الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

74 عامًا.. مصر بين ثورتين

معارك «يوليو» الممتدة

بوابة روز اليوسف

لم تنتهِ ثورة الثالث والعشرين من يوليو يوم غادَر الملك فاروق مصر على «متن المحروسة»، ولم تُختزل فى قوانين الإصلاح الزراعى أو تأميم قناة السويس أو بناء السد العالى... فالثورات الكبرى لا تُقاس ببياناتها الأولى؛ وإنما بالمعارك التى تفتحها، وبالأسئلة التى تظل مطروحة لعقود بعد اندلاعها.
 


لقد دشنت ثورة يوليو مشروعًا للدولة الوطنية المصرية، مشروعًا تجاوز إسقاط نظام سياسى إلى إعادة تعريف معنى الدولة ذاتها.. مَن يملك قرارها؟ ومَن يرسم هويتها؟ والأهم كيف تُصان مؤسَّساتها من الضغوط الداخلية والتدخلات الخارجية؟ 


 يناير 2001 رحم 30 يونيو
 


وكانت هذه الأسئلة، فى جوهرها، هى المعركة الحقيقية التى خاضتها مصر منذ منتصف القرن العشرين.. وبعد أكثر من ستة عقود؛ وجدت الدولة نفسَها أمام أسئلة مختلفة فى ظاهرها، لكنها متقاربة فى مضمونها..  فقد دخلت مصر بعد أحداث يناير 2011 مرحلة انتقالية معقدة، تصاعدت خلالها الخلافات السياسية، وتبدلت موازين القوى، وبرزت رؤى متباينة حول شكل الدولة وطبيعة الحكم ومستقبل المؤسّسات. 
 


وفى هذا السياق؛ جاءت أحداث 30 يونيو 2013، التى مثلت نقطة تحول كبرى فى المشهد السياسى، وأعادت فتح النقاش حول قضايا الدولة والشرعية والهوية ودَور المؤسّسات فى إدارة لحظات التحول... ولذلك؛ فإن الربط بين يوليو و30 يونيو لا ينبغى أن يقوم على فكرة التماثل بين الحدثين، ولا على إسقاط ظروف زمن على آخر؛ وإنما على قراءة تاريخية تبحث فى الخيط الممتد بينهما.. ذلك الخيط الذى يتمثل فى سؤال الدولة الوطنية المصرية، وكيف تعاملت مع تحدياتها المتعاقبة، وكيف سعت فى كل مرحلة إلى الحفاظ على تماسُك مؤسّساتها فى مواجهة أزمات داخلية وإقليمية ودولية. 
 


ومن هذه الزاوية تحديدًا؛ تبدو ثورة يوليو أقل شبهًا بحدث سياسى انتهى، وأكثر شبهًا بمشروع تاريخى ظل يتعرض لاختبارات متلاحقة.. فالتاريخ لا يعيد نفسَه، لكنه يعيد طرح الأسئلة ذاتها بأدوات جديدة، وفى كل مرة يكون على الدولة أن تقدم إجابة مختلفة تناسب زمنَها.
 


فحين تُقاس الثورات بنتائجها فقط؛ تضيع نصف الحقيقة.. فالثورات ليست مجرد لحظة يخرج فيها الناس إلى الشوارع أو يتحرك فيها الجيش لتغيير نظام حكم؛ وإنما هى بداية لمسار طويل من الصراع حول شكل الدولة، وهوية المجتمع، وطبيعة العلاقة بين السلطة والشعب؛ بل وحول تعريف الوطن نفسه.
 


ولعل التجربة المصرية تقدم واحدة من أكثر التجارب ثراءً فى هذا السياق... فعلى امتداد أكثر من ستة عقود، بين الثورتين؛ واجهت الدولة المصرية تحديات متباينة فى ظروف مختلفة، لكن السؤال الذى ظل حاضرًا فى كل مرحلة كان واحدًا: كيف يمكن الحفاظ على الدولة الوطنية فى لحظات التحول الكبرى؟
 


فالتاريخ لا يتحرك فى خطوط مستقيمة، ولا تنتهى معاركه بانتهاء لحظة الثورة؛ بل إن ما يبدأ فى لحظة معينة قد تمتد آثاره لعقود، لتتغير الوجوه والظروف بينما تبقى الأسئلة الجوهرية قائمة: كيف تُصان مؤسّسات الدولة؟ وكيف تُدار الخلافات السياسية دون أن تتحول إلى تهديد لكيان الدولة ذاته؟ وما حدود التغيير الذى يمكن أن تتحمله المجتمعات دون أن تفقد تماسُكها؟
 


بهذا المعنى؛ تبدو ثورتا يوليو و30 يونيو حدثين ينتميان إلى زمنين مختلفين، لكنهما يطرحان قضايا متقاربة تتعلق بالدولة والسيادة والهوية الوطنية، وهى قضايا لا تزال محل دراسة ونقاش بين الباحثين والمؤرخين حتى اليوم.
 


 شهر يوليو دفاعًا عن الهوية
 


والحقيقة؛ لم تكن ثورة 23 يوليو عام 1952 وليدة الصدفة؛ بل كانت نتيجة حتمية لاجتماع جملة من العوامل القاسية فى ظل احتلال بريطانى جثم على صدر البلاد لـ74 عامًا.. أيضًا ثورة 30 يونيو وبيان 3 يوليو 2013 كانا نتيجة حتمية للدفاع عن وطن تم اختطافه لمدة عام من جماعة الإخوان، وإنقاذًا لهوية تعرضت لأقصى درجات الضغط للتغير نحو الأسوأ.
 


وفى الثورتين تصدى الجيش المصرى للأمر.. واستمرت المعارك من يوليو 1952 إلى يوليو 2013.. الدفاع عن الهوية الوطنية، وإنقاذها من براثن الإنجليز وفساد القصر زمان.. ومن الإخوان الآن تلك الجماعة التى سارعت لتشويه الهوية بعد قفزها على المشهد فى أعقاب أحداث 25 يناير 2011.
 


ورغم أن أكثر من ستة عقود تفصل بين الحدثين؛ فإن قراءة متأنية للتاريخ تكشف أن كثيرًا من القضايا التى واجهتها الدولة المصرية لم تكن منفصلة؛ بل امتدت بأشكال مختلفة عبر الزمن. 
 


فمن معركة التخلص من الاحتلال وبناء الدولة الوطنية بعد يوليو 1952، إلى مواجهة تحديات الاستقرار والحفاظ على مؤسّسات الدولة فى أعقاب أحداث عام 2011 وصولًا إلى 30 يونيو 2013؛ ظل السؤال ذاته حاضرًا؛ كيف تحافظ مصر؟ 
 


وتتجدد الأسئلة حول معنى الدولة الوطنية، ودَور المؤسّسات، وإرادة المجتمع فى لحظات التغيير؛ لتظل التجربة المصرية واحدة من أكثر التجارب السياسية ثراءً وتعقيدًا فى المنطقة العربية.
 


وبحسب الدكتور عاصم الدسوقى..المؤرخ الكبير وأستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بكلية الآداب جامعة حلوان.. ففى صباح 23 يوليو تم استدعاء حسن العشماوى إلى مقر قيادة الثورة فى كوبرى القبة، وطلب منه أن يصدر المُرشد العام بيانًا بتأييد الثورة، لكن المُرشد بقى بالإسكندرية فى مصيفه ولم يحضر القاهرة إلاّ بعد مغادرة الملك البلاد، وأصدر بيانًا مقتضبًا، طلب بعده أن يقابل أحد رجال الثورة، فقابله عبدالناصر فى منزل صالح أبو رقيق، وفى اللقاء طلب المرشد تطبيق أحكام القرآن.
 


فقال ناصر: إن الثورة قامت حربًا على الظلم الاجتماعى والاستبداد السياسى، وهى بذلك ليست إلا تطبيقًا لتعاليم القرآن. فانتقل المرشد إلى مشروع الإصلاح الزراعى وكان مطروحًا للمناقشة فى الصحف، وقال إن رأيه أن يكون الحد الأقصى للمِلكية الزراعية 500 فدان، فرد عبدالناصر بأن مجلس قيادة الثورة مصمم على الـ 200 فدان كحد أقصى. 
 


وهنا انتقل المرشد إلى نقطة أخرى، يبدو أنها بيت القصيد من اللقاء؛ إذ اشترط لتأييد الثورة أن يعرض الضباط على الجماعة أى قرار قبل أن يصدر، فما كان من عبدالناصر إلا أن قال: إن الثورة قامت دون وصاية ولا تقبل بحال أن توضع تحت وصاية أحد. فكان هذا اللقاء بداية تجمع السُّحُب السوداء فى أفق العلاقة بين الطرفين.
 


ولمّا تقرّر أن يؤلف محمد نجيب الوزارة فى 7 سبتمبر 1952 بعد استقالة على ماهر لعدم موافقته على الإصلاح الزراعى، تقرّر رغم الموقف السابق إشراك جماعة الإخوان فى الوزارة بثلاثة أعضاء.  غير أن الجماعة اختلفت فيما بينها حول الترشيح، وتردّدت بعض أسماء مثل أحمد حسنى وكيل وزارة العدل، ومحمد كمال الديب محافظ الإسكندرية (ترشيح المرشد شخصيًا)، ومنير الدلة وحسن العشماوى (ترشيح مكتب الإرشاد)، غير أن مجلس قيادة الثورة اختار الشيخ الباقورى، فأقدَم المرشد العام على فصله من الجماعة، فازدادت النار تحت الرماد.
 


وعندما ألغيت الأحزاب السياسية (17 يناير 1953) تم استثناء جماعة الإخوان، ربما لأنها لم تكن حزبًا سياسيًا برلمانيًا بالمعنى المصطلح عليه فى مصر منذ دستور 1923، وربما اكتسابًا لشعبيتهم. وفى اليوم التالى طلب صلاح شادى (ضابط شرطة إخوانى) ومنير الدلة من جمال عبدالناصر إشراك الإخوان فى الوزارة أو تكوين لجنة إخوانية تعرض عليها القوانين قبل صدورها، وهو نفس العرض الذى سبق أن قدمه المرشد قبل ذلك، فرفض جمال مرة أخرى لذات السبب.
 


