الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

عددٌ من التغيرات النوعية ظهر على مسرح العمليات مع عودة فصل جديد من المواجهة الأمريكية الإيرانية المسألة ليست بمتابعة عدد الغارات أو حجم الدمار بل التحول الحقيقى الذى جرى فى الاستراتيجية العسكرية الأمريكية. 
 


فما نشهده اليوم ليس مجرد استئناف للقتال وإنما انتقال إلى نمط مختلف من إدارة الحرب تتراجع فيه فكرة تدمير الخصم لصالح فكرة شل قدرته على الفعل ويتقدم فيه استهداف منظومات القيادة والسيطرة والدفاعات الساحلية وشبكات الصواريخ والطائرات المسيّرة على استهداف الوحدات العسكرية التقليدية.
 


ولعل البيانات التى أصدرتها القيادة المركزية الأمريكية خلال الأيام الماضية تكشف بوضوح هذا التحول. فالهدف المعلن للعمليات لم يعد تدمير الجيش الإيرانى أو إلحاق أكبر خسائر ممكنة به وإنما تقويض قدرته على تهديد الملاحة الدولية وحرمانه من استخدام قدراته العسكرية فى التأثير على أمن الممرات البحرية وهو تطور مهم فى فلسفة استخدام القوة الأمريكية.
 


التغير الأول يتمثل فى طبيعة الأهداف فبدلًا من استهداف تشكيلات عسكرية واسعة ركزت الضربات على مراكز القيادة والسيطرة ومنظومات الاتصالات والرادارات والدفاعات الساحلية ومستودعات الطائرات المسيّرة والصواريخ. 
 


والرسالة هنا واضحة فالقوة العسكرية لا تُقاس بما تملكه من سلاح فقط وإنما بقدرتها على تشغيل هذا السلاح.. فإذا تعطلت منظومة القيادة تعطلت معها القدرة على القتال حتى لو بقيت المعدات سليمة.
 


أما التغير الثانى فهو الانتقال من سياسة الردع بالعقاب إلى الردع بالحرمان.. كيف؟ 
 


فى العقيدة التقليدية كان الرد يأتى بعد وقوع الهجوم.. أما الآن فإن العمليات تستهدف حرمان الخصم من القدرة على تنفيذ الهجوم أصلًا. ولهذا ركزت الضربات على البنية التى يمكن أن تُستخدم لاحقًا لاستهداف القوات الأمريكية أو تعطيل الملاحة وهو ما يعكس انتقالًا واضحًا من منطق رد الفعل إلى منطق المبادرة.
 


والتغير الثالث يرتبط بالجغرافيا العسكرية فقد أصبح مضيق هرمز ومحيطه مركز الثقل الحقيقى للعمليات لأن واشنطن تنظر إلى أمن الممرات البحرية باعتباره جزءًا من أمن الاقتصاد العالمي.. ومن ثم لم يعد الهدف السيطرة على الأرض بل ضمان استمرار حركة التجارة والطاقة ومنع أى طرف من امتلاك قدرة فعلية على تعطيلها.
 


أما التغير الرابع وربما الأكثر أهمية فهو أن الذكاء الاصطناعى لم يعد مجرد أداة مساعدة فى إدارة العمليات بل أصبح جزءًا من عملية اتخاذ القرار العسكرى نفسها. 
 


فالصور القادمة من الأقمار الصناعية والمعلومات الإلكترونية لم تعد تُحلل بالأساليب التقليدية وإنما تُدمج داخل أنظمة متقدمة قادرة على تحديث بنك الأهداف بصورة شبه لحظية وتقليص الزمن الفاصل بين اكتشاف الهدف واتخاذ قرار الاشتباك إلى دقائق وربما إلى ثوانٍ.
 


ولهذا فإن تقييم العمليات بعدد الطائرات أو الصواريخ المستخدمة لم يعد كافيًا لفهم ما يجري.. فالمؤشر الحقيقى أصبح يقاس بمدى نجاح الضربة فى تعطيل وظيفة عسكرية كاملة لا بعدد الأهداف التى دُمرت. وهذه نقلة جوهرية فى الفكر العسكرى الأمريكى تختلف كثيرا عن مشهد العمليات الأمريكية نهاية فبراير الماضى، وتعكس انتقال الحرب من مرحلة تدمير القوة إلى مرحلة شل قدرتها على العمل.
 


ومن هنا أعتقد أن ما شهدناه خلال الأيام الماضية لا يمثل مجرد جولة جديدة من الصراع الأمريكى الإيرانى بل يكشف عن ملامح تكتيكية تتشكل أمام أعيننا. 
تقوم على الضربات الدقيقة والتفوق الاستخباراتى والسيطرة على المعلومات والاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعى فى إدارة المعركة مع الحرص على إبقاء التصعيد تحت سقف محسوب. 
 


إنها حرب تختلف فى أدواتها وأهدافها عن الحروب التى عرفها الشرق الأوسط لعقود وربما تكون نموذجًا للصراعات التى سيشهدها العالم خلال السنوات القادمة.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط