الطاقة النووية السلمية تمثل خيارا استراتيجيا لمصر يدعم تحقيق أهداف التنمية المستدامة، لما توفره من مصدر آمن ومستقر للكهرباء، فضلا عن دورها فى خفض الانبعاثات الكربونية ودعم جهود مواجهة التغير المناخى.
وتمثل محطة الضبعة حلم مصر النووى الذى انتظرته لعقود، إذ تتكون من أربعة مفاعلات نووية لإنتاج الكهرباء بقدرة إجمالية تبلغ 4800 ميجاوات، بواقع 1200 ميجاوات لكل مفاعل، ومن المقرر أن يبدأ تشغيل المفاعل الأول عام 2028، على أن تدخل المفاعلات الثلاثة الأخرى الخدمة تباعًا.
ووفقًا للعقد المبرم بين مصر وروسيا، لا يقتصر دور الجانب الروسى على إنشاء المحطة، بل يشمل أيضًا إمدادها بالوقود النووى طوال عمرها التشغيلى، وتدريب الكوادر المصرية، وتقديم الدعم الفنى فى التشغيل والصيانة خلال السنوات العشر الأولى، إلى جانب إنشاء منشأة لتخزين الوقود النووى المستهلك.
كما تُشارك كوريا الجنوبية فى تنفيذ المشروع من خلال توريد عدد من المعدات والأنظمة الإنشائية الرئيسية والفرعية، بما يعكس الطابع الدولى للمشروع وأهميته الاستراتيجية.
أول محطة طاقة نووية سلمية
وتسعى مصر من امتلاكها إلى محطة طاقة نووية سلمية؛ لتنويع مصادر الطاقة لديها؛ وخفض الاعتماد على الغاز الطبيعى والمنتجات البترولية، إذ بحسب رؤيتها للتنمية المستدامة 2030؛ تستهدف البلاد إدخال الطاقة النووية بنسبة ثلاثة فى المئة فى مصادر الطاقة لعام 2035، إلى جانب 42 فى المئة من مصادر الطاقة المتجددة (رياح/ شمسية/مائية) مقارنة بـ20 فى المئة عام 2022.
ويؤكد الخبراء ومراقبون؛ أن مشروع الضبعة النووى يوفر مصدرًا اقتصاديًا للكهرباء؛ فى ضوء العمر الممتد لمحطات الطاقة الكهربائية التى تعمل بالوقود النووى مقارنة بالوقود الأحفورى.
لماذا مدينة الضبعة؟
تقع المحطة النووية فى مدينة الضبعة التابعة لمحافظة مطروح «شمال غرب»؛ على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وتقام على مساحة 45 كيلومترًا مربعًا بطول 15 كيلومترًا على الساحل الشمالى وبعمق 5 كيلومترات، فى منطقة تمتاز بنشاط زلزالى إقليمى منخفض؛ وإمدادات كافية من مياه التبريد «البحر المتوسط».
أهداف المشروع
مصر تسعى لاستغلال الطاقة النووية السلمية فى عدة أغراض بمقدمتها توفير طاقة كهربائية تصل إلى 4800 ميجاوات، من مصدر متجدد قليل الانبعاثات؛ وتأهيل كوادر بشرية للعمل فى الصناعات النووية، وأيضًا دخول الصناعات النووية للسوق المصرية؛ وتأهيل الشركات المصرية للعمل فى بناء المفاعلات، ومن المخطط أن تصل نسبة المكون المحلى؛ ومشاركة الشركات المصرية فى إنشاءات الضبعة 20 %؛ وذلك فى الوحدة النووية الأولى؛ وتصل إلى 35 % فى الوحدة الرابعة.
ومع الأزمات المتتالية فى توفير الوقود لمحطات الكهرباء، تم الاتجاه نحو زيادة الاعتماد على الطاقات المتجددة فى إنتاج الكهرباء، ومن بينها الطاقة النووية، والعمر الافتراضى للمحطة يصل إلى 60 عامًا.
مشروع قومى استراتيجى
الدكتور محمود عصمت وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، يقول عن أهمية المحطة النووية ضمن مشروعات توفير الكهرباء: «محطة الضبعة تعد مشروعًا قوميًا استراتيجيًا، يُمثل حجر الزاوية فى خطة الدولة لتأمين مصادر الطاقة المستدامة، بجانب أنها تمثل مشروعًا لبناء قاعدة تكنولوجية متقدمة لنقل الخبرات العالمية فى المجال النووى إلى السوق المصرية.
ويوضح أن مصر تعمل على بناء مشروعها النووى بمدينة الضبعة لتلبية احتياجاتها من الكهرباء وتحقيق التنمية الاقتصادية.
ويضيف: «إن أهم أهداف المشروع النووى توطين التكنولوجيات النووية فى مصر ورفع نسب المشاركة الوطنية، إذ أن الدول التى سبقتنا فى إقامة مشروعات المحطات النووية؛ أصبحت تلك المشروعات فيها بمثابة المحرك الأساسى لتحديث الصناعة بها؛ والارتقاء بكوادرها البشرية عن طريق توجيه ونشر المساهمة الوطنية فى مختلف المجالات الفنية والصناعية الأخرى».
ركيزة أساسية برؤية مصر 2030
أشار وزير الكهرباء؛ إلى أن قطاع الطاقة النووية يُعد ركيزة أساسية فى تحقيق رؤية مصر 2030، ومن المخطط أن تُسهم محطة الضبعة النووية فى دخول عدد من الصناعات النووية للسوق المصرية، إلى جانب تدريب الأيدى العاملة فى هذا المجال، وذلك بتدشين المجمع التدريبى فى مدينة الضبعة مؤخرًا لتدريب الكوادر البشرية.
تتويجًا للجهود المصرية
ويقول الدكتور كريم الدين عبد العزيز الأدهم الرئيس الأسبق لمركز الأمان النووى: إن المشروع النووى يُشكل حجر الزاوية فى رؤية مصر 2030؛ لتأمين الطاقة المستقبلية بشكل مستدام وآمن، وذلك ضمن جهود مصر المستمرة لتعزيز التعاون الدولى فى مجال الطاقة النووية السلمية؛ وتطوير البرنامج النووى السلمى بما يتماشى مع المعايير الدولية.
وأضاف: إن تنفيذ مشروع محطة الضبعة للطاقة النووية؛ يُمثل تتويجًا لسنوات عديدة من الجهود المصرية لإدخال الطاقة النووية إلى مصر، حيث تعود خطط إنشاء محطة الضبعة للطاقة النووية إلى أواخر السبعينيات عندما بدأت إجراءات اختيار الموقع.
وأشار الرئيس الأسبق لمركز الأمان النووى، إلى أن مشروع الضبعة للطاقة النووية يهدف إلى بناء أربع وحدات من مفاعلات الماء المضغوط PWR من الطراز الروسى VVER-1200 (AES-2006) بقدرة 1200 ميجاوات لكل وحدة، وتُعد مفاعلات الماء المضغوط أكثر أنواع المفاعلات شيوعًا فى العالم.
يقع موقع الضبعة على طول الساحل الشمالى الغربى لمصر على البحر الأبيض المتوسط.
عوامل الأمان
وقال د. كريم الأدهم: إن عامل الأمان والموثوقية لتصميم المفاعل النووى، أحد أهم عوامل المفاضلة الرئيسية لاختيار نوع المفاعل والتكنولوجيا المستخدمة لبناء المحطة النووية، حيث تنتمى التكنولوجيا المستخدمة إلى مفاعلات الجيل الثالث المطور المتوافقة مع جميع المتطلبات التى وضعتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ويتميز المفاعل، بتصميم يمنع أى تسرب للمواد المشعة تحت أى ظروف قد تتعرض لها المحطة (فيضانات، أعاصير، تصادم طائرات) من خلال الهيكل المزدوج لوعاء الاحتواء الخرساني.
وشدد على أن مصر اتخذت احتياطات الأمان النووى لحماية المواطنين والبيئة والمجتمع من التأثيرات الضارة للإشعاع، ويشمل أمان المرافق والأنشطة النووية ويتم باتخاذ سلسلة تدابير فنية وإدارية صارمة؛ وفقًا لمعايير دولية تهدف لمنع وقوع الحوادث من الأساس والسيطرة عليها.
فوائد اقتصادية كبيرة
ويقول الدكتور مصطفى عزيز أستاذ بهيئة الطاقة الذرية والرئيس الأسبق لهيئة الرقابة النووية والإشعاعية: إن توطين الصناعة النووية يُعد من أهم بنود عقد محطة الضبعة مع مؤسسة «روسآتوم» الروسية، ويُسهم فى تعزيز القدرات المحلية وتوفير فرص عمل ودعم استراتيجية مصر للطاقة المستدامة.
وأضاف: إن محطة الضبعة النووية تم تصميمها وفق أحدث معايير الأمان العالمية، مشيرًا إلى أن هذه المعايير تشهد تطويرًا مستمرًا استنادًا إلى الخبرات التشغيلية والحوادث النووية، حيث تنتمى إلى الجيل الثالث المطور من المفاعلات، والتى تتضمن معايير أمان متقدمة مثل وعاء الاحتواء المزدوج ومصيدة قلب المفاعل، التى تمنع تسرب المواد المشعة حتى فى أسوأ السيناريوهات.
وأكد أن مشروع محطة الضبعة ليس مجرد محطة للطاقة، بل يعد قاطرة للتنمية الصناعية فى مصر ويعزز قدرة الصناعة المحلية على التنافس عالميًا، ومن أهم الفوائد الاقتصادية للطاقة النووية، أنه يحقق فورات مالية ضخمة عبر توفير ما بين 2.5 إلى 3 مليارات دولار سنويًا من تكلفة استيراد الوقود التقليدى، وخفض استهلاك الغاز الطبيعى بمقدار 7 مليارات متر مكعب سنويًا، كما يوفر المشروع 54 ألف فرصة عمل، ويعزز إمدادات الطاقة المستدامة ويُعد منع وقوع الحوادث الهدف الرئيسى والأسمى لجميع المعنيين بالطاقة النووية، وتقع مسئولية تحقيق الأمان النووى على عاتق الجهة المشغّلة، كما يُسهم فى الحفاظ على الموارد الطبيعية غير المتجددة مثل النفط والغاز واستخدامها بشكل رشيد، وأنه مصدر طاقة نظيف خالٍ من انبعاثات الكربون، ويلعب دورًا بارزًا فى مواجهة الاحتباس الحرارى.
التكنولوجيا المتطورة
وأكد أستاذ الطاقة الذرية، أن المشروع يتيح استيعاب التقنيات والتكنولوجيا المتطورة، ويعزز البحث والتطوير، والارتقاء بجودة العمل والمنتجات محلية الصنع إلى مستوى المعايير الدولية، وزيادة فرص العمل للمصريين بمشاركة محلية لا تقل عن 20 ٪ للوحدة الأولى وحتى 35 ٪ للوحدة الرابعة، ودفع عجلة التنمية الاقتصادية والبنية التحتية فى منطقة مطروح وخاصة الضبعة.
وفى ظل عدم الاستقرار فى أسعار الطاقة العالمية، ستُسهم محطة الضبعة النووية فى تحقيق أمن الطاقة للدولة المصرية وتأمينها من التأثر بالأزمات العالمية من خلال تنويع مصادر الطاقة، كما تُسهم محطة الضبعة فى إنتاج الهيدروجين الأصفر الصديق للبيئة، وهو ما يدعم خطط الدولة فى توطين مصادر الطاقة المتجددة.
ويساعد التعاون المصرى / الروسى فى نقل الخبرات التكنولوجية للعامل المصرى، إذ تتطلب المحطة تكنولوجيا عالية تعتمد فيها روسآتوم على أحدث الحلول المتطورة، ما يُسهم فى توطين التكنولوجيا الحديثة فى مصر.
نقلًأ عن مجلة روزاليوسف



