الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

يروي أحد كبار أساتذة جامعة القاهرة أنه حينما كان معارا لإحدى الجامعات اليابانية منذ حوالي 20 عاما، طلب منه التوجه للشؤون المالية لصرف أول راتب له. فوجئ الرجل بمبلغ كبير لم يكن يتوقع تقاضي نصفه! وقبل أن يتحرك بسيارته متجها إلى حيث يقيم بالعاصمة طوكيو، عاد مرة أخرى للإدارة المالية للفت أنظارهم لخطأ ربما يكون قد حدث أثناء عد المبلغ!!

قيل له: أنت بدرجة أستاذ بروفيسور، وبالتالي فإن راتبك أعلى من راتب رئيس الوزراء!! انصرف من مكانه وهو يضرب كفا بكف ويتذكر تلك الجنيهات التي كان يتقاضاها كل شهر من عمله بجامعة القاهرة، ولم تكن تتعدى الأربعة آلاف جنيه بالتمام والكمال!!

 

هذا بالنسبة لليابان، أما في ألمانيا، فقد احتجت بعض الفئات، من بينهم أطباء ومهندسون وقضاة وغيرهم، وتوجهوا بسؤال للمستشارة أنجيلا ميركل عن أسباب تحيز الدولة لفئة أساتذة الجامعات وعلو رواتبهم مقارنة بباقي الفئات، فما كان من المستشارة أنجيلا ميركل إلا أن ردت بجملة واحدة: هؤلاء الذين علموكم وأصحاب الفضل عليكم، فلا تقارنوا أنفسكم بهم.

 

أما في مصر، فقد كان أستاذ الجامعة يعيش في رغد من العيش، سواء في العهد الملكي، أو في عهد ثورة يوليو، وحتى مابعد صدور قانون تنظيم الجامعات في عهد الرئيس أنور السادات أواخر عام ١٩٧٢.

كان الجنيه المصري حتى ذلك الوقت يعادل تلاثة دولارات، وكان راتب عضو هيئة التدريس، رغم ضآلته، يكفيه لأن يعيش في رغد من العيش. والآن بعد مرور ٥٤ عاما على صدور ذلك القانون، فلا تزال معظم مواده قائمة! ولا يتسع المقام للحديث عن المقابل المادي الهزيل الذي يتقاضاه أساتذة الجامعات في تصحيح المئات من كراسات الإجابة، ولا تلك الجنيهات التي يتقاضاها عضو هيئة التدريس نظير مناقشة رسالة ماجستير أو رسالة دكتوراه، رغم إشرافه على تلك الرسالة لما يقرب من عامين أو ثلاثة وربما أربعة! ثم سهر الليالي لتصحيحها وضبط مصطلحاتها وتوجيه الباحث لمناهج البحث العلمي السليم. عملية شاقة لا يدركها إلا أساتذة الجامعات الذين يعيشون في حالة مادية صعبة. ويكاد ما يتقاضاه عضو هيئة التدريس بأي جامعة مصرية حكومية لا يكفي لسد احتياجاته واحتياجات أسرته لأكثر من عشرة أيام كل شهر.

أما إذا قارنا بين ما يتقاضاه أستاذ الجامعة بأقل موظف، بل بأقل عامل في أي بنك أو شركة بترول أو جهات أخرى معروفة بالاسم، فستضرب كفا بكف حينما تعرف أن أستاذ الجامعة، مربي الأجيال، يقطن في الدرك الأسفل من سلم رواتب بعض المؤسسات العامة والخاصة في الدولة!!

 

مطلوب من أستاذ الجامعة أن يرتدي أفخر وأجمل الثياب وهو وسط طلابه. مطلوب منه أيضا أن يمتلك سيارة تنقله من مسكنه إلى جامعته بدلا من تلك الحالة المزرية التي نراها في بعض مواقف السيارات، حيث يضطر كثير من الأساتذة لركوب المواصلات بطريقة مهينة، وسط نظرات بعض طلابهم الذين يشفقون على أساتذتهم ولا يكادون يصدقون أن بعض هؤلاء الأساتذة يعيشون تحت خط الفقر!!

أما الأخطر من ذلك، فهو ما وصل إليه حال بعض الأساتذة المتفرغين الذين تعدوا الستين عاما؛ إذ يعجز بعضهم، لظروف صحية، عن الاستمرار في ممارسة مهنة التدريس، وهي مهنة شاقة، فيضطرون لقضاء احتياجاتهم واحتياجات أسرهم من ذلك المعاش الهزيل الذي لا يتعدى أحيانا ألفين أو ثلاثة آلاف جنيه!! وهؤلاء الأساتذة قد يكونون مصابين بأمراض تتطلب علاجا شهريا بآلاف الجنيهات.

 

إن الحديث عن أوضاع أساتذة الجامعات، لا يتسع له مقال أو عدة مقالات، بل يحتاج تحركا جادا من الدولة لإنصافهم. وقد سعدنا بتصريح الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء بتشكيل لجنة لبحث تلك القضية وتقديم تقرير لسيادته بمقترحات عملية لحل أزمة رواتب أساتذة الجامعات.

كما أنه من الواجب الإشادة بالسادة أعضاء مجلس النواب الذين تبنوا هذه القضية سواء داخل البرلمان أو في وسائل الإعلام.

ونحن على ثقة من أن الدولة لن تبخل على أساتذة الجامعات بأن يحيوا حياة اجتماعية كريمة، بإجراء تعديلات جذرية في قانون تنظيم الجامعات الذي مضى عليه أكثر من نصف قرن، أو إصدار قانون عصري جديد ينصف هذه الفئة التي تحتل مكانة مرموقة في جميع دول العالم.

 

أستاذ الصحافة بجامعة بنها

تم نسخ الرابط