هو الآن فى تقديرى « ناظر مَدرسة المشاغبين».. كبير فنانى الكاريكاتير فى مصر، ذلك الفن الذى يتنفس حرية، يعيش عليها ويُبشر بها، ويختصر بخطوطه وكلماته القليلة عشرات المعانى والأحوال والمواقف الظاهرة والباطنة ويطلقها رصاصة واحدة لا تخطئ هدفَها أبدًا ما دام القنًاصُ ماهرًا.
ورغم أننى و«عمرو سليم» من جيل واحد، ورغم اختلاف أدوارنا ومساراتنا فى الصحافة التى عشنا فيها ولها حياتنا؛ فقد تعلمتُ من شخصيته وفنه (دون أن يقصد) الكثيرَ عنها.
تعلمت أن الكلمات كالرسوم الكاريكاتورية إن لم يكن صاحبها حرًا من داخله؛ ستأتيك بطيئة ثقيلة الظل عاجزة عن الوصول والتأثير، وأن الحروف كالخطوط إن لم تكن ذكية فغباؤها وبلادتها ستخنقك، وأن نفاقك (كتابةً أو رسمًا أو قولاً) سيفضحك مَهما حاولت مداراته خلف «مهارة الصنعة».
تعلمت أن التفاصيل الصغيرة هى «رؤوس الكبارى» التى يجب أن تحدّد مواقعها وتنشئها بدقة وتتمسك بها؛ لتستطيع أن تطوّر هجومك أو تحصّن دفاعاتك فى أى معركة رأى تخوضها، وأن «المبالغة» التى هى روح الكاريكاتير والكتابة الساخرة «حِرفة» وليست تطرُّفًا ولا استعراضًا أجوفَ، ولا يستخدمها جاهل وإلا تحوّلت إلى سلاح فاسد يرتد إليك ويصيب رأيَك فى مقتل.
تعلمتُ منه أيضًا أنه إذا أُغلقت أمامك أبواب أو ضاقت عليك أرض؛ ارحل إلى أرض أخرى دون أن تصرخ بشعارات أو تدَعى بطولة، ولكن لا تصمت.. ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.
«عمرو سليم» هو أحد أنبغ أبناء مَدرسة «روزاليوسف» بالقَطع، وأحد القليلين جدًا الذين يحملون جيناتها كاملة، لم يترك منها شيئًا فى التمرد والروح الحرة والعناد والسهولة الممتنعة ، وحتى فى «الصعلكة» واعتبار الشارع هو مَقر «الحُكم الصحفى»، والفقر الحقيقى هو أن تمتلك مالاً فقط.
هو أحد أخلص أبناء «روزاليوسف» أيضًا، يَغير عليها ويغضب ويحزن من أجلها ومنها، يغادرها ويعود إليها لكنه لا ينساها ولا يتخلى عنها ولا يخذلها أبدًا، يرفع عَلمها ويضع بصمتها فى كل أرض صحفية يدخلها، ولا يستطيع أن يعيش من دونها.
«عمرو سليم» أيضًا هو الوريث الشرعى الأول لأساطير فن الكاريكاتير فى «روزاليوسف» مَن عاصرهم ومَن لم يعاصرهم، وقد حافَظ على التركة وعلى الوصية وعلى الميثاق غير المكتوب بينهم؛ بألاّ يتركوها تسير وحيدة أبدًا، وأن الجزء الأهم والأكثر قيمة فى مشروعك الشخصى أن يظل لها حواريون يدركون هويتها ويؤمنون برسالتها ويبشرون بها، وإنك كما كنت تلميذًا لأساتذة لا بُدَّ أن يكون لك تلاميذ لا تبخل عليهم بسِرّ الحياة وسِرّ البقاء والتوهج.. وهو يفعل ذلك دائمًا وباستمرار قابضًا على الموهبة والتفاؤل والجرأة، ربما فى أصعب ظروف تمر بها الصحافة المصرية.
أعرف «عمرو سليم» منذ بداياتنا الأولى فى «روزاليوسف»، ذلك المَوطن العبقرى الساحر.. تقاسمنا معًا الخبز والحرية وغرفة المكتب الصغيرة فى الدور السادس، عشنا معًا أيامًا وليالى مليئة بالأمل وبالعمل فى صالة التحرير وعلى المقاهى وفى الشوارع، واصطدنا أحلامًا صدّقناها فحققناها وسط جيل ذاق طعم الصحافة وقيمتها وتأثيرها، وعرف معنى الطموح والنجاح والمسئولية.
لم يتغير أبدًا.. لا يزال فى عينى ذلك الشاب الطيب المرح الخجول الذى يجلس إلى مكتبه لساعات طويلة عيناه لا تفارقان أوراقه، وقلم الرسم لا يفارق يده.. يرسم كثيرًا ويتكلم قليلاً، لكنه يراقب (لا أعرف كيف) كل ما يدور حوله، فإذا تحدَّث توقدت الكلمات ذكاءً وشاعت البهجة وأضاءت الحقيقة.
أردتُ أن أكتب عنه لأننى رأيت مصادفة حسابًا لمعجبيه على Facebook ينشر رسومه، وعندما تصفحته تأكدت أن الصحافة كما أعرفها وأحبها لا تزال حية.
.. وستبقى.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