 الوصايا وصلاحيات موسعة
 


فكرة الوصاية نفسها التى حاول مرشد الجماعة فرضها على رجال ثورة يوليو من خلال عرض كل القرارات عليها قبل إعلانها.. تجددت بشكل واضح فى فترة حكم الإخوان.. فبعد إعلان فوز محمد مرسى بالانتخابات الرئاسية فى يونيو 2012، دخلت الجماعة مرحلة الحكم المباشر عبر حزب الحرية والعدالة- الذراع السياسية لها- ورغم أن هذا الانتقال مَثّل تحولاً كبيرًا فى تاريخ الحركة؛ فإن طبيعة التنظيم القائم على البنية الدعوية والهرمية ظلت محل نقاش؛ خصوصًا فيما يتعلق بطريقة اتخاذ القرار ومدى استقلال الحزب السياسى عن التنظيم.
 


ومن أبرز الوقائع التى عكست تصاعد الجدل السياسى؛ الإعلان الدستورى الصادر فى 22 نوفمبر 2012، والذى منح مرسى صلاحيات موسعة وحصّن قراراته من الطعن القضائى لفترة مؤقتة، مما أدى إلى وقوع مواجهات بين مؤيدين ومعارضين أسفرت عن سقوط قتلى ومصابين وفق تقارير إعلامية وحقوقية، ما عمّق الانقسام داخل الشارع المصرى.
 


كما شهدت الجمعية التأسيسية لوضع الدستور عام 2012 أزمة سياسية حادة؛ حيث انسحب عدد من ممثلى الكنيسة المصرية وأحزاب ليبرالية ويسارية اعتراضًا على سياسة الجماعة الإرهابية فى تشكيل هذه الجمعية، وفى عام 2013، تصاعدت حالة الاحتجاجات الشعبية بشكل ملحوظ، وبدأ المصريون يجمعون توقيعات لسَحب الثقة من مرسى، ما ساهم فى خَلق ضغط سياسى وشعبى واسع، ودفع إلى تظاهرات 30 يونيو 2013 التى شهدت خروج حشود كبيرة فى القاهرة وعدد من المحافظات طالبت بإنهاء حكم الإخوان وإجراء انتخابات مبكرة.
 


وإذا كانت ثورة يوليو قد خاضت معركة تأميم القناة وبناء السد العالى ليكون شريان الحياة الزراعية والصناعية لمصر؛ فإن ثورة يونيو حققت إعجازًا موازيًا تمَثل فى مشروع قناة السويس الجديدة، وتأسيس شبكة طرق ومواصلات عملاقة، وبناء جيل جديد من المدشن الذكية وفى مقدمتها العاصمة الإدارية الجديدة ومدينة العلمين الجديدة.
 


 إعادة صياغة العدالة
 


وإذا كانت يوليو ترجمت العدالة الاجتماعية بقوانين الإصلاح الزراعى ومجانية التعليم؛ فإن «الجمهورية الجديدة» أعادت صياغة هذه العدالة عبر مشاريع قومية وإنسانية غير مسبوقة مثل مبادرة «حياة كريمة» لتطوير الريف المصرى، والقضاء تمامًا على العشوائيات الخطرة وتوفير سكن كريم لملايين البسطاء، فضلًا عن منظومة التأمين الصحى الشامل ومبادرة «100 مليون صحة».
 


بعد ثورة 1952 دبرت «جماعة الإخوان»  محاولة اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر فى 26 أكتوبر من عام 1954، ولكنها نفت علاقتها بمحاولة الاغتيال فى اليوم التالى، ومسحت يدها من الجريمة رغم ثبوت كل الدلائل التى تؤكد علاقتها بالتخطيط والتنفيذ، وهو ما أثبت قدرتها على تزييف التاريخ فى وضح النهار.
 


وبعد ثورة 30 يونيو 2013.. جرت عدة محاولات لاستهداف الرئيس السيسي منها مرّتان مؤكدتان تم القبض فيهما على مجموعات إرهابية خططت وكانت فى طريقها للتنفيذ وتمّت إحالة أعضاء الخليتين الإرهابيتين للمحاكمة.
 


وفى عام 2017 أعلنت رئاسة الجمهورية رسميًا إحباط محاولة اغتيال كبرَى كان يخطط لها تنظيم إرهابى، وفى أعوام لاحقة، أكد الرئيس السيسي نفسُه فى أكثر من مناسبة أنه تعرّض لتهديدات ومحاولات استهداف، لكنه أكد أن الله حماه وأن الأمن المصرى يقظ دائمًا.
 


الخلاصة؛ ربما تختلف التقييمات السياسية حول كثير من أحداث التاريخ المصرى الحديث، وربما تتعدد زوايا النظر إلى ثورتىّ 23 يوليو و30 يونيو؛ لكن الثابت أن كلتيهما تمثلان محطتين أساسيتين فى تطور الدولة المصرية الحديثة.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط