الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

الرأى والرأى الآخر لإثراء النقاش وبناء الوعى

3 ديسمبر هل سيكون البداية لإصلاح الإعلام؟

بوابة روز اليوسف

دعا الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى عقد اجتماع سنوى فى الثالث من ديسمبر، لإجراء حوار إعلامى موضوعى، يشمل الرأى والرأى الآخر.

 

أهمية الموضوع لا تبدأ من رغبة عابرة فى تحسين المشهد التليفزيونى، أو ملء ساعات البث بوجوه جديدة، بل من قراءة كواليس استراتيجية بالغة التأزم والتعقيد تشير إلى «الفجوة السردية» الخطيرة التى يتسلل منها المتربصون بالأمن القومى الإعلامى. الجمهور المصرى، بذكائه الفطرى وجيناته التراكمية، لا يشترى البضاعة المعلبة سابقة التجهيز؛ وعندما تغيب نبرة النقد والمراجعة البناءة من المساحات الوطنية الرسمية، تهاجر العقول جماعيًا إلى سراديب السوشيال ميديا، وفوضى «البودكاست» غير المنظم، لتصبح الخريطة الإدراكية للمواطن نهبًا لمافيا توجيه الوعى بالخارج.
 


المؤتمر القومى فى 3 ديسمبر إذن، ليس مجرد حشد بروتوكولى لالتقاط الصور والخطب الإنشائية، بل هو «غرفة إنعاش قصوى» لإعادة صياغة الميثاق المهنى، وبناء مناعة وطنية تتجاوز حدود التلقين التقليدى لتصل إلى عمق الوعى الجمعى. إنها محاولة لرد الاعتبار للجمهور الذى بات يرى فى تشابه العناوين والزوايا نوعًا من التخلى عن معاركه اليومية وأزماته المعيشية.
 


رصاصة «العميدة».. ماجى الحلوانى: أطفالنا بلا مناعة.. والحل فى الشارع السياسى!
 


فى قلب هذا الاشتباك الوجودى، وبصراحة قاطعة ترفض تجميل الواقع، تتدخل الأستاذة الدكتورة ماجى الحلوانى، عميدة كلية الإعلام الأسبق بجامعة القاهرة لتطلق رصاصة الحقيقة العارية. ففى تصريح خاص لـ «روزاليوسف»، شخصت العميدة الأزمة من جذورها، محذرة من استمرار الرهان على خرافة «تحصين الجمهور» فى عصر الفضاء المفتوح.
 


تقول الدكتورة ماجى فى تشخيصها القاطع: «لم يعد هناك شيء اسمه مناعة إعلامية بالمفهوم القديم؛ فالأطفال والشباب اليوم منفتحون تمامًا على شاشات السوشيال ميديا والبلوجرز، واختلط الحابل بالنابل، وأصبحوا يتعرضون لأفكار تفوق قدرات الكبار بكثير. لذلك، أنا أؤيد بقوة رؤية الرئيس بضرورة إتاحة الحرية، وتقديم الرأى والرأى الآخر للجمهور عبر القنوات الرسمية».
 


وتضع العميدة يدها على العصب العارى للأزمة، مؤكدة أن الحل لا يكمن فقط فى استوديوهات التليفزيون، بل فى «الشارع السياسى» نفسه، مضيفة: «الرئيس أشار بوضوح إلى دور الأحزاب.. فرغم وجودها، إلا أننا لا نشعر بتأثيرها الكامل فى الشارع. إن نزول الأحزاب واقترابها من الجماهير هو ما سيخلق حالة صحية من الرأى والرأى الآخر، خاصة أن المواطن اليوم بات يمتلك بدائل لا نهائية للبحث عن المعلومة عبر منصات التواصل، وكلما اتسعت مساحة الحرية المسئولة أمام عينه، كان ذلك أفضل لتحصين وعيه بدلًا من تركه للفضاء المجهول».
 


ورغم هذا التحذير شديد اللهجة، واصلت الدكتورة ماجى حديثها بالدفاع الشرس عن «القوة الناعمة المصرية» رافضة جلد الذات المهنى، لتؤكد أن القيادات الإعلامية العربية المؤثرة هى فى جذورها قيادات مصرية تخرجت من رحم كلية الإعلام، وأن برامج الـ «توك شو» المصرية (بأسماء بحجم عمرو أديب، لميس الحديدى، إسعاد يونس، ومنى الشاذلى) ما زالت تمتلك اليد الطولى والريادة التى تلتف حولها الجماهير العربية، مما يعنى أن «أدوات التأثير» ما زالت حية ونابضة، وتنتظر فقط مناخ التعددية الذى دعت إليه القيادة السياسية لتنفجر طاقاتها من جديد وتسترد العقل المصرى.
 


 حرب المعرفة: كيف تحول التلقين إلى ثغرة سيادية؟
 


يتشابك هذا التحليل الأكاديمى العميق مع الحسابات السيادية الصارمة؛ فالأمر يتعدى بكثير مجرد أزمة إيرادات مالية أو تراجع أرقام توزيع صحف ورقية. إن استمرار الإعلام بآلية النغمة المتطابقة يجعله هشًا تمامًا، وبلا دفاعات، أمام حروب الجيلين الرابع والخامس. هذه الحروب الحديثة لا تستهدف هدم المنشآت بحملات عسكرية، بل تستهدف «تفكيك اليقين الداخلى» وزرع الشك فى كل منجز. وحين يغيب الرأى والرأى الآخر من الشاشات الرسمية، يسود التوجس، وتتحول كل شائعة تافهة تُبث على الفضاء الرقمى إلى حقيقة مطلقة قادرة على استنزاف معنويات الشارع، وإثارة الفتن. لذلك، فإن الحوار الإعلامى الموضوعى ليس رفاهية سياسية، بل هو آلية «تفريغ ومناعة مجتمعية» تحمى جبهة الدولة الداخلية وقت التحولات الكبرى.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط