مسلسلات «الدقائق القصيرة» تدخل المنافسة وتعيد رسم الخريطة «الميكرودراما» هل تغير من صناعة الدراما؟
فى الوقت الذى نجحت فيه مسلسلات الـ10 حلقات فى فرض نفسها على الساحة الدرامية، وارتبط بها الجمهور باعتبارها بديلًا أكثر تكثيفًا للدراما الطويلة، تستعد الساحة الفنية لاستقبال موجة جديدة هى «الميكرودراما»، التى تعتمد على تقديم حلقات لا تتجاوز دقائق معدودة، وبشكل مختلف سواء من ناحية المحتوى أو طريقة العرض والتصوير.
(روز اليوسف) ذهبت إلى كواليس تصوير أحد أعمال الميكرودراما، والتقت بعدد من صناعها وأبطالها للحديث عن طبيعة هذه التجربة، ومدى قدرتها على منافسة الدراما التقليدية، وهل تمثل مجرد موضة عابرة أم اتجاهًا فنيًا جديدًا؟
تكثيف الأحداث
فى البداية، قال المخرج ومدير التصوير «تامر جوزيف» إن الميكرودراما ظهرت فى مصر قبل نحو عامين، بينما تعد الصين وكوريا من أبرز الدول التى سبقت فى تقديم هذا النوع من الأعمال، متوقعًا أن تصبح مصر أول دولة عربية تتبنى هذا الشكل الدرامى وتقدمه على نطاق واسع.
وأوضح أنه كان من أوائل من خاضوا التجربة فى مصر، لما توفره من متعة للمشاهد من خلال عمل درامى مكثف لا تتجاوز مدة حلقته دقيقتين، وهو ما يسعى إلى تقديمه فى مسلسل (طيف نور) الذى يجرى تصويره هذه الأيام، وأضاف أن صناعة الميكرودراما ليست سهلة، إذ تعتمد على تكثيف الأحداث وسرعة الإيقاع وجودة الصورة، متوقعًا أن تشهد انتشارًا واسعًا خلال السنوات المقبلة لتصبح منافسًا حقيقيًا للدراما الطويلة.
فرصة لاكتشاف المواهب
ويرى المؤلف «ميشيل منير» أن الميكرودراما ليست «موضة»، بل استجابة طبيعية لتغير عادات المشاهدة، مشيرًا إلى أن شركات الإنتاج أصبحت تميل إلى تقليص مدة الحلقات، فى ظل تراجع قدرة الجمهور على متابعة أعمال تمتد إلى 30 حلقة.
وأكد أن كتابة الميكرودراما أصعب من كتابة الدراما التقليدية، لأن الكاتب مطالب بتقديم قصة ورسالة كاملة فى دقائق قليلة، مع الحفاظ على التشويق ودفع المشاهد لمتابعة الحلقات حتى النهاية.
من جانبه، قال المنتج «محمد هشام عامر» الذى ينتج حاليًا ثالث أعماله من هذا النوع، إن البعض يظن أن الميكرودراما سهلة التنفيذ، بينما الواقع يؤكد أنها تتطلب جهدًا مضاعفًا، نظرًا لكثافة عدد المشاهد التى يتم تصويرها يوميًا، رغم إنجاز العمل فى فترة زمنية قصيرة.
وأضاف أن هذا النوع من الدراما يمثل فرصة حقيقية لاكتشاف المواهب الشابة فى مجالات الكتابة والإخراج والتصوير والتمثيل، كما يتيح عودة عدد من الفنانين إلى الشاشة، مشيرًا إلى أن مسلسل «طيف نور» يشهد عودة الفنان «شادى خفاجة» بعد فترة من الغياب.
عودة بعد غياب
وأكد «شادى خفاجة» أنه كان مترددًا فى البداية بشأن خوض التجربة، إلا أن جلسات العمل مع فريق المسلسل، ثم أول يوم تصوير، غيرت نظرته تمامًا، وجعلته يشعر بأنه يشارك فى عمل يقدم تجربة مختلفة تحترم عقل المشاهد، وأضاف أن الميكرودراما ستسهم فى إعادة عدد من المواهب الغائبة إلى الساحة، إلى جانب اكتشاف وجوه جديدة.
ويتفق معه الفنان «محمود متولى» الذى يرى أن الحكم النهائى سيظل بيد الجمهور، لكنه يعتقد أن حالة التشبع من الدراما الطويلة ستمنح الميكرودراما فرصة كبيرة للانتشار، مؤكدًا أنها تمثل تطورًا طبيعيًا فى صناعة الدراما، تمامًا كما تطورت الأغنية من ساعة كاملة إلى دقائق معدودة
وأضاف أن الميكرودراما يمكن أن تقدم بديلًا أكثر احترافية للمحتوى التمثيلى القصير المنتشر عبر منصات التواصل الاجتماعى، وسيواجه مشاهير «تيك توك»، الذين يقدمون مشاهد لا تتناسب مع قيم الأسرة المصرية فى كثير من الأحيان، إذ تعتمد الميكرودراما على نصوص مكتوبة وإخراج وتمثيل احترافى، وليس فقط على عدد المتابعين.
تغير سلوك المشاهد
من جانبها، ترى الناقدة الفنية «عبير عبد الوهاب» أن الميكرودراما ليست مجرد موجة مؤقتة، وإنما أحد التحولات الطبيعية التى تشهدها سوق الدراما عالميًا، فى ظل تغير سلوك المشاهد الذى أصبح يستهلك المحتوى عبر الهاتف المحمول أكثر من التلفزيون، وأصبح الوقت عنصرًا حاسمًا فى اختياراته.
وأوضحت أن هذا لا يعنى أنها ستكون بديلًا للدراما التقليدية، فهناك اختلاف جوهرى بين قصة تُروى فى ثلاث أو خمس دقائق، وأخرى تمتد عبر عشرات الحلقات، بما يسمح ببناء الشخصيات وتطورها، بينما تعتمد الميكرودراما على التكثيف والسرعة والمفاجأة.
وأكدت أن نجاح هذا النوع لا يرتبط بقصر مدة الحلقة، بل بجودة الكتابة، لأن الكاتب مطالب بجذب المشاهد منذ اللحظة الأولى، والحفاظ على الإيقاع، وإنهاء الحلقة بصورة تدفعه لمتابعة ما بعدها، وهو ما يتطلب مهارات مختلفة عن كتابة الدراما التقليدية.
وأضافت أن انخفاض تكلفة الإنتاج يمنح شركات الإنتاج مساحة أكبر للتجريب واكتشاف مواهب جديدة، لكنه قد يؤدى أيضًا إلى ظهور أعمال ضعيفة إذا لم تحظ بالاهتمام الكافى على مستوى النص والإخراج.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن السنوات المقبلة ستشهد تعايشًا بين الدراما التقليدية والميكرودراما، فلكل منهما جمهوره وطبيعته، مشيرة إلى أن الميكرودراما ليست «تريند» عابرًا، بل اتجاه إنتاجى وفنى مرشح للاستمرار والتطور، دون أن يلغى مكانة الدراما الطويلة، ليبقى الفيصل فى النهاية هو جودة المحتوى، وليس مدة الحلقة.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



