بعد سقوط التفاهمات
هل تدخل واشنطن وطهران عصر الحروب الطويلة؟
تطور دراماتيكي للمشهد تعيش فيه منطقة «الشرق الأوسط» بعدما انهارت مذكرة التفاهم التي وقعتها «واشنطن»، و«طهران» في يونيو الماضي لتعود المواجهات العسكرية إلى الواجهة من جديد.
فالمذكرة التي اعتبرها «ترامب» حققت كل ما سعى إلى تحقيقه، سرعان ما انهارت بسبب الاختلاف في التفسيرات حول بنودها، ما أعاد فتح أبواب الحرب التي لم تغلق يومًا.
وبالفعل، شهدت الأيام الأخيرة تصعيداً لافتاً في اللهجة والتهديدات المتبادلة بين الجانبين. ففي الوقت الذي هدد «ترامب» باستهداف الجسور ومنشآت الطاقة الإيرانية، رد الحرس الثوري الإيراني بأن أي تنفيذ لهذه التهديدات سيقابله استهداف كل البنى التحتية في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، أعادت «الولايات المتحدة» فرض حصارها على السفن الإيرانية وحركة الملاحة البحرية المتجهة إلى «إيران»؛ فيما أكدت «طهران» تغلق المضيق مجددًا.
مضيق هرمز وأزمة الثقة الأمريكية
أفاد تحليل لمركز أبحاث «تشاتام هاوس» بأن التطورات الأخيرة جاءت بعدما أعلن «ترامب» تعيين بلاده (حارسًا) لمضيق «هرمز»؛ مُقترحًا فرض رسوم تصل إلى 20 % من قيمة البضائع على كل سفينة عابرة، وهو مبلغ يزيد 15 ضعفًا عن المبلغ الذي أفادت التقارير بأن «إيران» كانت قد طالبت به؛ مضيفًا أن «ترامب» برر ذلك بأنه تعويض عن جميع التكاليف اللازمة للقيام بمهمة توفير السلامة والأمن لهذا الجزء المضطرب للغاية من العالم.
ولكن، المركز لفت إلى أن القانون الدولي (لا يسمح لأي دولة -مهما بلغت قوتها- أن تنصب نفسها وصية على حقوق جميع الدول الأخرى، وأن تطالب بدفع مقابل هذه الحماية غير المستحقة).
وأكد أن إعلان «ترامب» قوبل باعتراض فوري من المنظمة البحرية الدولية، التي أكدت معارضتها لأي رسوم إلزامية على المرور عبر المضائق الدولية، كما قوض –من وجهة نظر المركز- مصداقية «الولايات المتحدة» في المنطقة، وتناقض مع تصريحات كبار مسئوليه، وعلى رأسهم وزير الخارجية «ماركو روبيو» الذي صرح في يونيو الماضي -مستندًًا إلى القانون الدولي- بأنه لن يُسمح بفرض أي رسوم مرور عبر المضيق.
وفي 14 يوليو، تراجع «ترامب» عن موقفه؛ مقترحًا استبدال رسوم السداد (بصفقات تجارية واستثمارية ستبرمها دول المنطقة المختلفة مع الولايات المتحدة). لكن، «تشاتام هاوس» أكد أن هذا التراجع لم يصلح الضرر الذي ألحقه تهديده بفرض الرسوم بالثقة في «الولايات المتحدة»، وبموقفها المبدئي المفترض في الدفاع عن حرية المرور البحري.
أما فيما يخص مستقبل الملاحة في المضيق، فخلص المركز إلى أن الحل الوحيد القابل للتطبيق لاستعادة حركة الملاحة في مضيق «هرمز» هو (التسوية التفاوضية)؛ معتبرًا –في الوقت ذاته- أنه احتمال يزداد صعوبة بسبب خطر تصعيد الصراع العسكري المتجدد.
شبح «الحروب الأبدية» يعود
تحت عنوان «ماذا بعد عودة الحرب بين واشنطن وطهران؟»، رأت صحيفة «نيويورك تايمز» أن «ترامب» يواجه خطر الانزلاق إلى ما يُعرف بالحرب الأبدية، في ظل تعثر المسار الدبلوماسي، واستمرار التوتر حول مضيق «هرمز»، وتزايد الشكوك بشأن قدرة القوة العسكرية على تحقيق أهداف سياسية دائمة.
كما نقلت الصحيفة عن «علي واعظ» مدير مشروع إيران في مركز (مجموعة الأزمات الدولية)، قوله إن مذكرة التفاهم بين الجانبين لم تكن جسرًا نحو السلام، بل نظر إليها الطرفان باعتبارها استمرارًًا للحرب بوسائل أخرى؛ محذرًا من أن غياب استراتيجية طويلة المدى تفضي إلى تسوية مستدامة يهيئ الظروف التي تؤدي إلى حرب أبدية.
أما «لورنس فريدمان»، أستاذ دراسات الحرب في «كينجز كوليدج» بلندن، فقال للصحيفة إن القادة الذين يمتلكون جيوشاً قوية يقعون غالبًا فيما وصفه بوهم الحرب القصيرة؛ معتقدين أنهم قادرون على تحقيق نصر سريع دون عواقب.
واعتبر «فريدمان» أن «ترامب» في حرب «إيران»، وقع فيما وقعت فيه «روسيا» في حرب «أوكرانيا»؛ مرجحًا أن البلدين أخطآ في تقدير حدود القوة العسكرية، فوضعا أهدافًا لا يمكن تحقيقها؛ وحتى إن أمكن تحقيقها، فستكون عبر صراع طويل الأمد.
ثم أكد أن امتلاك الدول لأكثر الجيوش تطوراً لا يكفي وحده، إذا لم تقترن القوة العسكرية باستراتيجية تحول التفوق في ساحة المعركة إلى نجاح سياسي ودبلوماسي دائم.
وفي هذا السياق، علقت «نيويورك تايمز» أن حرب «إيران» تختلف عن الحربين الأمريكيتين في «أفغانستان، والعراق، وفيتنام»؛ مضيفة أن «إيران» تستطيع إلحاق أضرار اقتصادية مباشرة بالولايات المتحدة، من خلال تعطيل الملاحة في مضيق «هرمز»، ما يمنحها ورقة ضغط فعالة.
سيناريوهات مفتوحة.. والحسم بعيد
في غياب استراتيجية واضحة، اتفق المحللون على صعوبة الوصول إلى تسوية قريبة.
وفي هذا السياق، نقلت شبكة (CNBC) عن «مايك روزنبرج»، أستاذ الإدارة في كلية (IESE) للأعمال في «إسبانيا»، قوله إن العودة إلى الحرب تؤكد أن تفاهمات مذكرة «إسلام آباد» كانت غير واقعية؛ موضحًا أنه طالما سعى كل طرف إلى اتفاق يسمح له بإعلان النصر، فإنه لن تكون هناك نتيجة إيجابية في المستقبل القريب.
ورجح أن يكون أفضل سيناريو متاح، هو وقف إطلاق نار دائم ترعاه «باكستان»، دون أي ضمانات نووية، مع احتمال أن تؤجل الإدارة الأمريكية مثل هذا الاتفاق إلى ما بعد الانتخابات النصفية.
أما «أندرياس بوم»، المحاضر في العلاقات الدولية بجامعة «سانت جالن» السويسرية، فوصف الصراع بالمعقد؛ مرجحاً تحوله إلى حرب طويلة منخفضة الحدة، قد تكون واحدة من (الحروب الأبدية) التي تعهد «ترامب» بإنهائها.
وقال «بوم» إن «ترامب» بدأ الحرب دون هدف واضح، مما يجعل إنهاءها أكثر تعقيدًا؛ مضيفًا أن فتح «هرمز» بالقوة يتطلب عملية عسكرية واسعة النطاق لن يستطيع «ترامب» تسويقها للرأي العام الأمريكي؛ بينما قد يؤدي استهداف البنية التحتية الإيرانية إلى ردود تستهدف منشآت الطاقة في الخليج، مؤكدًا أن الدبلوماسية تبقى الطريق الوحيد، وإن أصبحت أكثر صعوبة.
من جانبها، رأت «سوزان مالوني»، مديرة برنامج السياسة الخارجية في معهد «بروكينجز» صعوبة شديدة في العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل الحرب؛ مؤكدة أن الافتراضات الخاطئة وسوء التقدير الأمريكي -مثلما حدث في العراق- غيّرا ميزان القوى في المنطقة.
كما اعتبرت أن عهد الملاحة الحرة بالكامل عبر مضيق «هرمز» قد يكون انتهى؛ وأن واقعاً جديداً سيظهر مع وجود عسكري أمريكي أكبر في المنطقة.
في النهاية، يبدو أن الصراع الأمريكي الإيراني دخل منعطفًا قد لا يعود منه إلى ما كان عليه. ليبقى السؤال الأصعب: هل يمتلك صناع القرار في «واشنطن»، و»طهران» ما يكفي من الحكمة لتجنب الانزلاق إلى حرب لا نهاية لها، أم أن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من الحروب الأبدية التي لا منتصر فيها؟
نقلًا عن مجلة روزاليوسف



