دكاكين السوشيال ميديا.. وشباب الرصيف
كيف يمول «المرشد الموازى» بقاءه من خزانة التنظيم الإرهابى؟
لم تكن ليلة عادية من ليالى الشتاء الباردة فى إسطنبول، تلك التى شهدت فصلًا جديدًا من فصول المأساة المكتومة خلف جدران التنظيم الإرهابى.
فى زاوية مقهى بسيط، كان أحد شباب الإخوان «الهاربين» يجلس وعيناه ممتلئتان بالانكسار وخيبة الأمل.
نظر إلى رفاقه بمرارة وهو يقول: «لقد أوقفوا معونتى الشهرية تمامًا، رغم أنها ليرات معدودة.. أخبرونى فى اللجنة المالية أن الميزانية صفر، وعليّ أن أتدبر أمرى وتوفير ثمن طعامى، وقاموا أيضًا بطردى من الشقة التى احتفظوا فيها فقط بالشباب المؤيد لمحمود حسين».
فى تلك اللحظة بالذات، وعلى بعد كيلومترات قليلة من هذا المقهى، كانت هناك شاشات مضيئة فى مكاتب سرية فاخرة لا تنام.
مكاتب تدار فيها «الحرب الرقمية» لـ جبهة إسطنبول تحت الإشراف المباشر للقيادى محمود حسين.
هناك، لا وجود لكلمة «تصفير الميزانية»؛ فالأموال موجودة بكثافة، لكنها تذهب فقط لمن يخدم كرسى «المرشد الموازى»!
هذا التناقض الصارخ يعكس العقلية التى أدار بها الأكاديمى السابق فى هندسة أسيوط صعوده التنظيمى.
فالرجل الذى تدرج فى المناصب حتى خطف الأمانة العامة للجماعة عام 2010 خلفًا لمحمود عزت الذى أصبح نائبًا للمرشد بديع، لم يكن يرى فى التنظيم سوى شبكة نفوذ مالى وإدارى.
وعقب هروب القيادات الإخوانية إلى الخارج بعد عام 2013، تحول هذا النفوذ إلى معركة بقاء شرسة أدت إلى الانقسام الأكبر فى تاريخ الجماعة المعاصر، حيث نصب نفسه قائمًا بأعمال المرشد العام من خلال «مجلس شورى» موازٍ أنشأه خصيصًا فى إسطنبول لمواجهة خصومه فى جبهة لندن !!.
مركز قوى الإرهابية؟
تُعلمنا أدبيات علم الاجتماع السياسى والتنظيمى أن البنية الهرمية للمجموعات المغلقة غالبًا ما تخفى خلف قشرتها الرمزية سلطة موازية أكثر شراسة؛ وهى سلطة «الأوليغارشية البيروقراطية».
ففى مثل هذه التنظيمات المؤدلجة، لا تُدار الدفة دائمًا من قِبل المنظرين أو أصحاب المواقع الرمزية، بل تنتقل القوة الفعلية، حتمًا وبمرور الوقت، إلى يد من يقبض على مفاصل الإدارة اليومية، ويتحكم فى قنوات الاتصال السرية، ويحتكر إدارة الموارد المالية والتنظيمية.
إنها هندسة صامتة تحول الإدارى من مجرد «منفذ» إلى «صانع أمراء حرب» يملك القدرة على تصفية الخصوم وتصعيد الموالين بمجرد تحريك خيوط المنع والمنح.
ويقف القيادى الإخوانى محمود حسين كأبرز تجسيد حى لهذا التحول البنيوى داخل تنظيم الإخوان.
فمنذ صعوده إلى كواليس الإدارة التنفيذية، ووصوله إلى مقعد الأمين العام فى المنعطف الحرج لعام 2010 خلفًا لعرّاب التنظيم السرى محمود عزت، لم يكن حسين يمارس عملًا إداريًا روتينيًا، بل كان يعيد صياغة ما يمكن تسميته بــــ«الدولة القطبية» داخل الجماعة الإرهابية!
لقد استثمر موقعه الحركى فى صياغة شبكة اتصالات داخلية وخارجية معقدة، واحتكار الملفات التنظيمية الحساسة، مستعيضًا عن «الشرعية الفكرية» التى يفتقدها بـ«شرعية الأختام والمفاتيح والميزانيات».
هذا الاحتكار البيروقراطى هو الذى أتاح له لاحقًا، فى لحظات التشظى والشتات عقب عام 2013، أن يتحول من مجرد موظف بدرجة أمين عام، إلى قطب إخوانى عصى على الاقتلاع، يقود جبهة كاملة وينازع على القيادة المطلقة من مقر إقامته الفاخر فى إسطنبول.
هندسة الولاءات الصماء
لم يكن انتقال محمود حسين من أروقة كلية الهندسة بجامعة أسيوط إلى دهاليز التنظيم السرى مجرد تحول فى المسار المهنى، بل كان تطبيقًا عمليًا لظاهرة معقدة تتكرر فى بنية الحركات الراديكالية؛ وهى «إخضاع الجماعة لمنطق البيروقراطية الحديدية»
لقد نقل حسين منطق الخطوط المستقيمة، والقوالب الخرسانية الجامدة، الانضباط الحرفى للمخططات، ليعيد بها بناء الجدران التنظيمية الصماء للجماعة الإرهابية، حيث لا مكان للمرونة أو النقاش الفكرى، بل مجرد مربعات حركية تُنفذ الأوامر دون وعى.
هذه العقلية الصارمة هى التى مهدت له الطريق ليرث أخطر مقعد فى تاريخ الجماعة المعاصر؛ مقعد الأمانة العامة فى عام 2010، خلفًا لثعلب التنظيم السرى وعرّابه التاريخى محمود عزت رأس الأفعى.
لم تكن هذه الخلافة مجرد ملءٍ لفراغ إدارى بعد تصعيد عزت نائبًا للمرشد، بل كانت انتقالًا لجينات السيطرة.
فقد تسلّم حسين من سلفه مفاتيح الصندوق الأسود للتنظيم: شبكات التمويل العابرة للحدود، وقنوات الاتصال المشفرة، وملفات الولاءات والانشقاقات.
وفى أدبيات الجماعات المغلقة، يُعد منصب «الأمين العام» هو الحاكم الفعلى والقلب النابض للتنظيم، متجاوزًا بكثير حدود لقبه الرسمى المعبر عن البيروقراطية.
فالمرشد قد يملك «الشرعية الرمزية» والخطابة الجماهيرية، لكن الأمين العام هو من يمسك بـ«سلطة المنع والمنح الحركى»؛ فهو الذى يمتلك خريطة الانتشار الجغرافى للقطاعات، وهو الذى يمسك بسجلات التمويل، وهو الذى يوجه لجان التحقيق والإقصاء من الجماعة.
هذا التموضع هو الذى جعل من محمود حسين «الرجل الظل» الذى تجاوز نفوذه المرجعيات الفكرية كالقرضاوى، وهو السلاح ذاته الذى استخدمه لاحقًا فى المنفى لإعلان العصيان، وتأسيس «جبهة إسطنبول»، ومنازعة المجموعات الأخرى على إرث التنظيم المتهالك.
ولعل هذا ما التقطه مبكرًا محمد جمال هلال، الذى يدير حاليًا ما يُعرف بـ«مؤسسة مرسى للديمقراطية».
فعندما اشتعل الصراع بين الجبهات الإخوانية فى الخارج، كتب مقالًا بعنوان «رسالة إلى أبى محمود حسين»، لم يكن مجرد نصٍ فى لحظة خلاف، بل بدا وكأنه وثيقة ولاء سياسى تحمل تراتيل النفاق، حمل لغة احتفائية بمحمود حسين فى توقيت كانت فيه موازين القوى داخل التنظيم تعاد صياغتها.
ومع صعود نفوذ جبهة إسطنبول، بدأ اسم هلال يحجز لنفسه موقعًا أكثر حضورًا داخل دوائرها الإرهابية.
صراع أمراء الحرب
لم تكن تطورات عام 2013 وما تلاها مجرد هزة سياسية عابرة فى تاريخ جماعة الإخوان الإرهابية، بل كانت جراحة قاسية نزعت القناع عن وجه التنظيم وفككت بنيته العميقة إلى الأبد.
فمع سقوط التنظيم فى مصر وتناثر قياداته فى عواصم المنفى، واجهت الجماعة صدمة الشتات الحركي؛ حيث تحولت من مركزية القرار الإدارى الموحد إلى شظايا افتراضية معولمة مأزومة تبحث عن ملاذات آمنة، مما مهد لظاهرة «أمراء الحرب التنظيمية» الذين يتنافسون على قيادة الأشلاء المتبقية.
فى هذا الفضاء المشحون بالانكسار والارتباك، تبلور الانقسام الأعمق والأبشع فى تاريخ الجماعة المعاصر، متجسدًا فى حرب كسر العظام بين»جبهة إسطنبول» و«جبهة لندن»، ولم يكن هذا الانشطار مجرد تباين جغرافى بين عاصمتين، بل كان صراعًا بنيويًا شرسًا بين نمطين من السيطرة؛ حيث حاولت جبهة لندن الاحتفاظ بالامتداد الجغرافى والغطاء الدولى للتنظيم، فى حين قاد محمود حسين جبهة إسطنبول بمنطق «سلطة الأمر الواقع»، مستندًا إلى قبضته الحديدية على المفاصل المالية الحركية، والشركات العقارية، والاستحواذ على دفق التمويلات.
هنا، تحوّل الخلاف من صراع تقليدى على إدارة العمل اليومى أو الآليات التنفيذية، إلى أزمة وجودية مستعصية.
لقد خاض محمود حسين معركته بشراسة مستخدمًا «البيروقراطية الإجرائية الموازية»؛ حيث شكّل مجلس شورى صورى فى تركيا لينصّب نفسه قائمًا بأعمال المرشد العام، محولًا الصراع إلى تصفية حسابات مفتوحة حول أحقية اتخاذ القرار، واحتكار الموارد، وتأمين الأصول الاستثمارية فى الخارج إنها المعركة التى جردت الجماعة من آخر أقنعتها الدعوية، لتكشف عن بنية متآكلة تلتهم بعضها بعضًا من أجل البقاء الافتراضى وتأمين مصالح النخبة العجوزة على حساب أشلاء القواعد المغتربة المنهارة.
معركة «السراب الشرعى»
جاء رحيل إبراهيم منير ليمثل سقوطًا لآخر السدود التاريخية التى كانت تحافظ على ما تبقى من مظهر التماسك الشكلى للتنظيم الدولى، فاتحًا الباب على مصراعيه أمام مرحلة هى الأشد قتامة وبشاعة فى تاريخ الجماعة الإرهابية؛ وهى مرحلة «التفخيخ المتبادل».
فى هذه اللحظة الحرجة، سارع محمود حسين لإتمام تسلطه البيروقراطى، معلنًا نفسه قائمًا بأعمال المرشد العام عبر «مجلس شورى» مصطنع فى إسطنبول، وآخر وهمى فى مصر، وفى المقابل، اندفعت المجموعة المنافسة لاستدعاء صلاح عبد الحق كمحاولة بائسة لترميم الغطاء الروحى والتاريخى لجبهة لندن.
هذا التموضع لم يكن مجرد خلاف على من يقود، بل كان صدامًا حتميًا بين منطقين: «شرعية الخزينة وأموال الأمر الواقع»، التى يقبض عليها محمود حسين بيده الحديدية فى تركيا، مقابل «شرعية الرمز المتخيّل والماضى السحيق» التى حاولت جبهة لندن تسويقها عبر عبد الحق.
لقد أفرز هذا الصراع العارى أزمة بنيوية غير مسبوقة عصفت بأقدس أدبيات التنظيم السري؛ وهى «مركزية القرار وحتمية السمع والطاعة»، فلأول مرة فى تاريخ الإخوان، يقف العالم أمام «تنظيم برأسين»، تصدر فيه البيانات والقرارات والتعليقات بنفس الأختام والشعارات المتطابقة لكن بمضامين متناقضة تتبادل التخوين والإقصاء.
المقاصل الرقمية
كيف تحولت الترسانة الإعلامية لمحمود حسين إلى لجان للمرتزقة والشائعات؟
ولأن معارك الشتات لا بواكى لها على أرض الواقع، لم يتوقف صراع كسر العظام بين جبهات الإخوان عند حدود الهياكل المغلقة، بل انتقل بكامل ضراوته و- فُحشه - إلى الفضاء الافتراضى والمجال الرقمى، فيما يمكن تسميته بـ«خصخصة المقاصل الإعلامية».
فلم تعد الماكينة الإعلامية للتنظيم أداة لتسويق الأيديولوجيا المزعومة للخارج، بل تحولت فى يد محمود حسين وجبهته إلى سلاح هجومى حاد مخصص لتصفية رفاق الأمس، وإدارة حرب استنزاف نفسية تستهدف الوعى الجمعى لما تبقى من القواعد الحركية المتشظية.
وفى إطار هذه الحرب الافتراضية الشرسة، اندفع محمود حسين لضخ ميزانيات ضخمة مستقطعة من قوت الشباب المغتربين وأسر الخلايا الكامنة داخل مصر، لتأسيس منصات وكيانات رقمية مستحدثة، برز منها مؤخرًا منصة «رسوخ» ومبادرة «حصن» وخلف هذه الشعارات الرنانة لم تتشكل منابر للفكر، بل أقيمت «مصدات رقمية» وظيفتها الأساسية صناعة «وهم القوة» وتثبيت نفوذ حسين المتهاوى؛ حيث تدار هذه المنصات عبر جيوش من الكتائب الإلكترونية الممولة والحسابات الوهمية (البوتات) التى تمارس عملية غسيل عقول ممنهجة، لتقديم الشيخ العجوز بوصفه الامتداد الشرعى الأوحد للتنظيم.
إن هذه الترسانة الرقمية التى يقودها محمود حسين من خلف الستار، باتت تمارس دورًا تخريبيًا مزدوج الوجهة والهدف؛ فبينما تتولى جبهتها الداخلية شيطنة خصومه فى جبهة لندن وعزلهم تنظيميًا لتبرير احتكاره للأصول الاستثمارية والشركات تنطلق جبهتها الخارجية لمواصلة التحريض الممنهج ضد الدولة المصرية.
وتتخصص هذه اللجان والمبادرات المستحدثة فى هندسة الشائعات، والتشكيك فى المشروعات القومية والإصلاحات الاقتصادية، بل وصل بها الإسفاف الحركى إلى استخدام حساباتها لمهاجمة والتقليل من شأن أى إنجاز عام أو حتى رياضى يلتف حوله المصريون، فى محاولة بائسة لصناعة مناخ من الإحباط العام، ليعوض بها محمود حسين وجبهته عجزهم وفشلهم الحركى على أرض الواقع.
عصابة المرشد الموازى
تتجاوز تجربة محمود حسين حدود السيرة الذاتية لفرد بعينه، لتصبح بمثابة المختبر الفاضح الذى يكشف حتمية التآكل البنيوى داخل التنظيمات الراديكالية المؤدلجة عندما تواجه أزمات القيادة الوجودية وسقوط الأوهام.
فالحالة التى يمثلها حسين ليست مجرد انحراف حركى طارئ، بل هى النتيجة الحتمية لبنية شمولية طالما ادعت «الربانية»، وعند أول اصطدام حقيقى بعواصف الشتات ونزع الأرض، سقطت مساحيقها العقائدية لتتكشف عن «عصابة مصلحية براجماتية متوحشة».
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



