سبق القول بأنَّ حديثَنا عن «مشروع قانون الأسرة» الماثل بين يدى أعضاء البرلمان يهدف إلى تحصين المجتمع بالوعى الذى يحميه من الاختطاف الفكرى المغرض باسْم الدِّين البرىء من كل المتاجرين به.
وقسَّمنا الحديثَ عن هذا المشروع إلى سبعة أقسام، وهى: محتوياته، والملاحَظات العامة عليه، ونتائج تلك الملاحظات، وإيجابياته، وسلبياته، ومزايداته التى ترضى هوَى الإسلام السياسى، والثَّقافة الجديدة التى ألجأتنا إليها ضرورة الحضارة وحوارها المجتمعى.. وتكلمنا عن خمسة أقسام منها، واليوم نواصل الحديثَ عن المزايدات التى ارتبطت بمشروع القانون، إلى جانب ضرورة الحوار المجتمعى بشأن القانون.
سادسًا: مزايدات مشروع قانون الأسرة التى تُرضى هوى الإسلام السياسى
تزيَّد مشروع قانون الأسرة بتغييرات وإضافات ليس لها داعية فى بناء الأسرة وحمايتها من التَّفكُّك، وقد تكون تلك المزايدات عيبًا فنيًّا لصياغته القانونية، ولكنَّها تُرضى هوَى الإسلام السياسى الضَّيِّق، ومن ذلك ما يلى:
(1) تغيير اسم القانون من «الأحوال الشخصية» منذ نشأته الأولى سنة 1920م إلى «الأسرة» فى 2026م.. ولعلِّى من أبناء الجيل الشَّاهد على رفض زعماء الإسلام السياسى لاسْم «الأحوال الشخصية» لمجرَّد اقتباسه من التَّجربة الغربية، مع صلاحيته لمعالجة مسائل الأسرة مجتمعة أو الأفراد استقلالًا، بخلاف اسم الأسرة الذى يختصُّ بحال اجتماعها، ولكنَّها عقدة الإسلام السياسى الدكتاتورى.
(2)العودة إلى التقويم القمرى بعد استقرار التقويم الشمسى أو الميلادى، والذى تم اعتماده فى القانون رقم 25 لسنة 1929م المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985م، والذى ينصُّ فى مادَّته رقم (23) على أنَّ: «المراد بالسَّنَة فى المواد من 12 إلى 18 هى السَّنَة التى عدد أيامها 365 يومًا»، وهذه المواد تحدّد مُدَّة غياب الزوج لطلب التطليق منه، وأقصى مُدَّة للحمل، ونفقة الزوجة، ومتعتها، ونفقة الأولاد.
كما اعْتُمد التقويم الشمسى فى القانون رقم 1 لسنة 2000م بشأن تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى فى مسائل الأحوال الشخصية، فتنصُّ مادَّته رقم (1) على أنْ: «تُحسَب المُدَد والمواعيد الإجرائية المنصوص عليها فى هذا القانون بالتقويم الميلادى».
أمَّا مشروع قانون الأسرة الماثل؛ فقد عاد إلى التقويم القمرى الذى نصَّ عليه فى أكثر من موضع، فتنصُّ ّمادته رقم (89) على عدَّة المُطلقة غير المنتظم حيضها برؤيتها دم الحيض ثلاث مرّات أو بمرور عشرة أشهُر قمرية أيهما أقرب، وتنصُّ المادة رقم (93) على ألَّا تُقبل دعوَى نفقة العدة عن عشرة أشهُر قمرية من تاريخ علم الزوجة بالطلاق، وتنصُّ مادته رقم (98) ورقم (100) على أقل مدة للحمل يثبت بها النسَب «ستة أشهُر قمرية»، وتنص مادته رقم (99) على أقصى مدة للحمل «عشرة أشهُر قمرية»، وهكذا فى مَواطن أخرى.
ولم يستخدم مشروع القانون اسم السَّنَة الميلادية إلَّا فى موضع واحد، عند الحديث عن حق الاستزارة المستحدث فى المادة (148) بند (3) الذى ينصُّ على: «ألَّا يزيد مجموع الأيام- لمبيت المحضون عند طالب الاستزارة- على ثلاثين يومًا من كل سَنة ميلادية».
عِلمًا بأنَّ مشروع القانون قد أطلق الأشهُر والسنوات دون أنْ يُقيِّدها بالقمرى أو الميلادى فى كثير من المَواطن، ممَّا يجعلها محل نزاع عند التَّطبيق، ومن ذلك النَّصُّ فى المادة (77) على أن: «يضرب القاضى للزوج المُعسر أجلًا لا يجاوز شهرين»، والنَّصُّ فى المادة (79) على أن: «يسقط حق الزوجة فى طلب التطليق بسبب زواج زوجها عليها بمُضى ستة أشهُر من تاريخ علمها بالزواج بأخرى»، والنَّصُّ فى المادة رقم (80) على أنَّه: «إذا غاب الزوج ستة أشهُر فأكثر بلا عذر فللزوجة حق طلب التطليق»، والنَّصُّ فى المادة رقم (74) على أنَّه: «يجب على الزوج الذى يريد طلاق زوجته ولم يمضِ على زواجهما ثلاث سنوات من تاريخ العَقد أن يطلب من رئيس بمحكمة الأسرة بصفته قاضيًا للأمور الوقتية ذلك».
(3) إدخال رجال الدِّين من إحدى الجهات الرسمية فى مناقشة الزوجين؛ بعد طلب الزوج الطلاق من القاضى رئيس بمحكمة الأسرة فى السنوات الثلاث الأولى من العَقد مادة (84)، وليس إدخال الحكماء من أقارب الزوجين؛ كما قال تعالى: «وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا» (النساء: 35).
(4) إغراق مشروع القانون نفسه فى تفصيلات وتفريعات يمكن اختصارها، أو الاستغناء عنها بسُلطة القاضى التقديرية، حتى إنَّ كثيرًا من مواد المشروع بلغت أكثر من ثلاثين سطرًا.
(5) إقحام مشروع القانون نفسه فى تعريفات اصطلاحيَّة، وشروح فقهيَّة، واستطرادات بيانية تليق بكتُب الفقه والفروع، ولا تليق باسْم القانون، كما فى فصول الخطبة وعَقد الزواج والمحرمات وأحكام فقهية فى الزواج والمَهر والعدَّة وغيرها؛ حتَّى بلغت مواد المشروع 355 مادَّة غير سبع مواد للإصدار، بزيادة 135 مادَّة على مجموع مواد قوانين الأحوال الشخصية الخمسة التى جاء مشروع قانون الأسرة ليحل محلها، فقد بلغ مجموع مواد تلك القوانين الخمسة 220 مادَّة تقريبًا، موزَّعة كالآتى:
- عدد 13 مادَّة فى القانون رقم 25 لسنة 1920م المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985م بشأن أحكام النفقة وبعض مسائل الأحوال الشخصية.
- عدد 25 مادَّة فى القانون رقم 25 لسنة 1929م المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985م بشأن بعض أحكام الأحوال الشخصية.
- عدد 88 مادَّة فى القانون رقم 119 لسنة 1952م بشأن أحكام الولاية على المال.
- عدد 79 مادَّة فى القانون رقم 1 لسنة 2000م بشأن تنظيم بعض أوضاع وإجراءات التقاضى فى مسائل الأحوال الشخصية وفقا لآخر تعديل فى 2020م.
- عدد 15 مادَّة فى القانون رقم 10 لسنة 2004م بشأن إنشاء مَحاكم الأسرة، غير خمس مواد للإصدار.
وعلى سبيل المثال؛ فقد عالج القانون رقم 20 لسنة 1920م مسائل الطلاق فى خمس مواد بأرقام (1: 5)، كما عالج مسألة التطليق فى ثلاث مواد بأرقام (12: 14).
بينما عالج مشروع قانون الأسرة مسائل الطلاق والتطليق فى 22 مادة بأرقام (60: 82)، بعد أن غرق فى تفاصيل صور إنهاء عَقد الزواج بغير الخُلع من الطلاق والتطليق والفسخ والبُطلان والتفريق والوفاة، وأنواع الطلاق البائن والرجعى، وأحكام كل نوع بتفصيلات فقهية مجالها كتُب الفقه.
سابعًا: الثَّقافة الجديدة التى ألجأتنا إليها ضرورة الحضارة، وحوارها المجتمعى
توارث العرب قرونًا متواصلة ثقافة قيام الرَّجُل بالإنفاق على أسرته، ولهم ما يُبرّر اختيارهم، ولكنَّ الإنفاق على الزوجة والأولاد كان بسيطًا ومختصًّا بضروريَّات الحياة، فكان هذا الإنفاق فى مُكنة أكثر الرِّجال؛ خصوصًا أنَّ الأبناء بمجرَّد بلوغهم سبع سنين يصيرون عونًا لأبيهم فى التَّكسُّب.
ولم تَعد الحياة بهذه البساطة؛ بعد التطور الحضارى المشهود، وصار للمرأة حقٌّ فى المشارَكة الاجتماعية، وللأولاد حقٌّ فى التعليم المُكلف ماليًّا، ممَّا يتطلب تحريك الثقافة العربية إلى مشاركة الزوجة زوجَها فى إقامة بيت الزوجية، وفى الإنفاق على الأولاد، ولها فى مقابل ذلك حقّ التَّأمين فى العيش الكريم فى حال طلاقها أو وفاة الزوج دونها؛ خصوصًا أنّ المذهب الظاهرى يرى وجوب نفقة الأولاد على الوالدين معًا؛ لعموم قوله تعالى: «وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» (البقرة: 233)، وقوله تعالى: «فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُم بِمَعْرُوفٍ» (الطلاق: 6).
ومن هنا وجب طرح ثلاث قضايا للحوار المجتمعى لتحريك الثقافة العربية نحو واقعها الجديد، وهى، كما يلى:
(1) مشاركة الزوجين نفقات بناء بيت الزَّوجية.
وقد حسمها مشروع القانون بالنَّص على أنَّه: «لا يجوز مطالبة الزوجة بإنفاق المَهر فى تجهيز نفسها»، مادة (42)، ويرى المالكيَّة جواز ذلك.
(2) مشاركة الأبوين نفقات تنشئة وتعليم أولادهما.
وقد حسمها مشروع القانون بالنَّص على أنَّه: «يلتزم الأبُ بمصاريف تعليم أولاده فى جميع المراحل التعليمية بما فى ذلك الفترة التمهيدية قبل التعليم الأساسى وحتى انتهاء المرحلة الجامعية»، مادة (138)، ويرى الظاهرية مشاركة الأبوين فى نفقات أولادهما.
ومادة المشروع هذه مستحدثة، والنَّص الحالى المعمول به فى القانون رقم 25 لسنة 1929م، مادة (18) مكرّرًا ثانيًا: «إذا لم يكن للصغير مال فنفقته على أبيه، وتستمر نفقة الأولاد على أبيهم إلى أن تتزوج البنت أو تكسب ما يكفى نفقتها، وإلى أن يتم الابن الخامسة عشرة من عمره قادرًا على الكسب المناسب، فإن أتمّها عاجزًا عن الكسب لآفة بدنية أو عقلية أو بسبب طلب العِلم الملائم لأمثاله ولاستعداده أو بسبب عدم تيسير هذا الكسب استمرت نفقته على أبيه».
وقد اقتبس مشروع القانون هذه المادة رقم (18)، مع تنقيح ومراعاة لسِنّ الطفولة، فى مادته رقم (157) التى تنصُّ على أنَّه: «إذا لم يكن للولد مال يكفيه فنفقته على أبيه، وتستمر نفقة الأولاد على أبيهم إلى أن تتزوج البنت أو تكسب ما يكفى نفقتها، وإلى أن يتم الولد سن الثامنة عشرة من عمره، فإن أتمّها عاجزًا عن الكسب لآفة عقلية أو إعاقة بدنية أو بسبب طلب العلم الملائم لأمثاله ولاستعداده بما لا يزيد على المرحلة الجامعية الأولى، أو بسبب عدم تَيسُّر الكسب استمرت نفقته على أبيه».
ويؤخذ على مادة المشروع تركُ تعبير القانون الحالى فى مادته رقم (18) سالفة الذكر، فى قولها: «وإلى أن يتم الابن»، فجاءت مادة المشروع بعبارة: «وإلى أن يتم الولد»، ولفظ الولد يصلح للذكر والأنثى على السواء، ومع ذلك فيحسب لمادة المشروع تصحيحها لسن الطفولة ثمانية عشرة وفقًا للدستور الحالى، بعد أن كانت سن الطفولة خمس عشرة سَنة.
(3) حقِّ السِّعاية الذى أسّسه عمر بن الخطاب، بمشاركة الزَّوجين مُدَّخرات محفظة الزوجيَّة فترة بقاء الزَّوجيَّة.
وقد حسمها مشروع القانون بالنَّص على أنَّه: «يحقُّ لأىٍّ من الزوجين المطالبة بمقابل ما تحمّله من أعباء ساهمت فى تنمية أموال زوجه شريطة ألَّا تكون هذه الأعباء من مقتضيات عَقد الزواج»، مادة (33) الفقرة الثانية.
هذا؛ وقد ساهمتُ بهذا البيان حول مشروع قانون الأسرة الماثل بين يدى أعضاء البرلمان بهدف التوعية الفقهية التى تسع الجميع، ولا يحتكرها إلَّا ظالم، فالدِّين لله، وفقه الدِّين لمَن يرد الله به خيرًا، وليس لمَن يدَّعى احتكاره؛ حتَّى يتمكَّن شعبُنا المصرى العظيم من اختيار الوجه الفقهى الأكثر تحقيقًا للمصلحة والعدل اللائقين بحضارته، دون الخوف من فزَّاعة مخالفة الشريعة عند مخالفة فتاوَى المُدَّعين ظلمًا وصايتهم على الدِّين وفقهه، وآخر دعوانا: «أن الحمد لله ربِّ العالمين».
نقلأ عن مجلة روزاليوسف



