الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

اتخذ الاتحاد الأوروبي في الثالث عشر من يوليو الجاري 2026 قراراً مهماً بشأن تنظيم علاقة الأطفال بالثقافة الرقمية والشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي.

 

وتسعى أوروبا إلى تطبيق تدريجي للقرار وفق ما أعلنته أورسولا فون ديرلاين رئيسة المفوضية الأوروبية وهو يبدأ بمنع نهائي للأطفال دون الثالثة من التعرض للشاشات.

ثم من الثالثة إلى الثالثة عشرة يتم السماح للأطفال بالتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي والعالم الافتراضي تحت إشراف الوالدين أو المعلمين أو مسؤول الرعاية ولوقت محدد.

 

أما ما بعد الثالثة عشرة إلى نهاية الطفولة فالسماح بالمشاهدة يعتمد على إثبات تقدمه المنصات بأن المحتوى مناسب لمراهقين، وملائم للمرحلة العمرية.

 

وأضافت في رؤية قاطعة وواضحة بأن السماح لكبريات شركات التكنولوجيا بالوصول دون قيود، لن يؤدي إلا أن يحكم على جيل آخر بمزيد من الأذى النفسي والإدمان والبؤس.

 

وفي هذا إقرار بتعرض الجيل الحالي في معظمه من الشباب الذي قامت المنصات التكنولوجية بتربية وجدانهم وطريقة تفكيرهم وبعض من الجيل الذي سبقه لكثير من هذا الإدمان والبؤس، وربما يطال هذا البؤس عدداً لا بأس به من جيل زد بالتأكيد.  

 

وإذ أتابع بكل اهتمام مسألة الثقافة الرقمية وتأثيرها على ثقافة الطفل المصري والعربي بل وتأثيرها على الكبار محدودي الإطار المرجعي المعرفي والوجداني والسيطرة على تفكيرهم والتهام أوقات فراغهم والمساهمة في تعزيز الفردانية والانفصال النسبي عن التفاعل مع الواقع، فقد شكل لي هذا القرار يقيناً بخطورة الأمر، وربما كان على الجهات العاملة في ثقافة الطفل العربي وفي تعليمه وفي تربيته في المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني تأمل الإجراءات اللازمة والممكنة تجاه توعية جادة للأسرة المصرية والمعلمين بالتأكيد على خطورة هذا الشأن، وتأثيره على المستقبل القريب والبعيد معاً.

خاصة أن هذا الأمر يرتبط في مصر ومعظم الوطن العربي، خاصة الدول ذات الاستقرار الاقتصادي بمسألة المدارس الدولية والأجنبية المتعددة والتي أفرزت ظاهرة جديدة لدى المراهقين وطلاب الجامعات، وهي اتقان اللغة الإنجليزية أكثر من اتقان اللغة العربية الأم، مما دفع عددا من مؤسسات تعليم الفنون في عالمنا العربي إلى استخدام الإنجليزية والأساتذة الأجانب لتدريس الفنون الأدائية والتعبيرية، التي تعتمد بالأساس على طريقة التفكير باللغة العربية، فاللغة قبل أن تكون وسيلة للتواصل وللحافظ على الهوية هي طريقة في التفكير والتعبير.

فهل ننتبه إلى خطورة ربط جودة التعليم باللغة الإنجليزية وعدد من اللغات الأجنبية، خاصة في مجال تعليم الفنون.

حقاً أستشعر خطراً كبيراً في طريقتنا في نقل الثقافة من الواقع إلى العالم الافتراضي.

 

وفي معالجتنا لمسألة التحول الرقمي في عالم الثقافة والفنون، إذ نجحت شركات التكنولوجيا الكبرى عبر المنصات المتعددة في نقل الحضور الجماهيري في الفنون التعبيرية التي قامت على حساسية الحضور الجماعي للجمهور إلى عالم الغرف المغلقة، ولعل أخطر ما حدث جاء في مجال ثقافة الطفل.

 

ولذلك وعبر متابعتي لمبدأ التحول الرقمي في مسألة الثقافة وخطواته المتقطعة غير المتصلة سعياً إلى منافسة الشركات الكبرى الدولية في العالم الافتراضي، أستشعر قلقاً بالغاً نظراً لأن المقارنة بين الإمكانات التكنولوجية الهائلة وإحداثيات الذكاء الاصطناعي والصيغ التي نطرحها بطابع غير محترف التي تبدو لي أحياناً وكأنها محاولة لاستبدال الفعاليات الواقعية بأخرى افتراضية، وذلك دون تأمل لفلسفة العمل الثقافي الافتراضي الرقمي، مما يؤدي إلى تأكيد عدم التمكن من مسألة إدارة المحتوى ونشره على نطاق واسع لتحكم الشركات الكبرى الدولية في مسألة العالم الرقمي وإدارته، ولذلك تبقى المقارنة ليست في صالحنا.

 

وليس معنى هذا القلق هو إنتاج مخاطرة مغادرة العالم الرقمي وتركه بلا مساهمة فاعلة في عالم يتحول رقمياً بسرعة مذهلة، بل التفكير العلمي المحترف وتطبيقاته المنتظمة الجادة.

 

ولذلك فالدخول إلى عالم التحول الرقمي الثقافي الفني يحتاج إلى احتراف كبير، كما يحتاج لإيمان عميق بأن ممارسة الأفعال الثقافية على أرض الواقع لا تزال هي الأولوية الضرورية، خاصة في مجال ثقافة الأطفال.

وبالتأكيد في الفنون التعبيرية المصرية وصناعة النشر وكل الصناعات الثقافية.

 

هذا وقد أجرت الباحثة المشاركة د. إيما دوردن في جامعة ويسترن الكندية دراسة ذات صلة بعلم الأعصاب الثقافي عن نشاط الدماغ البشري أثناء النضوج وعبر طريقة عمل مراكز الإدراك والصفاء الذهني مع التعرض المنتظم للشاشات وبدونه، وقد لاحظت تحسناً ملحوظاً في مراكز الإدراك عند الامتناع لمدة أسبوعين متصلين عن التعرض لوسائل التواصل الاجتماعي، والأعداد اللانهائية من الصور والآراء والأفكار وما إلى ذلك.

 

وتقع تلك الجماعة في مدينة لندن في أونتاريو في كندا وهي جامعة من أقدم الجامعات في كندا وتأسست في عام 1878 وهي من الجامعات المهتمة بتطوير أجهزة قياس وقراءة عمل الدماغ البشري وصلته بعلم الأعصاب الثقافي الذي دعت لإنشاء وحدات دراسية خاصة به أ.د منى صفوت أستاذ المسرح واللغة الفرنسية بكلية الآداب جامعة عين شمس وأعدت مشروعاً متكاملاً لتطبيق هذا العلم الجديد بالتعاون مع كلية الطب وأقسام التكنولوجيا بالجامعة، وربما من الضرورة أن نسأل عن مشروعها العلمي، ومدى استجابتنا لدراسة علم الأعصاب الثقافي، لأنه العلم الذي يحلل كيف يتم تشكيل الإطار المرجعي العام للجمهور من الكبار والأطفال.

 

ولذلك فحسناً فعلت مفوضية الاتحاد الأوروبي لتذكرنا بضرورة تأمل ثقافة الطفل المصري في عالم يتحول رقمياً، وأيضاً وبقدر كبير متابعة تأثير هذا العالم الرقمي على تشكيل الإطار المرجعي للجماهير الكبيرة في مصر والوطن العربي.

 

ولعل تلك المسألة المزدوجة تبقى مطروحة كهدف مهم في الحوار العام الدائر في مصر الآن عن افتقادنا للمشروع الثقافي المتكامل، الذي يطالب به المجتمع المصري كما يطالب به أهل الثقافة والفنون.

 

أما ما هو مفارقة ساخرة جديرة بالذكر، أن تلك الأخبار الواردة هنا مصدرها مقاطع مصورة من مواقع محل ثقة بوسائل التواصل الاجتماعي.

تم نسخ الرابط