ندوة «الإسكندرية والدراما الإذاعية» تستعرض تاريخ الريادة ورسالة الفن الهادف
استعرضت ندوة «الإسكندرية والدراما الإذاعية» مسيرة إذاعة الإسكندرية ودورها الرائد في تأسيس وتطوير فن الدراما الإذاعية في مصر، وذلك من خلال شهادات وتجارب حية لعدد من رموز هذا الفن الذين أسهموا على مدار عقود في إثراء المشهد الثقافي والإبداعي السكندري.
في مستهل الندوة، أكد الإعلامي مجدي فكري، كبير مذيعي إذاعة الإسكندرية ومدير اللقاء، أن إذاعة الإسكندرية تمثل علامة فارقة في تاريخ الإعلام المصري، كونها أول إذاعة إقليمية تنطلق في مصر، حيث بدأ إرسالها في 26 يوليو عام 1954 بالتزامن مع الاحتفال بالعيد القومي للمحافظة. وأوضح أن الإذاعة لعبت دورًا محوريًا في اكتشاف وصقل المواهب، كما كانت من أوائل المنابر الإعلامية التي أولت اهتمامًا كبيرًا بالدراما الإذاعية وقدمت أعمالًا شكلت وجدان أجيال متعاقبة من المستمعين.
وتحدثت الفنانة الإذاعية القديرة الدكتورة يسرية أحمد عن محطات رحلتها مع إذاعة الإسكندرية، مشيرة إلى أن بدايتها جاءت في مرحلة الدراسة الثانوية عقب اكتشاف موهبتها الفنية خلال أحد الأنشطة المدرسية، قبل أن تنجح في اختبارات الإذاعة وتنطلق في تقديم العديد من الأعمال الدرامية بالتوازي مع مسيرتها المهنية في مجال الطب. وأكدت أن التمثيل الإذاعي يمتلك خصوصية كبيرة باعتباره فنًا يعتمد على الكلمة والصوت والخيال، لافتة إلى أن إذاعة الإسكندرية كانت مدرسة حقيقية وأكاديمية فنية خرجت أجيالًا من المبدعين وأسهمت في الارتقاء بالذائقة الثقافية والفنية للمجتمع.
من جانبها، استعرضت الدكتورة أشجان أبوجبل، أستاذ البيوتكنولوجي بكلية الزراعة جامعة الإسكندرية، تجربتها الممتدة مع الإذاعة، موضحة أن علاقتها بالميكروفون بدأت منذ سنوات الطفولة من خلال الغناء، قبل أن تتجه إلى التمثيل الإذاعي وتشارك في العديد من الأعمال التي حققت نجاحًا جماهيريًا. وأشادت بالدور الكبير الذي لعبه المخرج الراحل كمال عبد العزيز في دعم موهبتها وتوجيهها فنيًا، مؤكدة أنه كان صاحب فضل كبير في تشكيل ملامح تجربتها الفنية والإنسانية، كما أشارت إلى أن مسلسل «لم يكن حبًا» يعد من أبرز الأعمال التي تركت أثرًا خاصًا في مسيرتها.
وأكدت الدكتورة فيفيان محمود، كبير مخرجي إذاعة الإسكندرية، أن الدراما الإذاعية ما زالت تحتفظ بقيمتها الفنية رغم التطورات التكنولوجية المتلاحقة وتعدد المنصات الإعلامية، مشيرة إلى أنها قامت بتأليف وإخراج أكثر من 35 مسلسلًا إذاعيًا إلى جانب العديد من البرامج الدرامية والثقافية. وأضافت أن دراستها الأكاديمية بالمعهد العالي للسينما قسم الإخراج السينمائي شكلت قاعدة مهمة لانطلاقها في العمل الإذاعي، مؤكدة أن هذا الفن يحتاج إلى دراسة وخبرة ووعي بطبيعة الأداء الصوتي وبناء الصورة الذهنية لدى المستمع. كما أشادت بعدد من رموز الإذاعة الذين أسهموا في نقل خبراتهم للأجيال الجديدة، وفي مقدمتهم خالد منيب وعبد الحي شحاتة.
وفي سياق متصل، تناولت الدكتورة سوسن الشريف، الحاصلة على الدكتوراه في العلوم الاجتماعية بكلية التربية جامعة الإسكندرية، تجربتها في تأليف كتاب «هنا الإسكندرية» الذي يوثق تاريخ الدراما الإذاعية وروادها. وأوضحت أن اهتمامها بتوثيق هذا التراث انطلق من إيمانها بالدور المؤثر للدراما في تشكيل الوعي الإنساني، خاصة أنها تمارس العلاج النفسي وتستخدم الدراما كأحد الوسائل المساندة في العملية العلاجية. وأكدت أن الدراما التي قدمتها إذاعة الإسكندرية تميزت بالتنوع والثراء، حيث تناولت قضايا اجتماعية ونفسية ووطنية وسياسية، ونجحت في تقديم رسائل تثقيفية وتنويرية حافظت على حضورها وتأثيرها عبر الأجيال.
وشهدت الندوة تفاعلًا ملحوظًا من الحضور، حيث دارت مناقشات موسعة حول أهمية الحفاظ على التراث الإذاعي السكندري وتوثيق تجاربه الرائدة، باعتباره جزءًا أصيلًا من الذاكرة الثقافية المصرية، فيما أجمع المشاركون على أن الدراما الإذاعية ستظل أحد أهم الفنون القادرة على مخاطبة العقل والوجدان، مهما تغيرت أدوات الاتصال ووسائل الإعلام.



