الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

تفتح صندوق الذكريات وتروى كواليس الغياب والمشوار

صفية العمرى: أعيش فى سلام نفسى

بوابة روز اليوسف

رغم ابتعادها عن الشاشة خلال السنوات الأخيرة؛ فلا تزال الفنانة الكبيرة «صفية العمرى» تحتفظ بمكانة خاصة فى قلوب جمهورها، وهو ما يتجدد مع كل شائعة تنتشر عنها، لتتحول مواقع التواصل الاجتماعى إلى موجة من المَحبة والدعاء والحنين إلى أعمالها.


وفى هذا الحوار، تتحدث «صفية العمرى» عن سر هذا الحب، وأسباب رفضها العودة إلى الشاشة إلا بشروطها، ورأيها فى الدراما المعاصرة، وكواليس العمل مع كبار المبدعين، كما تفتح قلبَها للحديث عن الأمومة، والعمل العام، وتجربتها الإنسانية كسفيرة للنوايا الحسنة.
 


فى كل مرّة تنشر شائعة عنك، نكتشف أن مكانتك عند الجمهور ما زالت كما هى.. كيف تفسرين هذا الحب الذى لم يتغير رغم قلة الظهور؟
 


- أومن أن الله يكافئ الفنانَ الذى يحترم جمهوره ويمنحه أفضل ما لديه، وطوال مشوارى كنت حريصة على تقديم أعمال تُسعد الناس وتُدخل البهجة إلى بيوتهم، ولذلك أعتقد أن هذا الحب هو ثمرة سنوات طويلة من الصدق والاجتهاد، فالجمهور لم يحبنى من فراغ؛ وإنما لأننى كنت حريصة على أن أكون جديرة باحترامه، وأن أقدّم أعمالًا تليق به، وما يسعدنى أن هذه الأعمال لا تزال تُعرَض حتى اليوم على مختلف القنوات الفضائية، وما زالت تجد مَن يشاهدها ويستمتع بها، وهذا هو الإرث الحقيقى الذى يتركه الفنانُ بعد رحيله.
 


 ما العمل الذى يمكن أن يقنعك بالعودة إلى الشاشة بعد سنوات الغياب؟
 


- كل الأعمال التى قدمتها كانت لها بصمة واضحة، ولذلك لا يمكن أن أعود إلا إذا كان الدور نفسه مؤثرًا، والعمل بأكمله متكاملًا، ويحمل رسالة وقضية تستحق أن تُقدم، أما أن أشارك فى عمل لمجرد الحضور؛ فهذا أمرٌ لا يمكن أن أقبله، وأعتقد أن الفنان عندما تُعرَض عليه أدوارٌ أقل من تاريخه؛ يصيبه الإحباط، ويفقد جزءًا من شغفه، فكلما تقدم الفنان فى العمر؛ ازداد نضجًا، واتسعت خبرته، وأصبح أكثر حرصًا على ما يقدمه، والحقيقة كل ما يُعرض علىّ يصيبنى بالإحباط، لذلك أفضّل أن أحافظ على الصورة التى رسمها الجمهور لى، بدلًا من أن أقدم عملًا لا يليق بتاريخى.
 


 تعاونتِ مع جيل استثنائى من الكتّاب على رأسهم «أسامة أنور عكاشة، ووحيد حامد، ومحسن زايد» كيف كان هذا الجيل يصنع دراما ما زالت تعيش حتى اليوم؟
 


- هذا هو جيل العمالقة الذى لم يكن يكتب دراما فقط؛ وإنما كان يقدم أدبًا حقيقيًا، وكل كاتب من هؤلاء كان يمتلك بصمته وأسلوبه الخاص، والأهم من ذلك أن كل أعمالهم كانت تحمل قضية حقيقية، تهم المجتمع، وللأسف، لا أرى اليومَ هذا النوع من الأعمال بسبب انتشار ورش الكتابة؛ حيث يكتب العمل الواحد أكثر من شخص، بينما كان الكاتب فى الماضى يمتلك رؤية كاملة للعمل من بدايته إلى نهايته، ولا أنكر أن هناك بعض الكتّاب المتميزين حاليًا، لكنهم يظلون قِلة.
 


 من بين كل المؤلفين الذين تعاونتِ معهم، مَن كان الأكثر فهمًا لصفية العمرى كممثلة، والأقدر على كتابة شخصيات اكتشفت مناطق جديدة فى موهبتك؟
 


- «أسامة أنور عكاشة» فعل ذلك، وأستطيع أن أقول إن (ليالى الحلمية) كانت التجربة الأهم بالنسبة لى على امتداد أجزائه، فشخصية «نازك السلحدار» لم تكن ثابتة؛ بل كانت تتغير مع الزمن، فانتقلت من مرحلة الشباب إلى الكهولة، ومرت بتحولات نفسية واجتماعية عديدة، وهذا مَنحنى فرصة حقيقية لتقديم شخصية ثرية ومتجددة.
 


 جمعتك تجربتان مع المُخرج الكبير صلاح أبو سيف فى (البداية) و(المواطن مصرى).. ما الذى كان يميز طريقته فى إدارة الممثل؟
 


- أعتبر «صلاح أبوسيف» من أعظم المخرجين الذين عملت معهم، وأكثر ما كان يلفت انتباهى هدوؤه الشديد، فلم يكن من المخرجين الذين يرفعون أصواتهم فى موقع التصوير، ولم يكن يلجأ إلى الانفعال أو الصراخ، وإذا أراد أن يوجّه ملاحظة إلى أحد الممثلين؛ كان يقترب منه ويهمس بها فى أذنه، فيمنحه الثقة ويشجعه على تقديم أفضل ما لديه، وهذه الطريقة الراقية كانت تدفع الممثل إلى العمل وهو سعيد ومطمئن، ومقتنع بما يقدمه، ولذلك كانت التجربة معه ممتعة وإنسانية قبل أن تكون تجربة فنية.
 


 قدمتِ مع يوسف شاهين (المهاجر) و(المصير) ودائمًا ما يقال إن «يوسف شاهين» كان يستخرج من الممثل مناطق لم يكن يعرفها فى نفسه.. هل شعرتِ بذلك خلال العمل معه؟
 


- «يوسف شاهين» كان يؤمن بأن التمثيل يبدأ من الإحساس قبل الكلام، وكان يطلب من الممثل أن يعيش الكلمة أولًا، وأن يُعبر عنها بعينيه قبل أن ينطق بها، كان يرى أن العينين تستطيعان أن تقولا ما لا تستطيع الكلمات أن تقوله، وكانت تلك مَدرسة مختلفة تمامًا عن غيرها، وفى الحقيقة؛ كل مُخرج عملت معه أضاف لى شيئًا مختلفًا، وكل تجربة خرجت منها بخبرة جديدة.
 


 بعد رحلة فنية امتدت لعقود.. هل لا تزال هناك شخصيات تحلمين بتجسيدها؟
 


- أتمنى تقديم شخصيات نسائية عظيمة من تاريخنا، سواء من التاريخ القديم أو الحديث؛ لأن لدينا نماذج تستحق أن تُروَى سيرتها للأجيال الجديدة، فلدينا وزيرات، وطبيبات، ومحاميات، وسيدات قدَّمن للوطن الكثير، ومع ذلك لم يحصلن على ما يستحققنه من الاهتمام الفنى، كما أتمنى تقديم النماذج الإنسانية البسيطة، مثل الأم التى تحمل طفلها كل يوم لتذهب به إلى العلاج، أو تلك التى تحرم نفسها من لقمة العيش حتى توفر لأبنائها حياة كريمة، أو تلك التى تضحى بحياتها وتجلس فى الشارع لتبيع الخضار من أجل أن يدخل أبناؤها الجامعة، هذه الشخصيات فى رأيى أكثر أهمية من كثير من القصص التى تُقدم اليوم والتى تركز على الجرائم والعنف فى المجتمع.
 


على ذِكْر الأم المضحية اخترتِ أن لا تتزوجى مرة أخرى، ووضعتِ مصلحة ولدَيكِ قبل حياتك الشخصية، وهو قرار تتخذه كثير من الأمهات المصريات.. عندما تنظرين إلى هذا القرار اليوم، هل تشعرين أنه كان قرارًا صحيحًا؟
 


- بالفعل لم أكرّر تجربة الزواج لأننى لم يكن بإمكانى أن أضمن أن الرجل الذى سيدخل حياتى سيتعامل مع أبنائى بالطريقة التى أتمناها، أو يمنحهم الأمانَ الذى كنت أحرص عليه؛ خصوصًا أنهما ولدان، وعندما يكون لدى المرأة أبناء ذكور؛ يكون الأمر أكثر حساسية؛ لأنهم يرتبطون بأمهاتهم ارتباطًا شديدًا، لذلك لم يكن من الممكن بالنسبة لى أن أدخل رجلًا غريبًا إلى حياتهما، وهما فى تلك المرحلة العمرية، والحقيقة أننى لم أفكر يومًا فى أن أضع مصلحتى الشخصية قبل مصلحة أولادى، ولم يكن ذلك بدافع التضحية فقط؛ وإنما عن قناعة تامة، ومع مرور الوقت؛ ازدادت هذه القناعة رسوخًا؛ خصوصًا أن الإنسان عندما يمر بتجربة لم تُكلل بالنجاح؛ يصبح أكثر حذرًا من تكرارها، لهذا لم أشعر يومًا أننى خسرت شيئًا، وعشت حياتى فى سلام مع نفسى، وصنعت سعادتى بالطريقة التى تناسبنى.
 


 بعيدًا عن الفن.. كيف صنعت «صفية العمرى» سعادتها؟
 


- ربما تكون تجربتى فى العمل العام والخدمة المجتمعية هى أكثر ما أعتز به بعد الفن؛ بل ربما منحتنى سعادة لا تقل عن سعادتى بالتمثيل، فقد كنت أول فنانة مصرية تختارها الأمم المتحدة كسفيرة للنوايا الحسنة، وكنت أشعر أننى أقدّم شيئًا حقيقيًا للناس، وأرى أثره بعينى، فقد جبت محافظات مصر كلها، وقدمت عشرات الندوات وحملات التوعية، وتحدثت عن التربية، والعلاقة بين الآباء والأبناء، ومخاطر التدخين، ومرض الإيدز، والصحة الإنجابية، والزيادة السكانية، وحماية الأطفال، وزرت الجامعات، والمناطق الأكثر احتياجًا، ومنها منشية ناصر، كما ذهبت إلى الصعيد وأسوان للمشاركة فى حملات توعية وكل هذه التجارب كانت تمنحنى إحساسًا بأننى أؤدى رسالة حقيقية تجاه المجتمع، وللعِلم لم يكن اختيار الأمم المتحدة لى من فراغ؛ فأنا أهوى العمل العام، وكنت فى شبابى أشارك فى العديد من الأنشطة الخيرية، وأدعم كبار السّن، وأشارك فى حملات التوعية، كما شاركت فى جمع التبرعات عقب زلزال 1992، وكنا نزور المستشفيات ونقيم حفلات خيرية من خلال جمعية فنانى الجيزة، بمشاركة عدد كبير من الفنانين.
 


 أعلم أنكِ حريصة على توجيه كلمات دعم وإشادة ببعض الفنانين الشباب، وأحيانًا تبادرين بالاتصال بهم، أو إرسال رسائل لهم بعد أى عمل جيد يقدمونه.. هل ترين أن الفنان الكبير عليه مسئولية فى تشجيع الأجيال الجديدة؟
 


- أنا أحب أن أشجع كل موهبة حقيقية، وعندما أشاهد عملًا يعجبنى؛ لا أتردد فى التعبير عن إعجابى أو إرسال رسالة لصاحبه، لكن ما يحزننى أن بعض الفنانين الشباب لا يردون حتى على رسائل التشجيع، وربما يكون ذلك بسبب طبيعة هذا الزمن، أو لانشغالهم، ولا أستطيع أن أحكم على نواياهم، ومع ذلك؛ سأظل أومن أن تشجيع المواهب واجب على الفنان الكبير؛ لأن الكلمة الطيبة قد تمنح الفنان الشاب دفعة كبيرة فى مشواره.
 


 كيف تتمنين أن يتذكرك الجمهور بعد كل هذا المشوار؟
 


- أتمنى أن يتذكرنى الناسُ باعتبارى فنانة أعطت فنها بإخلاص، وضحّت من أجله كثيرًا، فلم تكن المادة يومًا هدفى، ولم أفكر فى الأجر بقدر ما كنت أفكر فى قيمة العمل الذى أقدمه، وفى الشخصية التى ستبقى فى ذاكرة الناس، ولهذا كنت أنفق أموالى على ملابس واكسسوارات الشخصيات، وما زلت أحتفظ حتى اليوم بملابس واكسسوارات معظم الشخصيات التى قدمتها، ومنها ملابس (ليالى الحلمية) و(هوانم جاردن ستى) وغيرهما من الأعمال؛ لأنها بالنسبة لى ليست مجرد مقتنيات؛ وإنما جزءٌ من تاريخى الفنى.
 


 على ذكر المقتنيات؛ أُقيم لك معرض فى جدة وحقق نجاحًا كبيرًا.. ألا تتمنين أن يشاهد الجمهور المصرى هذا الإرث أيضًا من خلال معرض يُقام فى القاهرة؟
 


- بالتأكيد أتمنى ذلك، وقد تلقيت أكثر من عرض لإقامة معارض أخرى، لكننى أتمنى أن يشاهد الجمهور المصرى هذه المقتنيات أولًا، وإذا وجدت مؤسَّسة ثقافية محترمة تتبنى الفكرة وتنظمها بالشكل اللائق؛ فلن يكون لدىّ أى مانع؛ بل سأكون سعيدة بأن يرى الناس رحلة عمر كاملة احتفظتُ بكل تفاصيلها حبًا فى الفن واحترامًا لتاريخى.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط