الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

تحلية مياه البحر في مصر.. رهان استراتيجي لتعزيز الأمن المائي حتى 2050

محطة تحلية لمياه
محطة تحلية لمياه البحر

في مواجهة التحديات المتزايدة التي يشهدها قطاع المياه، تتجه مصر إلى توسيع الاعتماد على تحلية مياه البحر باعتبارها أحد أهم الحلول غير التقليدية لتأمين احتياجاتها المائية، خاصة مع النمو السكاني المتسارع، وتراجع نصيب الفرد من المياه، والتوسع العمراني على السواحل. ولم تعد محطات التحلية مجرد مشروعات خدمية للمناطق النائية، بل أصبحت ركيزة أساسية في خطط الدولة لتحقيق الأمن المائي ودعم التنمية المستدامة.


طفرة في إنشاء محطات التحلية


شهدت السنوات الأخيرة توسعًا غير مسبوق في إنشاء محطات تحلية مياه البحر، حيث ارتفع عدد المحطات العاملة إلى نحو "129 محطة" بإجمالي طاقة إنتاجية تقترب من "1.4 مليون متر مكعب يوميًا"، مقارنة بعدد محدود من المحطات قبل عام 2014، وفق بيانات مجلس الوزراء. كما يجري تنفيذ "19 محطة جديدة" ضمن الخطة الاستراتيجية لتحلية مياه البحر الممتدة حتى عام 2050.


ويأتي هذا التوسع استجابة للتغيرات التي شهدتها الخريطة العمرانية المصرية، خاصة مع إنشاء مدن ساحلية جديدة مثل "العلمين الجديدة، والجلالة، والمنصورة الجديدة، وشرق بورسعيد، والعين السخنة"، والتي تعتمد بدرجات متفاوتة على المياه المحلاة كمصدر رئيسي لمياه الشرب.

استراتيجية حتى عام 2050
تستهدف الاستراتيجية الوطنية لتحلية مياه البحر، التي تنفذ على مراحل خمسية حتى عام 2050، رفع الطاقة الإنتاجية إلى نحو "9 ملايين متر مكعب يوميًا"، مع التركيز على المحافظات الساحلية المطلة على البحرين المتوسط والأحمر، ومنها الإسكندرية، ومطروح، والبحر الأحمر، وجنوب سيناء، وشمال سيناء.
ويأتي ذلك في ظل انخفاض نصيب الفرد من المياه في مصر إلى أقل من "1000 متر مكعب سنويًا"، وهو الحد الذي يُعرف عالميًا بخط الفقر المائي، ما يجعل تنويع مصادر المياه ضرورة استراتيجية لمواكبة احتياجات التنمية والسكان.

كيف تعمل محطات التحلية؟
تعتمد غالبية محطات التحلية في مصر على تقنية "التناضح العكسي Reverse Osmosis" "، وهي التقنية الأكثر استخدامًا عالميًا لكفاءتها في خفض استهلاك الطاقة مقارنة بوسائل التحلية الحرارية التقليدية.
وتبدأ العملية بسحب مياه البحر عبر مآخذ مخصصة، ثم تمر المياه بمراحل معالجة أولية لإزالة الشوائب والرواسب والكائنات الدقيقة، قبل ضخها تحت ضغط مرتفع عبر أغشية شبه منفذة تسمح بمرور الماء وتمنع الأملاح والمعادن الذائبة. وبعد ذلك تُعاد معالجة المياه بإضافة بعض العناصر المعدنية، ثم تُضخ إلى شبكات التوزيع لتصبح صالحة للاستخدام الآدمي.

محطات عملاقة تدعم التنمية
تضم مصر عددًا من أكبر محطات التحلية في المنطقة، من أبرزها محطات "شرق بورسعيد، والجلالة، والعلمين الجديدة، والعين السخنة، والمنصورة الجديدة"، إلى جانب عشرات المحطات الأخرى المنتشرة في محافظات البحر الأحمر وجنوب سيناء وشمال سيناء ومطروح والإسكندرية.


وتؤدي هذه المحطات دورًا محوريًا في دعم خطط التنمية العمرانية، وتوفير المياه للمجتمعات الجديدة، فضلًا عن تعزيز قدرة الدولة على جذب الاستثمارات السياحية والصناعية من خلال توفير مصدر مستدام وآمن للمياه.

مكاسب وتحديات
تشير الدراسات العلمية إلى أن محطات التحلية المصرية تحقق مستويات جيدة من جودة المياه المنتجة، إلا أن التوسع في هذا القطاع يتطلب مواصلة تطوير كفاءة استهلاك الطاقة، وتحسين أساليب التعامل مع الرجيع الملحي للحد من آثاره البيئية على المناطق الساحلية.


كما تؤكد أبحاث منشورة في دوريات علمية متخصصة أن تحلية مياه البحر أصبحت أحد المحاور الرئيسية للتكيف مع تغير المناخ ومواجهة الضغوط المتزايدة على الموارد المائية، خاصة في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ركيزة لمستقبل الأمن المائي
مع استمرار محدودية الموارد المائية التقليدية واعتماد مصر بصورة رئيسية على مياه نهر النيل، تمثل تحلية مياه البحر أحد أهم الخيارات الاستراتيجية التي تراهن عليها الدولة لتأمين احتياجاتها المستقبلية من المياه. ويعكس التوسع المستمر في إنشاء المحطات توجهًا واضحًا نحو بناء منظومة مائية أكثر تنوعًا واستدامة، تدعم خطط التنمية العمرانية والاقتصادية، وتواكب أهداف رؤية مصر 2030 واستراتيجية إدارة الموارد المائية حتى عام 2050.
 

 

تم نسخ الرابط