فى شهر يوليو 1997، أطلق قيادات الجماعة الإسلامية فى السجون حينذاك.. مبادرة وقف العنف. وبعد ما يقرب من مرور ثلاثين عامًا عليها؛ لم يعد السؤال الأساسى مرتبطًا بمُلابسات نشأتها أو بالدور الذى قامت به فى إنهاء افتراضى للصدام مع المجتمع ومع الدولة. وأصبح السؤال الآن أكثر تعقيدًا وهو: هل كانت تلك المراجعات تحولًا فكريًا حقيقيًا وسياسيًا كاملًا أمْ أنها تعبير عن تحوُّل مهم فى جانب محدد من تجربتهم فى سبيل إعادة إنتاج صورتهم أمام الدولة من جانب، والعودة إلى التأثير فى الحياة السياسية وبين النخبة المثقفة من جانب آخر؟!
أشاوس الجماعة الإسلامية..
السؤال الذى طرحته.. لا ينطلق من الإنكار أو التهوين لأى مبادرة.. أسهمت فى وقف العنف والإرهاب وتخفيف وطأة الصدام مع المجتمع.. ولكنه يضع تلك المبادرة فى إطار أشمل للعلاقة بين الأفكار والتنظيمات والسُلطة والدولة؛ خصوصًا أن الذى قام بها هم أشاوس التيار الإسلامى فى مصر؛ حيث قام بتأليفها وإعدادها: أسامة حافظ وعاصم عبدالماجد، وأقرّها وراجعها كل من: كرم زهدى وعلى الشريف وناجح إبراهيم وعصام دربالة وفؤاد الدواليبى وحمدى عبدالعظيم.
وذلك حسب المنشور على غلاف سلسلة المراجعات الفكرية التى صدرت تحت عنوان تصحيح المفاهيم. ومنها «مبادرة وقف العنف.. رؤية واقعية ونظرة شرعية»، و«تسليط الأضواء على ما وقع فى الجهاد من أخطاء»، و«حرمة الغلو فى الدين.. وتكفير المسلمين»، والنصح والتبيين فى تصحيح مفاهيم المحتسبين».
وأود أن أؤكد على ملاحظة مهمة، وهى أن تاريخ الأحداث السياسية لا يمكن أن يعتمد على ما يعلنه كل طرَف مشارك فيها عن نفسه؛ وإنما يتأكد بالممارسة مع تغير السياق والظروف. وهو ما يؤكد على أن معادلة الاختبار الحقيقى للمراجعات الفكرية للجماعة الإسلامية لا يمكن الحكم عليها وتقييمها فى لحظة إطلاقها والإعلان عنها، أو فى لحظات الأزمات. ويظل الاختبار الحقيقى عندما تنتقل الأفكار من موقع الترويج لها إلى مساحة التأثير، ومدى مسئولية التفاعل مع المجتمع والدولة.
فى معنى المراجعات..
ظل مفهوم «المراجعات الفكرية» خلال السنوات الماضية محل التباس فكرى وفقهى. تعامَل معه البعض باعتباره إعلانًا عن وقف العنف والتخلى عنه، وتعامل معه البعض الآخر باعتباره شكلًا من إعادة التأسيس الشاملة للرؤية الفكرية والسياسية لأحد أهم فصائل الإسلام السياسى فى مصر.
الطرح السابق هو الذى يحمل فى طياته الإشكالية الكبرى؛ لأن وقف استخدام العنف وإنهاءه، رغم أهميته؛ لا يفسر أو يجيب وحده عن الأسئلة المتعلقة بمضمون فكر تيارات الإسلام السياسى. قد يتغير الأسلوب دون أن تتغير التصورات التى أنتجت فكر الجهاد والحاكمية وتكفير المجتمع. وربما يمكن التراجع عن موقف ما بسبب تغير الظروف، بينما تظل بعض الأفكار المرجعية التى سمحت بظهور تلك التيارات من الأصل دون مراجعة كاملة.
ولذا؛ فإنّ المراجَعة الحقيقية لا تقوم على ما يتم التخلى والاستغناء عنه؛ وإنما بما يتم تبنيه كبديل جديد فى الرؤية للدولة وللمواطنة وللتعددية ولجدوَى العمل السياسى.
الأخلاق وحدها لا تكفى..
قرأتُ مؤخرًا مقالًا مهمًا لواحد من أهم المشاركين فى مبادرة وقف العنف، وهو واحد من أكثر المعتدلين ثباتًا وتمسُّكًا بها. إنه د. ناجح إبراهيم الذى كتب مقالًا بعنوان «29 عامًا على مبادرة وقف العنف» بجريدة الوطن فى 12 يوليو 2026. وقد ركز فيها على البعد الأخلاقى للمبادرة.. والذى استدعى فيها قيم الاعتراف بالخطأ، والعدل، والإحسان، والصبر، وضبط النفس. وهى القيم المهمة المؤثرة فى أى تحوُّل فكرى وإنسانى.
الواقع؛ أنّ العمل السياسى لا يختبر فقط على مستوى المجال الأخلاقى؛ وإنما الأولوية للمجال المؤسّسى والفكرى؛ لأنهما الأساس للوصول للمجال الأخلاقى.
قطعًا؛ لا اختلاف ولا شك على أهمية الأخلاق فى العمل السياسى. ولكنها لا تكفى وحدها للحكم على التحولات الفكرية تحديدا؛ً خصوصًا مع التيارات الدينية المتشددة. المجتمعات لا تدور وتتفاعل فقط بالنوايا الحسنة؛ وإنما بالأفكار التى تنظم العلاقة بين مكونات القوى المتعددة داخل الدولة.
تكتيكية أَمْ تأسيسية..
أحد أهم الدروس المستفادة التى تكشفها دائمًا الخبرات السياسية هو أن التركيز على النتائج بشكل مباشر؛ قد يخفى الأسئلة الحقيقية الأساسية. ومثال ذلك؛ أن التخلى عن العنف هو نتيجة مهمة، ولكنه ليس نهاية النقاش والجدل؛ لأن العنف فى مصر لم يظهر من فراغ؛ وإنما ارتبط بتصورات ذات مرجعية دينية حول الشرعية والحقوق والمجتمع والسُلطة. وهو ما يتطلب أن تصل المراجعات الفكرية الجادة إلى المنابع الفكرية التى شكلت الرؤى والمواقف السابقة، وعدم الاكتفاء بإدانة بعض الممارسات، والتى كانت محل ترحيب وتشجيع قبل ذلك.
هل ترتب على مبادرة وقف العنف.. نوعًا من تغيير السلوك؟ وهل تغيرت المرجعيات الفكرية التى تحدد ما إذا كان هذا السلوك مقبولًا أمْ مرفوضًا؟! هنا فقط.. يظهر التباين والفروقات بين المراجعات التكتيكية والمراجعات التأسيسية.. الأولى تعيد ترتيب أدوات التواجد والتأثير، بينما الثانية تعيد تعريف الأهداف والقيم والممارسات.
السلطة أهم من السجن..
صنفت جماعة الإخوان الإرهابية نفسَها باعتبارها المعارضة لنظام الحكم، وكانت تدّعى التعددية وقبول الاختلاف والرؤى، بينما ظهرت حقيقتهم عندما وصلوا فى غفلة من الزمن لحكم مصر.. وهى المرحلة التى كشفت طبيعة تصوراتهم وحقيقة موقفهم فى الاختلاف مع كل مَن عارض سياساتهم. وهو ما يؤكد أنها كجماعة فاشية عندما انتقلت إلى السُلطة؛ لم تستوعب مقتضياتها ومسئولياتها.. فلم تتقبل التنوع السياسى وتداوُل السُلطة، واستغلت مؤسّسات الدولة وأجهزتها؛ كأدوات ووسائل لتحقيق أهدافها الخاصة.
وهو ما يجعلنى أؤكد هنا؛ أن اختبار تجربة تولى السُلطة بشكل عملى؛ يُعد أكثر أهمية من تجربة اختبار السجون. السلطة تكشف مدى قدرة مرونة الأفكار فى التفاعل مع قواعد ممارسة السُلطة.
استدعاء افتراضى للمراجعات..
من الواضح؛ أن حالة الاستدعاء مرتبطة بلحظات التحولات الكبرى فى المجتمع سواء مع تغيير الخريطة السياسية أو مع وجود تحديات داخلية وخارجية غير مسبوقة.
وأنبّه هنا؛ إلى أن حالة الاستدعاء؛ تمثل شكل من أشكال إيجاد حلول تبدو مختصرة لمشكلات عميقة. والدليل أن البعض يتعامل مع مبادرة وقف العنف باعتبارها وثيقة تحت الطلب والحاجة والاستخدام والتوظيف، بينما التحولات الفكرية لا تعمل بهذا الأسلوب؛ لأنها تحتاج إلى مساحة زمنية، وممارسة عملية، واختبارات متتالية.
مراجعات السجون أَمْ الدولة؟..
كان طبيعيًا أن يكون هناك تحول فى أسلوب التفكير من «مراجعات السجون» إلى «مراجعات الدولة». عند إطلاق مبادرة وقف العنف؛ كان السؤال الاساسى هو: هل سيتم وقف العنف والتخلى عنه؟ أمّا الآن فالسؤال هو: هل قبلت تلك الجماعات قواعد الدولة المدنية الحديثة؟
وهو ما يعنى قبولها لمجموعة من المبادئ الأساسية: المواطنة، والعدالة والمساواة، واحترام القانون، وقبول الاختلاف، والتعددية، والفصل بين المجال الدينى والمجال السياسى، والاعتراف بأنّ الدولة مِلك لجميع مواطنيها وليست مشروعًا خاصًا لأى تيار أو أى جماعة.
هذا الطرح يجعل من المراجعات الفكرية؛ ليست إعلانًا صادرًا عن جماعة؛ وإنما اختبارٌ لنموذج علاقة أى مشروع سياسى بالمجتمع.
فرصة المراجعات الجديدة..
أى حديث عن مراجعات فكرية جديدة لأى فصيل من تيارات الإسلام السياسى على غرار شباب جماعة الإخوان الإرهابية فى السجون؛ يحتاج إلى ضبط الحالة الفكرية والسياسية لأن الأمر لم يعد مقصورًا على إعلان رفض العنف؛ بل على مراجعة التصورات المتعلقة بتحقيق منظومة المواطنة فى إطار الدولة المدنية المصرية.
وأؤكد هنا؛ على أن المراجعات الفكرية الحقيقية ليست مجرد قرار تنظيمى فحسب؛ بل هى عملية فكرية تفاعلية.. تسمح بالنقد الداخلى والمراجعة المستمرة. وتظل العلامة الفارقة لأى تحوُّل حقيقى فى قدرته على الاستمرار رغم تغيُّر السياق والظروف، ورغم اختلاف المصالح والأولويات، حينها؛ تصبح المشاركة السياسية اختبارًا حقيقيًا، وليست مجرد شعار للاستهلاك السياسى.
التطرف الرقمى..
تغيّرت أدوات ووسائل الانتشار، وأصبحت الأفكار تنتقل بسرعة مخيفة عبر أروقة الفضاء الرقمى. وأصبح التأثير فى المجتمع لا يحتاج إلى تنظيم هرمى أو قيادة مركزية. وهو ما يعنى أن التعامل مع التطرف والتشدد والتعصب؛ لم يعد ممكنًا عبر النموذج القديم وحده؛ بل يحتاج إلى بناء مناعة فكرية ومجتمعية طويلة المدى.. مناعة ترتكز على التعليم والثقافة وسيادة القانون ودعم مفهوم المواطنة.
نقطة ومن أول السطر..
المراجعات الفكرية الحقيقية ليست وثيقة تاريخية؛ وإنما مسار مستمر.. لا تثبته الكلمات وحدها؛ بل تتأكد بمدى تفاعلها مع المجتمع والقانون والدولة.
لا يحكم التاريخ على الأفكار بما تروجه عن نفسها؛ وإنما بمدى تأثيرها عندما تمنح فرصة الاختبار.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



