الإثنين 10 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

لا يمكن لأى دولة فى العالم أن تدّعى احترامَ القانون أو ترسيخ مبادئ العدالة؛ دون أن تكون لأحكام قضائها الكلمة الأخيرة والفاصلة فى النزاعات؛ لأن قوة الدول لا تقاس فقط بسَن القوانين؛ وإنما بقدرتها على احترام أحكام القضاء وتنفيذها، فالحكم القضائى البات ليس مجرد ورقة تحمل توقيع قاضٍ؛ بل هو تجسيد للعدالة ولسيادة القانون فوق الجميع؛ أفرادًا كانوا أو مؤسّسات، حكومات أو هيئات. وهنا فقط تكتمل رسالة القضاء عندما تحظى هذه الأحكام بالاحترام والتنفيذ، باعتبارها التعبير العملى عن سيادة القانون وهيبة الدولة. ولهذا تمثل أحكام القضاء الركيزة الأساسية التى تقوم عليها دولة القانون، فهى ليست مجرد قرارات تصدر لإنهاء الخصومات بين الأطراف؛ وإنما عنوان للحقيقة القانونية التى توصل إليها القاضى بعد فحص الأدلة وسماع الدفوع وتطبيق صحيح القانون على الوقائع المعروضة أمامه. ومن هنا جاءت فكرة (حجية الأحكام القضائية) باعتبارها أحد أهم المبادئ التى تحافظ على استقرار المعاملات وتحمى المجتمع من استمرار النزاعات إلى ما لا نهاية. ولعل قضية وزيرة الثقافة السابقة، التى قدمت استقالتها احترامًا لتلك (الحجية) لخير دليل على ذلك. من حيث الأثر القانونى الذى يمنع إعادة طرح النزاع ذاته أمام القضاء مرة أخرى بين الخصوم أنفسهم،  أو حتى بين الموالين أو المتعاطفين مع هذا أو ذاك ، بذات الموضوع والسبب، وذلك احترامًا لما انتهى إليه الحكم البات. وحتى لا تفقد الأحكام القضائية قيمتها، وتصبح رهينة لجدل وتساؤلات ليس لها من معنى؛ ليتحقق الأمن القانونى لدولة المؤسّسات وللمجتمع بأكمله. بحيث يطمئن الأفراد والمستثمرون والمؤسّسات إلى أن الحقوق التى تثبتها الأحكام؛ لن تكون محل نزاع دائم أو إعادة نظر بلا حدود زمنية أو قانونية.
 


ولهذا تبقى حجية الأحكام القضائية أحد أهم الضمانات التى تحمى الحقوق، وتصون الاستقرار وتؤكد أن العدالة لا تكتمل بمجرد صدور الحكم؛ وإنما باحترامه والالتزام بما جاء فيه.
 


وفى المقابل؛ فإنّ مبدأ حجية الأحكام لا يعنى العصمة من الخطأ، لذلك حرصت التشريعات الحديثة، على إقرار درجات متعددة للتقاضى وطرُق متنوعة للطعن؛ ضمانًا لتحقيق العدالة وتصحيح ما قد يشوب الأحكام من قصور، أو خطأ فى التطبيق أو التقدير. لكن هذه الضمانات وشروطها تنتهى عند نقطة معينة، بمجرد استنزاف كل درجات التقاضى. بعدها مباشرة تبدأ مرحلة الاستقرار القانونى، التى يصبح فيها الحكم عنوانًا للحقيقة القضائية وواجب النفاذ والاحترام. ولذا لا يعد الحكم القضائى البات مجرد رأى قابل للأخذ والرد، ولا اجتهادًا يجوز تجاهله متى تعارَض مع المصالح أو الأهواء، أو ورقة تمهر بتوقيع قاضٍ من فوق منصة القضاء؛ بل هو عنوان الحقيقة القانونية التى توصل إليها القضاء، بعد فحص الوقائع وسماع الدفاع وموازنة الأدلة وتطبيق القانون.
 


ولعل أخطر ما يمكن أن تواجهه المجتمعات هو التشكيك المستمر فى الأحكام الباتة أو السعى للالتفاف عليها أو تعطيل تنفيذها؛ لأن ذلك لا يهدم حقًا فرديًا فحسب؛ بل يهز الثقة فى منظومة العدالة بأكملها. فالدولة التى لا تنفذ فيها الأحكام القضائية أو لا تحترم فيها حجيتها؛ تفتح الباب أمام الفوضى القانونية وتغليب موازين القوة والنفوذ على ميزان العدالة. وهذا بالمناسبة ذات النهج والأسلوب الذى تتبعه جماعة الإخوان الإرهابية، حتى تبرّر جرائمها التى ارتكبتها فى حق الشعب المصرى، تفعل ذلك لدعم موقفها التاريخى وخطابها القائم على (المظلومية)، وتأكيدًا لشرعية موقفها أمام قواعدها الشعبية وأنصارها فى الداخل والخارج، لهذا تدّعى زورًا وبهتانًا أن المنظومة القضائية فى مصر أصبحت خاضعة للسُلطة التنفيذية، وتصف قرارات المحاكم بأنها أحكام (مُسَيسة) صدرت فى سياق يفتقر لمعايير المحاكمات العادلة أو المستقلة. وتمثل استهدافًا ممنهجًا لوجودها ومشروعها. وهذا تحديدًا ما لا يمكن أن يحدث فى مصر؛ بعد أن افتضح أمرهم، والتفافًا على الأسُس والنظم القانونية التى أسّس قواعدها  مُشَرّعو مصر العظام، التى تؤكد مبدأ حجية الأحكام القضائية، ليكون نظامًا عامًّا، لا يجوز الاتفاق على مخالفته؛ لأن الغاية منه لا تتعلق بمصلحة الخصوم وحدهم؛ بل بمصلحة المجتمع بأسْره فى استقرار المعاملات وحماية الحقوق ومنع تضارب الأحكام. نظام يجد طريقه إلى التنفيذ، مؤكدًا أن القانون فوق الجميع، وبلا استثناء، وأن العدالة لا تتحقق فقط داخل قاعات المحاكم؛ بل تكتمل باحترام الكلمة الأخيرة التى يقولها القضاء.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط