فى عالم الاستخبارات لا توجد صُدفة، ولا تُفتح الملفات السرية لأن الوقت حان؛ وإنما لأن هناك مَن يريد أن يبعث برسالة. لذلك فإن السؤال الأهم فى قصة ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز عن محاولة الموساد تجنيد الرئيس الإيرانى الأسبق محمود أحمدى نجاد؛ ليس هل حدثت الاتصالات بالفعل؟؛ بل لماذا اختير هذا التوقيت تحديدًا لكشفها؟
إذا صحت الرواية؛ فإنها تمثل واحدة من أكثر المفارقات إثارة فى تاريخ الصراع «الإيرانى - الإسرائيلى». فالرجل الذى تحول لسنوات إلى رمز للخطاب الأكثر تشددًا ضد إسرائيل، وصاحب التصريحات التى جعلته أيقونة للمواجهة؛ يصبح فجأة هدفًا لمحاولة استقطاب من الجهاز الذى طالما قدّمه كعَدوّه الأول.
لكن أجهزة الاستخبارات لا تبحث عن الأصدقاء؛ بل عن الفرص. فحين يتحول أحد أركان النظام إلى خصم لمركز السلطة؛ يصبح- من منظور استخباراتى- مرشحًا للاستثمار، بغض النظر عن تاريخه أو خطابه أو مواقفه السابقة. ولهذا فإن اختيار أحمدى نجاد، إذا كانت الرواية صحيحة، لم يكن لأنه أصبح صديقًا لإسرائيل؛ وإنما لأنه تحول إلى خصم داخل معادلة السُلطة الإيرانية بعد سنوات من الصدام مع المؤسّسة الدينية والحرس الثورى واستبعاده المتكرر من المنافسة السياسية.
أمّا السؤال الأكثر إثارة فهو؛ لماذا كشف الغطاء الآن؟
الإجابة الأقرب أن التسريب نفسه جزءٌ من الحرب. فإسرائيل، التى خاضت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أعقد حروب الظل ضد إيران؛ لم تعد تكتفى بالضربات العسكرية أو العمليات السرية؛ وإنما انتقلت إلى معركة تدمير الثقة داخل النظام. فما الذى يمكن أن يفعله خبر يتحدث عن اختراق رئيس إيران الأسبق سوى إثارة الشكوك بين مراكز القوة، وتعميق أزمة الثقة بين الحرس الثورى والمؤسّسة السياسية، ودفع الجميع إلى النظر إلى الجميع باعتباره مشتبهًا به؟
إنها حرب نفسية بامتياز، هدفها ليس أحمدى نجاد وحده؛ وإنما المنظومة بأكملها.
ولعل الأخطر من القصة نفسها أنها تأتى ضمن سلسلة طويلة من الاختراقات التى نجح الموساد فى تنفيذها داخل إيران خلال العقد الأخير؛ اغتيالات دقيقة لعلماء نوويين، وسرقة الأرشيف النووى من قلب طهران، والوصول إلى معلومات شديدة الحساسية عن برامج التسليح، فضلاً عن عمليات استهدفت قيادات عسكرية وأمنية بارزة. هذه الوقائع، سواء أعلنت إسرائيل مسئوليتها عنها أو لم تعلن، تشير إلى أن المشكلة لم تعد فى كفاءة الموساد فقط؛ بل فى وجود ثغرات بنيوية داخل منظومة الأمن الإيرانية سمحت بتكرار الاختراقات.
السؤال الذى يفرض نفسه هنا؛ كيف استطاع الموساد اختراق دولة توصَف بأنها من أكثر الدول الأمنية فى العالم؟
الإجابة لا تبدأ بالعملاء؛ وإنما بالانقسامات. فكلما اتسعت الصراعات بين مراكز القوَى، وتعددت الأجهزة الأمنية، وتنافس الحرس الثورى مع المؤسّسات الأخرى؛ ازدادت الفرص أمام أجهزة الاستخبارات المعادية. الاختراق الناجح غالبًا لا يبدأ من الخارج، بل من شروخ الداخل.
كما أن التطور التكنولوجى غيّر قواعد اللعبة. فلم تعد الاستخبارات تعتمد فقط على تجنيد الأشخاص؛ بل أصبحت توظف البيانات الضخمة، والذكاء الاصطناعى، والمراقبة الإلكترونية، وتتبع شبكات العلاقات، وتحليل السلوك؛ لبناء صورة متكاملة عن الأهداف قبل الاقتراب منها.
ومع ذلك؛ يبقى من الضرورى الفصل بين ما ثبت بالأدلة؛ وما يدخل فى إطار الروايات الاستخباراتية المتداولة. فما نشرته نيويورك تايمز لا يزال محل نفى من أحمدى نجاد، ولم يصدر بشأنه تأكيد رسمى من إسرائيل، وهو ما يفرض على أى قراءة مهنية ألا تتعامل معه باعتباره حقيقة نهائية؛ وإنما باعتباره جزءًا من حرب المعلومات التى لا تقل ضراوة عن الحرب العسكرية نفسها.
وربما يكون هذا هو الدرس الأهم. ففى حروب القرن الحادى والعشرين؛ لم يعد الانتصار يقاس بعدد الصواريخ التى تصيب أهدافها؛ بل بعدد العقول التى تنجح فى زرع الشك داخلها. وعندما تصل الشكوك إلى قمة هرم السلطة؛ يصبح الاختراق أخطر من أى عملية عسكرية؛ لأن الدولة التى تفقد الثقة فى نفسها تبدأ هزيمتها من الداخل، حتى لو لم تخسر معركة واحدة على الأرض.
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



