الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

لست أدرى أكان ذلك من قبيل المصادفة، أم من طبيعة الأشياء التى لا يتغير جوهرها وإن تبدلت صورها. فالجماعات التى تبنى على السرية - مثل جماعة الإخوان - لا تكاد تفارقها، ولو أتيح لها من العلانية ما لم يتح لغيرها. فالسرية، فى تقديرى، لم تكن يوما إجراء فرضته الظروف على جماعة الإخوان، وإنما كانت جزءا من بنيتها الفكرية والتنظيمية؛ فهى التى تحدد من يعلم، ومن يجهل، ومن يأمر، ومن ينفذ، وبها يصنع الهرم الذى لا ترى قاعدته قمته، ولا تعرف القمة من القاعدة إلا القدر الذى تريد لها أن تعرفه.


الجهاز السرى
 


وحين يُقرأ تاريخ جماعة الإخوان قراءة متصلة، بعيدة عن تجزئة الأحداث أو اجتزاء الوقائع، يتبين للقارئ أنها لم تكن يوما تنظيما واحدا بوجه واحد، بل كانت، منذ نشأتها، تنظيمين فى تنظيم واحد: تنظيم ظاهر يخاطب الناس بلغة الدعوة، وتنظيم خفي يتحرك بمنطق السلاح، لا يكاد يلتقى مع ذلك الخطاب المعلن إلا فى الاسم.
 


ولكى نفهم ما يجرى اليوم من نشاط عابر للحدود، تديره خلايا لا تكاد ترى، وتنسقه غرف عمليات موزعة بين أكثر من دولة، فلا بد أن نعود إلى تلك النواة الأولى التى عرفت باسم “التنظيم الخاص”؛ ذلك الجهاز السرى الذى تأسس فى أواخر الثلاثينيات وبدايات الأربعينيات، بمعزل عن البناء العلنى للجماعة، ليكون الذراع التى تُنفذ ما لا يستطيع التنظيم الظاهر أن يعلنه أو يتحمل تبعاته.
 


ومن ثم نشأت، فى كل جيل، عصابة تدير هذا التنظيم. وقد تتسع قمة هذه العصابة أحيانا، وقد تضيق أحيانا أخرى. ولذلك فإن البحث عن هذه العصابة، وعن الشبكات التى تدير اليوم ما يعرف بـ«العمل النوعي»، ليس بحثا فى ظاهرة جديدة، ولا فى انحراف فرضته ظروف سياسية طارئة، وإنما هو تتبع لخيط تاريخى ظل ممتدا عبر العقود، تتغير أسماؤه، وتتطور وسائله، بينما يحتفظ بمنطقه الداخلى وفلسفته التنظيمية.
 


وعندما قامت ثورة يونيو عام 2013، دخلت الجماعة اختبارا من نوع آخر. فسقوط حكمها فى مصر لم يكن، كما بدا للوهلة الأولى، نهاية لفصل من فصول الصراع، بل كان بداية لفصل أشد تعقيدا. فلم يعد السؤال: هل ستلجأ الجماعة إلى العنف؟ بل أصبح: كيف ستدير هذا العنف، وبأى يد، ومن خلف أى ستار؟
 


ومن رحم هذا التحول ظهرت منظومة «عصابة السبعة». وهى تسمية لا تعبر عن كيان تنظيمى معلن بقدر ما تمثل توصيفا تحليليا لنواة قيادية ضيقة تولت إدارة ما دعى فى أدبيات التنظيم بـ«العمل النوعي»، ومن رحمه خرجت تنظيمات مثل «حسم» و«لواء الثورة» وغيرهما من الخلايا المسلحة التى ارتكبت العديد من العمليات الإرهابية
 


 مكتب الإرشاد
 


واللافت أن هذه المنظومة أعدت لنفسها كيانا موازيا لمكتب الإرشاد، حتى أصبح قائدها هو المرشد الحقيقي. وكان هذا الرأس هو محمد كمال، مؤسس عصابة السبعة، الذى ابتكر نموذجا أكثر تعقيدا من النموذج القديم، يقوم على توزيع الوظائف بين التخطيط، والتمويل، والتعبئة الفكرية، والإعلام، والتنفيذ، بحيث لا يمتلك طرف واحد الصورة الكاملة لما يجري.
 


وبعد مقتل محمد كمال أثناء مواجهته قوات الأمن، برز اسم الطبيب يحيى موسى، ابن مدينة الزقازيق، وخريج كلية الطب بجامعة الأزهر، الذى أصبح، فيما بعد، الآمر الناهى فى حركة “حسم”، حتى عرف بين عناصرها باسم حركى هو “أبو بصير”، أما فى السنوات الأولى التى أعقبت ثورة يونيو، فقد استخدم عددا من الأسماء الحركية، مثل “صن رايز” و”دكتور بيج”، ويبدو أنه كان، فى تلك المرحلة، مولعا باستعمال الأسماء ذات الطابع الغربي.
 


ومن الغريب أن هذا الرجل كان يحمل شخصيتين، تماما كما حمل تنظيم الإخوان وجهين. فكل من عرفه عن قرب وصفه بأنه هادئ الصوت، دائم الابتسامة، محبوب بين جيرانه ومرضاه، لا يكاد يغضب، ولا يعرف عنه انفعال أو حدة. غير أن هذا الهدوء نفسه كان غطاء يخفى وراءه قرارات دموية تتخذ ببرود كامل، من غير أن يبدو عليه أدنى شعور بالذنب، حتى إنه كان يوجه الأذى إلى غيره بالنبرة نفسها التى يلقى بها السلام على الناس.
 


والخطورة الحقيقية فى شخصيته لا تكمن فى أنه كان يخفى شرا خلف مظهر من الخير، بل فى أنه، على ما يبدو، لم يكن يشعر أصلا بالفارق بينهما. فالوجهان عنده كانا متوافقين، لا متناقضين، وذلك هو ما يجعل هذا النمط من الشخصيات أشد إثارة للقلق من الشرير الذى يدرك أنه يرتكب شرا.
 


وقد كان ليحيى موسى دور محورى فى إدارة ملف «العمل النوعي»، وفى الربط بين القرار التنظيمى والتنفيذ الميداني. وارتبط اسمه بعدد من القضايا الكبرى، من بينها قضية اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات، ومحاولة اغتيال اللواء محمد إبراهيم، وزير الداخلية الأسبق.
 


وإلى جواره، لا بمعزل عنه، برز اسم علاء السماحى، ابن محافظة الغربية، الذى تشابهت ملامح دوره مع دور يحيى موسى إلى حد كبير. وليس غريبا أن يجتمع أصحاب الفكر الواحد على المنهج نفسه، فقد وضع السماحى نفسه فى موضع التابع الأمين ليحيى موسى، وأصبح أحد أبرز المسئولين عن إدارة الخلايا النوعية، وتمويلها، والإشراف على خيوط التواصل مع عناصرها من خارج البلاد.
 


وثالثهم أحمد عبد الرحمن، الطبيب الذى أطلق عليه يحيى موسى لقب “المهندس الاستراتيجي”. ولم يكن أحمد عبد الرحمن ليصعد داخل الصف الإخوانى لولا ما عرف به من انضباط شديد فى السمع والطاعة، ثم انحيازه إلى محمد كمال، وارتباطه الوثيق بيحيى موسى، ليصبح الضلع الثالث، والأكثر عمقا، فى هذه المنظومة.
 


وتولى أحمد عبد الرحمن، خلال مرحلة الهروب الأولى، مسئولية مكتب الإخوان فى الخارج. ولم يقتصر دوره على التنسيق الإدارى، بل أشرف على إعادة هيكلة التنظيم بما يتناسب مع مرحلة العنف. وبمرور الوقت، تحول إلى الشخص الذى يمنح هذه الأنشطة مشروعية داخل أروقة التنظيم، محولا إياها من عمل إجرامى، فى نظر خصومه، إلى ضرورة تنظيمية فى نظر أتباعه.
 


 تنظيم مسلح بغطاء فكرى
 


لكن هذه المنظومة لم تكن منظومة عسكرية فحسب؛ فكل تنظيم مسلح يحتاج إلى من يبرر له حمل السلاح، ويمنحه غطاء فكريا، ويحول القاتل، فى نظر أتباعه، إلى مجاهد.
 


ومن هنا ظهر جناح التنظير، الذى سعى إلى إعادة تفسير تاريخ الجماعة بما يجعل العمل المسلح امتدادا طبيعيا لمسيرتها. ويبرز فى هذا الإطار اسم عصام تليمة بوصفه «مفتى الميدان»، وصاحب الغطاء الشرعى الذى استندت إليه اللجان النوعية فى تسويغ أفعالها. فقد كرس حضوره الإعلامى، ودروسه المنهجية، لإعادة تفسير مفاهيم الجهاد والمقاومة بما يتفق مع استراتيجيات العنف، ولعب دورا محوريا فى تحويل العمليات المسلحة، فى نظر أتباع التنظيم، من مجرد استهدافات أمنية إلى فعل يمنح منفذيه صفة المدافع عن العقيدة، مستغلا خلفيته الأزهرية، وقربه السابق من يوسف القرضاوي. ومن خلال خطاب عاطفى مشحون بالمظلومية، عمل على سد الفجوة الأخلاقية لدى الكوادر الميدانية، محولا صراعهم السياسى مع الدولة إلى مواجهة وجودية لا تقبل المهادنة.
 


وعلى الضفة الأخرى، يتولى الهارب المتحذلق محمد إلهامى مهمة تطويع التاريخ، ومنحه صبغة أيديولوجية تخدم أهداف التنظيم. فهو لا يقرأ الماضى لذاته، وإنما يستدعى منه النماذج والوقائع التى يراها صالحة لتبرير استمرار الصدام. ويقوم دوره على تأصيل العنف، عبر ربط العمليات النوعية بسياقات تاريخية، وتصويرها بوصفها امتدادا لصراع متصل بين أهل الحق وخصومهم، مقدما بذلك رواية فكرية تسعى إلى إضفاء المشروعية على استمرار المواجهة.
 


ثم يأتى رضا فهمى، عضو مجلس الشورى السابق، ليمثل الواجهة السياسية والبرلمانية التى تضفى على المنظومة طابعا مؤسسيا. ويتمثل دوره فى تقديم خطاب سياسى موجه إلى الخارج، يسعى إلى تصوير تحركات الجماعة باعتبارها خيارا سياسيا، لا مجرد تحركات لتنظيم يتبنى العنف. ومن خلال موقعه، عمل على مخاطبة المجتمع الدولى، ومحاولة استجلاب ضغوط خارجية على الدولة المصرية، مستثمرا رصيده السياسى فى منح شرعية لرواية الجماعة، والسعى إلى نقل أنشطتها من دائرة التجريم الأمنى إلى دائرة المعارضة السياسية فى نظر المتلقى الخارجي.
 


أما التمويل والاتصالات الخارجية، فقد شكلا العمود الفقرى لاستمرار هذه المنظومة، إذ لم تعد الخلايا تعتمد على الموارد المحلية وحدها، وإنما أصبحت جزءا من شبكة عابرة للحدود تدار من الخارج. ويبرز فى هذا السياق أحمد عبد العزيز، الذى تولى هذا الملف مستفيدا من شبكة علاقاته الواسعة لضمان استمرار الدعم المالى واللوجستي. وقد اعتمدت المنظومة، فى هذه المرحلة، على وسائل اتصال حديثة، وتحويلات مالية غير تقليدية، عبر وسطاء وشبكات خارجية.
 


إن أخطر ما فى هذه العصابة ليس عدد أفرادها، وإنما الطريقة التى قسمت بها الأدوار، بحيث تتوزع الوظائف، بينما يظل الهدف واحدا: إنهاك الدولة، وإرباك مؤسساتها، عبر العنف المنظم.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط