الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

بين التأييد الدولى والتعنت الإسرائيلى

مشروع الإسكان التجريبى فى غزة.. يصطدم بمخطط «المستوطنات»!

بوابة روز اليوسف

تبدو غزة وكأنها تقف عند مفترق طرق بين مشاريع إنسانية واعدة؛ وتعنت إسرائيلى يفرض واقعًا عسكريًا واحتلالًا جديدًا؛ وخطوات فلسطينية ودولية تحاول فتح نافذة أمل فى جدار الحرب الطويل، لكن الأهم هو بداية تشكيل ملامح توافق شبه دولى لدعم القطاع، ما يعكس إدراكًا متزايدًا لدى المجتمع الدولى، بأن إعادة إعمار غزة لم تعد مجرد قضية إنسانية فقط، بل ضرورة سياسية وأمنية واستراتيجية؛ لإعادة الاستقرار إلى المنطقة بأكملها.


مشروع مجلس السلام
 


أعلن مسئولو مجلس السلام قبل أيام، عن خطة لإنشاء منطقة إنسانية تجريبية فى مدينة رفح جنوب غزة، تقوم فكرتها على انسحاب القوات الإسرائيلية من مساحة محددة، واستبدالها بجنود من قوة الاستقرار الدولية، والتى لم تنشر بعد فى القطاع لتأمين حدود المنطقة الإنسانية.
 


 وفى الوقت نفسه تدخل لجنة التكنوقراط الفلسطينية، المكلفة بإدارة غزة بعد حماس؛ لتعمل بالتنسيق مع القوة الدولية على التحقق من عشرات الآلاف من الفلسطينيين القادمين مما يعرف بـالمنطقة الحمراء، والتى تسيطر عليها حماس إلى المنطقة الخضراء والتى تحتلها قوات الاحتلال الإسرائيلية حاليًا، وتهدف الخطة إلى تحقيق هدفين رئيسيين، أولًا توفير مساكن ومساعدات مؤقتة لعشرات الآلاف من المدنيين، مع مستويات من الأمان تفتقر إليها بقية مناطق القطاع، وثانيًا فصل المدنيين عن حماس بما يضعف قبضتها على المجتمع الغزاوي، أو على الأقل يبعد المدنيين العزل عن مناطق الصراع المشتعلة.
 


 وبحسب تقارير دولية، فإن مجلس السلام الذى يشرف على إدارة غزة فى مرحلة ما بعد الحرب، درس فكرة إنشاء مثل هذه المناطق منذ أشهر، لكنه كان ينتظر إقناع حماس بالتخلى عن أسلحتها، للسماح بإعادة إعمار أوسع، غير أن مفاوضات نزع السلاح استمرت بلا نتيجة، إذ تصر حماس على التزام إسرائيل أولًا ببنود وقف إطلاق النار الذى تم التوصل إليه فى أكتوبر فى مؤتمر شرم الشيخ، بينما تزعم إسرائيل أنها ترد على انتهاكات حماس.
 


 فى النهاية قرر مجلس السلام عدم ربط الإغاثة بمفاوضات نزع السلاح التى لا نهاية لها، وتحرك بالفعل نحو إنشاء أول منطقة إنسانية تجريبية، وناقشت قيادته الفكرة فى اجتماع عقد فى قبرص الأسبوع الماضى،  وفى خطوة تعد بداية لتجربة جديدة فى إدارة الأزمة الإنسانية داخل قطاع غزة            
 

  
 عوائق المشروع 
 


الخطة التى أعلن عنها مجلس السلام فى رفح لا تزال حبرًا على ورق، والسبب الأساسى يعود إلى التعنت الإسرائيلي، ورغبة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو فى فرض حالة الحرب لأطول مدة ممكنة، فالموافقة النهائية على أى انسحاب للقوات الإسرائيلية، تتطلب قرارًا من حكومة نتنياهو، وهو أمر مستبعد تمامًا مع اقتراب الانتخابات البرلمانية فى إسرائيل، حيث يسعى إلى إظهار نفسه بمظهر القائد الصلب الذى لا يتراجع أمام حماس.
 


وقال مسئول إسرائيلي لصحيفة تايمز أوف إسرائيل، إن الجيش لن ينسحب من غزة إلا إذا وافقت حماس على نزع سلاحها، وهو شرط تعجيزى يعكس رغبة نتنياهو فى إبقاء الوضع العسكرى قائمًا.
 


 وفى المقابل كشف مسئول عربى رفيع، أن إسرائيل تماطل فى توقيع اتفاقيات وضع القوات مع الدول المساهمة فى القوة الدولية، وهو إجراء ضرورى لتحديد الوضع القانونى للأفراد العسكريين الأجانب، ما منع عمليًا نشر هذه القوة. وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال، أن الولايات المتحدة رغم تعهدها بإرسال قوة حفظ سلام قوامها 20 ألف جندي، تكافح الآن من أجل نشر وفد صغير من 10 إلى 20 جنديًا مغربيًا فى غزة، وهو ما يعكس حجم العرقلة الإسرائيلية، إلى جانب ذلك يعارض بعض أعضاء المجلس الوطنى لمكافحة الإرهاب الخطة، معتبرين أن المنطقة الإنسانية ستظل خاضعة فعليًا لسيطرة الجيش الإسرائيلي، الذى سيبقى على أطرافها بما يشبه مواقع توزيع المساعدات، والتى شهدت إطلاق نار متكرر على الفلسطينيين خلال الحرب.
 


ويرفض بعض أعضاء المجلس الوطنى للتحالف من أجل السلام، إضفاء الشرعية على تقسيم غزة، أو فرض خط أصفر يكرس واقعًا جديدًا دائمًا، خاصة بعد أن أمر نتنياهو قواته باحتلال 70 % من القطاع، ما دفع الخط نحو الساحل، وقلص مساحة العيش لمليونى فلسطينى فى مخيمات خيام متهالكة، الحقيقة أن الخطة الإنسانية ليست معطلة بسبب تعقيدات فنية أو لوجستية، بل نتيجة إصرار نتنياهو على إبقاء غزة تحت حالة حرب مفتوحة، واستخدام التعنت السياسى والعسكري، كأداة لإطالة أمد الصراع بما يضمن له أوراق ضغط داخلية وخارجية.
 


حل الحكومة فى غزة 
 


وفى خطوة وصفت بأنها بادرة حسن نية، أعلنت حركة حماس حل حكومتها فى غزة، فى محاولة لإزالة الذرائع التى تستخدمها إسرائيل، لتأخير إعادة الإعمار والانسحاب من أراضى القطاع، غير أن إسرائيل سارعت إلى التشديد على مطلبها القديم نزع السلاح الكامل، كشرط مسبق وهو شرط فى الأساس مصمم ليكون مستحيلًا؛ ليفرغ المبادرة من مضمونها.
 


ولكن القرار الذى صدر عن المكتب الإعلامى لحكومة غزة، يعتبر أوضح إعلان حتى الآن بأن حماس مستعدة  للتنحى عن الحكم المدني، وتسليمه إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهى لجنة غير سياسية تضم خبراء فلسطينيين تحت إشراف مجلس السلام التابع لدونالد ترامب، كجزء من الخطة الأمريكية المكونة من 20 نقطة لإدارة القطاع.
 


توافق دولى 
 


وفى ظل حالة الجمود السياسى التى تعرقل أى تقدم فى ملف إعادة إعمار غزة، برزت مؤشرات على توافق شبه دولي، حول ضرورة دعم القطاع بخطوات عملية.
 


 ونفى مسئول فى مجلس السلام، أن يكون المجلس الوطنى للتحالفات العمالية، يعارض الخطة التجريبية لإنشاء منطقة إنسانية فى رفح، وأن قيادة اللجنة التكنوقراطية تدعمها بالكامل، وتنسق مع الهيئات ذات الصلة لإنجازها، فى محاولة لتجاوز العقبات التى تضعها إسرائيل أمام إعادة الإعمار.
 


ومن جانب آخر، وفى خطوة اعتبرت إيجابية لصالح غزة، أعلنت المفوضية الأوروبية من بروكسل؛ عن إطلاق حزمة تمويلية أولية ضخمة تحت مسمى مبادرة فريق غزة بقيمة مليار دولار أمريكي، هذه المبادرة جاءت استنادًا إلى تقييمات شاملة للأضرار، بالتعاون مع الأمم المتحدة والبنك الدولي؛ وتهدف إلى تعزيز صمود الشعب الفلسطيني، ودعم جهود التعافى المبكر فى القطاع الذى يعانى من دمار واسع بسبب الحرب المستمرة.
 


 وتركز الحزمة المالية الجديدة، على معالجة الانهيار الحاد فى الخدمات الأساسية، مع إعطاء الأولوية لمشاريع إعادة تأهيل البنية التحتية؛ شبكات المياه، الصرف الصحي، إزالة كميات هائلة من الأنقاض، النفايات الصلبة المتراكمة فى الأحياء السكنية.
 


 كما تشمل إعادة تشغيل الأنظمة الحيوية، فى قطاعات الصحة والطاقة والزراعة، لضمان استمرارية الإمدادات الغذائية والطبية للسكان؛ ورغم أن الحزمة التمويلية لا تكفى بحسب الخبراء الاقتصاديين الذين قدروا الخسائر وترميم البنية التحتية؛ وتشغيل الأنظمة الحيوية فى القطاعات المختلفة بـ71 مليار دولار؛ لكنها تعتبر نواه جيده لبدء الإعمار؛ وإقدام اوروبا على وضع مشكلة القطاع ضمن أولوياتها. 
 


مشروع استيطانى فى غزة 
 


وبالنسبة لإسرائيل تسير فى اتجاه مختلف تماما عن بقية العالم؛ ففى الوقت الذى تعارض فيه أى محاولات لإعمار قطاع غزة أو عودة سكانه إلى حياتهم الطبيعية؛ كشفت تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلى يسرائيل كاتس؛ عن توجه استراتيجى جديد؛ يقوم على خطط توسعية ذات طابع عسكرى واستيطانى.
 


وأعلن كاتس عن مشروع لإقامة ثلاث بؤر استيطانية؛ تعرف باسم نوى ناحال؛ فى المواقع التى كانت قائمة قبل الانسحاب الإسرائيلى عام 2005؛ بهدف تكريس وجود يهودى دائم فى شمال غزة؛ وضمان السيطرة الأمنية؛ ومنع عودة التهديدات العسكرية من تلك المناطق.
 


 كاتس لم يخف نبرة التفاخر خلال جولاته الميدانية؛ إذ وصف حجم الدمار الواسع الذى ألحقته العمليات العسكرية بشمال القطاع؛ بأنه يمنحه شعورًا بالرضا، وأن هذا الخراب ليس عشوائيًا، بل جزء من سياسة ممنهجة تهدف إلى تغيير الواقع الأمنى والجغرافى فى غزة بشكل جذرى.
 


 وأوضح أن جيش الاحتلال الإسرائيلي؛ انتقل من استراتيجية المداهمات السريعة إلى البقاء الدائم داخل القطاع، معتبرًا أن تحويل المنازل إلى أنقاض هو جزء أصيل من هذه الرؤية.
 


أما مستوطنات نوى ناحال، والتى يعتزم إقامتها فى القطاع فهى مجموعات شبابية تجمع بين الخدمة العسكرية والعمل الاستيطانى المدني، وهى الأداة نفس التاريخية التى استخدمتها إسرائيل لتأسيس مستوطنات تحولت فيما بعد إلى مدن إسرائيلية.
 


 وادعى كاتس أن هذه الخطوة ضرورية، لتعزيز الدفاع عن البلدات الإسرائيلية المحيطة بالقطاع؛ وتوفير عمق أمنى جديد للقوات العاملة على الأرض؛ الأمر الذى يعكس عدم اكتفاء إسرائيل بعرقلة مشاريع إعمار غزة؛ بل تطرح خططاً توسعية تستهدف إعادة تشكيل جغرافيا القطاع الفلسطيني، عبر فرض واقع استيطانى جديد يكرس للاحتلال، ويحول غزة إلى ساحة دائمة للوجود العسكرى.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط