الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

من «والله وعملوها الرجالة» إلى «wonderwall» الإنجليزية

«بلاى ليست» المونديال.. تصنع هوية المنتخبات فى كأس العالم 2026

بوابة روز اليوسف

خلف صخب التشجيع وهتافات الجماهير فى كأس العالم 2026، تختبئ هندسة صوتية دقيقة ليست وليدة الصدفة. فهل تساءلت يومًا لماذا تتردد أغنية «Wonderwall» تحديدًا بعد انتصارات المنتخب الإنجليزى؟ ولماذا تحولت مقطوعات كلاسيكية مثل «Freed from Desire» إلى «تميمة حظ» عابرة للقارات فى ملاعب كرة القدم؟ الإجابة تتجاوز مجرد ذائقة موسيقية، بل هى نتاج تخطيط مسبق يشارك فيه «فيفا» مع الاتحادات الوطنية المشاركة، لاختيار أكثر من 750 أغنية مُعدة خصيصًا لكل لحظة داخل الملعب فيما يمكن اعتباره «بلاى ليست» المونديال.


تم تصميم هذه القوائم الموسيقية لتكون بمثابة الهوية السمعية لكل منتخب؛ إذ يخصص الفريق المسئول عن الترفيه أغنية محددة للإعلان عن التشكيلة، وأخرى لتحفيز اللاعبين أثناء الإحماء، وثالثة تُذاع فى الأرجاء بمجرد اهتزاز الشباك. ومع ختام كل مباراة، تتحول الأغنية المخصصة للفائز إلى «نشيد انتصار» تشارك فيه الجماهير، مما يحول المدرجات إلى منصة ثقافية عالمية تعكس تنوع الدول الـ 48 المشاركة فى نسخة هذا العام.
 


«ذاكرة الجمهور» 
 


يرى أندرو لون، المؤلف البريطانى لكتاب «تاريخ هتافات كرة القدم»، أن سر بقاء هذه الأغانى يكمن فى «الارتباط العاطفى». فوفقًا للون، الأغنية الناجحة فى الملاعب هى التى تمنح الجماهير شعورًا بالألفة والبهجة، وتكتسب قوتها من ربط اللحظة التاريخية (كالفوز أو تسجيل هدف حاسم) بكلماتها؛ حيث يترسخ ذلك الرابط فى الذاكرة الجمعية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك أغنية «Sweet Caroline» لنيل دايموند، التى اكتسبت زخمًا عاطفيًا مضاعفًا لدى المشجعين الإنجليز فى مرحلة ما بعد جائحة كوفيد-19، حيث لامست كلماتها حاجة الناس لاستعادة الحياة الطبيعية.
 


«بصمة مصرية تهز مدرجات المونديال»
 


لم تعد لحظة تسجيل الهدف فى مونديال 2026 مجرد فرحة عابرة، بل أصبحت «عرضًا موسيقيًا» بامتياز، خاصة حينما يتعلق الأمر بمنتخب الفراعنة الذى اختارت له الفيفا أغنية «والله وعملوها الرجالة» للمطرب حمادة هلال لتكون الاحتفالات بالأهداف على أنغامها. ولم يكن اختيار هذه الأغنية عشوائيًا، بل كان ثمرة تنسيق دقيق يهدف لفرض الهوية المصرية وجعل الجماهير جزءًا لا يتجزأ من ملحمة كروية يتحدث فيها «الإيقاع» لغة الحماس. فهى أغنية ارتبطت بالفعل بانتصارات المنتخب المصرى فى بطولات أخرى وبالتالى تعتبرها جماهير الكرة المصرية أغنية كروية بامتياز وتحمل ذكريات الفوز والنجاح. 
 


وفى آخر محطات المنتخب المصرى فى المونديال عقب مباراته مع الأرجنتين احتفت الجماهير المصرية بلاعبى المنتخب الوطنى هاتفين «ارفع رأسك فوق أنت مصرى». بينما احتفلت الجماهير المصرية فى المدرجات بفوز المنتخب المصرى على منتخب أستراليا على إيقاع أغنية «ايه اليوم الحلو دة» للمطرب أحمد سعد التى عبروا من خلالها عن سعادتهم بوصول المنتخل إلى دور الـ16.
 


النرويج
 


وعلى الجانب الآخر، وفى مشهد يغلب عليه الطابع التراثى المهيب، خطف المنتخب النرويجى وجماهيره الأنظار بطقس «نغمة التجديف» (Rowing Chant). فخارج إطار الأغانى المسجلة، يجلس المشجعون فى صفوف متراصة ويؤدون حركات إيقاعية جماعية تشبه تجديف قوارب الفايكنج التاريخية، مما يخلق طاقة مهيبة داخل الملعب معبرة عن اعتزازهم بالتاريخ البحرى للنرويج.
 


وقد أصبح هذا الطقس جزءًا أصيلًا من «قائمة الترفيه» الخاصة بالمباريات التى يشارك فيها المنتخب النرويجى، حيث يحرص فريق الترفيه فى «فيفا» على دمج الإيقاعات النقرية لهذه الأهازيج مع النظام الصوتى للملعب، لضمان وصول صوت «التجديف» النرويجى إلى كل ركن فى المدرجات، محوِّلةً لحظات التشجيع إلى عرض بصرى وسمعى لا يُنسى.
 


 الأرجنتين
 


 وتتنوع الخيارات بين الموروث الثقافى والنزعة التجارية؛ ففى الوقت الذى اختارت فيه الأرجنتين أغنية «El Matador» لترافق إحماء لاعبيها، قد يغيب عن البعض أن خلف إيقاعات الريجى الراقصة رسائل سياسية واجتماعية عميقة تروى قصصًا عن الحقبة الديكتاتورية فى أمريكا اللاتينية. 
 


 غانا
 


وبالمثل، اتجهت غانا نحو الحداثة بأسلوب لافت عبر اختيارها لأغنية «Kakalika»؛ وهى مقطوعة موسيقية مبتكرة تمزج بذكاء بين اللغات المحلية الغانية والإيقاعات العالمية. وتعتمد هذه الأغنية على طابع موسيقى سريع وحماسى يهدف إلى شحن طاقة اللاعبين، مما يجعلها تعبيرًا حيويًا عن الهوية الغانية المعاصرة التى تسعى للظهور بثوب عالمى أمام جماهير المونديال.
 


 المكسيك
 


بينما اختارت المكسيك العودة لجذورها العريقة كجزء من طقوس احتفالها، حيث وقع الاختيار على مقطوعات كلاسيكية تؤديها فرقة «مارياتشى فارجاس» الشهيرة. هذا الاختيار الموسيقى ليس مجرد ترفيه، بل هو استحضار للتراث المكسيكى الأصيل؛ فبمجرد تسجيل الأهداف، تتردد نغمات «المارياتشى» المميزة التى تضفى طابعًا احتفاليًا دافئًا يربط الجماهير الحاضرة فى الملاعب بتقاليد وطنهم العريقة.
 


 كوريا الجنوبية
 


فى حين فضل الكوريون الجنوبيون الاحتفاء بالثقافة المعاصرة والانتشار الواسع لبلادهم عبر موسيقى «K-Pop» العالمية. وتعتمد هذه القائمة على أغانٍ ذات إيقاعات راقصة وحيوية تخاطب الشباب وتتوافق مع الصخب الجماهيرى فى المدرجات، لتصبح بمثابة «رسالة ثقافية» تعكس التطور الفنى لكوريا الجنوبية، وتجعل من كل لحظة فوز للمنتخب فرصة للاحتفال على وقع موسيقى باتت تسيطر على منصات الاستماع العالمية.
 


 فرنسا
 


وتستمر الرحلة الموسيقية مع فرنسا التى اختارت صخب موسيقى «Daft Punk» الإلكترونية، والتى أصبحت مرتبطة بقوة بلحظات تألق المنتخب، وخاصة عند أهداف النجم كيليان مبابي. وتتميز هذه المقطوعات بإيقاعاتها القوية والمثيرة التى ترفع من وتيرة حماس المدرجات، مما يعزز صورة المنتخب الفرنسى كقوة كروية تمتزج فيها المهارة الفنية بالأصالة الموسيقية العصرية التى تميز فرنسا عالميًا.
 


 أستراليا
 


بينما تتمسك أستراليا بهويتها الوطنية عبر كلاسيكيتها الشهيرة «Down Under»؛ فهذه الأغنية التى تعد بمثابة نشيد غير رسمى للبلاد، تحمل فى طياتها حنينًا للأرض وروحًا جماعية قوية. إن اختيار هذه المقطوعة فى الملاعب ليس مجرد استحضار للماضى، بل هو وسيلة فعالة لتوحيد الجماهير الأسترالية فى الخارج، حيث تتردد كلماتها المألوفة كرسالة صمود وفخر بالانتماء، مما يضفى أجواءً دافئة ومميزة على مشاركتهم المونديالية.
 


 بلجيكا
 


فى حين ترفع بلجيكا وتيرة الحماس بنشيدها الراقص «Pump Up the Jam»؛ وهى الأغنية التى اخترقت الحدود لتصبح أيقونة فى الملاعب الأوروبية. يعتمد البلجيكيون على هذا النمط الموسيقى المفعم بالطاقة والسرعة لإشعال حماسة اللاعبين والجماهير على حد سواء، حيث تساهم الإيقاعات الصاخبة لهذه الأغنية فى خلق حالة من التوتر الإيجابى والتفاعل السريع مع أحداث المباراة، مما يبرز الروح التنافسية لمنتخب «الشياطين الحمر».
 


 «موسيقى بصناعة الجماهير»
 


فى كثير من الأحيان، يفرض الميدان قوانينه الخاصة، حيث تتطور قوائم التشغيل استجابة لتفاعل الجماهير. فبعد الفوز الكبير لإنجلترا على كرواتيا، أصبحت «Wonderwall» لفرقة «Oasis» جزءًا لا يتجزأ من هويتها فى البطولة، حتى إن القائد هارى كين وصف تلك اللحظة بأنها جسر فريد ربط بين اللاعبين والجماهير، حيث غنى الجميع بكلمة واحدة فى مشهد استثنائى يعزز من قوة الروح الوطنية.
 


وعلى العكس تمامًا، تبحث بعض الجماهير عن هوية غنائية بديلة؛ إذ اعتمد مشجعو الولايات المتحدة الأمريكية أغنية «Take Me Home, Country Roads» لجون دنفر، فى محاولة للهروب من تكرار الهتافات التقليدية التى اتُهمت بالافتقار للإبداع.
 


إلا أن النقاد الفنيون بوسائل الإعلام الأمريكية يعتبرون أن ثقافة كرة القدم فى الولايات المتحدة لا تزال فى مرحلة التشكل، والاعتماد على أغنية دنفر قد يكون «متكلفًا» حاليًا نظرًا لكونه تجربة حديثة العهد، لكن إذا ما صمد هذا التقليد واستمرت الجماهير فى غنائه لثلاثة عقود قادمة، فسيتحول حينها من مجرد «محاكاة» إلى جزء أصيل لا يتجزأ من التراث الكروى الأمريكى، وفقًا لـ«نيويورك بوست» الأمريكية.
 


 «طقوس البهجة»    
 


ولا يمكن لأى أغنية أن تحجز مقعدًا لها فى قائمة «فيفا» ما لم تمتلك جاذبية عالمية وقدرة على توحيد المشاعر، وهو ما نراه فى حضور أغانٍ أيقونية مثل «Seven Nation Army» و»Thunderstruck». هذه المقطوعات لم تعد مجرد أغانٍ، بل تحولت إلى لغة مشتركة تتجاوز الحدود، لدرجة أن بعضها استقر فى الملاعب الرياضية لأكثر من عقد كامل، محققة رواجًا واسعًا يتخطى الثقافات المحلية لتصبح جزءًا لا يتجزأ من طقوس البطولة.
 


 الألبوم الرسمى «مزيج ثقافى عالمى» 
 


ويشهد مونديال 2026 تحولًا جذريًا فى المشهد الموسيقى، حيث انتقل «فيفا» من الاعتماد على أغنية واحدة للبطولة إلى إطلاق ألبوم رسمى ضخم يتضمن 18 أغنية، ليصبح هذا الألبوم هو الأضخم فى تاريخ نهائيات كأس العالم على الإطلاق. ولأول مرة، تعاون «فيفا» مع نخبة من النجوم العالميين لإنتاج ألبوم يعكس روح الدول الثلاث المستضيفة (أمريكا، المكسيك، وكندا)، مع دمج إيقاعات متنوعة من مختلف القارات.
 


من أبرز أعمال الألبوم: أغنية «Dai Dai»، وهى النشيد الرسمى للبطولة وتجمع بين أسطورة المونديال «شاكيرا» ونجم الأفروبيتس «بيرنا بوى». كما يبرز تعاون «Goals» الذى يجمع «ليسا» و«أنيتا» و«ريما»، وأغنية «Game Time» التى أداها «فيوتشر» و»تايلا»، بالإضافة إلى «Lighter» التى تعد جسرًا ثقافيًا بين موسيقى الريف الأمريكى والموسيقى المكسيكية.
 


ويعتمد «فيفا» أيضًا على «اللمسة المحلية» عبر إصدار 16 نسخة «ريمكس» للأغنية الرئيسية، بحيث يقدم كل نسخة فنان يمثل واحدة من المدن الـ16 المستضيفة، مما يضفى صبغة محلية على كل مباراة ويضمن وجود بصمة موسيقية خاصة بكل ملعب.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط