الأهرامات على الشاشة الكبرى.. كيف تخدم السينما العالمية السياحة المصرية؟
أعادت جولة الممثل الإسباني بيدرو ألونسو، المعروف عالميًا بتجسيد شخصية "برلين" في مسلسل La Casa de Papel، تسليط الضوء على قدرة مصر على جذب النجوم وصناع السينما من مختلف أنحاء العالم، وتحويل مواقعها الأثرية والسياحية إلى مادة بصرية تصل إلى ملايين المتابعين.
ووصل ألونسو إلى القاهرة خلال يونيو 2026 للمشاركة في تصوير مسلسل "الأمير" مع الفنان أحمد عز، لكنه استثمر وجوده في القيام بجولة بين المعالم المصرية، ونشر عبر حساباته صورًا لقطع أثرية ومواقع تاريخية، معبرًا عن انبهاره بالحضارة المصرية.
وبذلك تحولت الزيارة من مهمة فنية إلى حملة ترويج سياحي تلقائية يقودها أحد أشهر نجوم الدراما الإسبانية.
ولا تمثل زيارة "برلين" واقعة منفصلة، فقد سبقه خلال الفترة نفسها الممثل الأمريكي مارتن لورانس، الذي نشر صورًا من منطقة أهرامات الجيزة، ووصف زيارته الأولى للقاهرة بأنها تجربة لا تُنسى، مشيدًا بحفاوة استقبال المصريين والطاقة التي شعر بها خلال جولته.
وتكشف مثل هذه الزيارات عن القيمة الترويجية الكبيرة التي تحققها جولات المشاهير عندما ينقلون معالم مصر مباشرة إلى جماهيرهم حول العالم.
وتملك مصر تاريخًا طويلًا مع السينما العالمية؛ ففي عام 1954 صُورت مشاهد من الفيلم الأمريكي Valley of the Kings وسط المواقع الأثرية المصرية، مقدمًا وادي الملوك ومعابد الأقصر بوصفها مسرحًا طبيعيًا للمغامرة والبحث الأثري. ثم جاء فيلم Cleopatra عام 1963 ليعزز الارتباط بين مصر وصورة الحضارة الفرعونية في السينما الغربية، وإن كانت أجزاء كبيرة منه قد نُفذت داخل استوديوهات خارج مصر.
وفي سبعينيات القرن الماضي، ظهرت القاهرة والأقصر وأبو سمبل في فيلم جيمس بوند The Spy Who Loved Me، الذي صُورت مشاهده المصرية عام 1976 في مواقع شملت معبد الكرنك، ومسجد أحمد بن طولون، ومتحف جاير أندرسون، وأبو سمبل، إلى جانب الأهرامات وأبو الهول.
وقدم الفيلم هذه المواقع إلى جمهور عالمي ضمن قصة مليئة بالمطاردات والتجسس، لتصبح المعالم المصرية جزءًا أساسيًا من الأحداث، لا مجرد خلفية لها.
وفي عام 1978، جاء الفيلم الشهير Death on the Nile، المأخوذ عن رواية أجاثا كريستي، ليعرض رحلة نيلية تمر بمواقع الأقصر وأسوان والمعابد المصرية.
وأسهم الفيلم في ترسيخ صورة الرحلات النيلية والفنادق التاريخية والمعابد القديمة بوصفها جزءًا من التجربة السياحية المصرية، قبل أن تواصل أعمال أخرى، مثل Gallipoli وMalcolm X، الاستفادة من المواقع المصرية في تصوير أحداث تاريخية مختلفة.
ومع تطور تقنيات السينما، استعادت مصر حضورها في أفلام الأكشن ذات الميزانيات الضخمة؛ فقد صُورت مشاهد من فيلم Transformers: Revenge of the Fallen عام 2009 بالقرب من أهرامات الجيزة وفي الأقصر، مستفيدة من الطابع البصري الفريد للآثار المصرية في بناء المواجهة النهائية للفيلم.
وتجدد الزخم خلال السنوات الأخيرة مع تصوير أجزاء كبيرة من الفيلم الأمريكي Fountain of Youth في مصر على مدار 21 يومًا، بعد ثلاثة أشهر من التحضيرات والمعاينات.
وشملت المشاهد منطقة الأهرامات، ومطاردات بالسيارات، وتفجيرات، واستخدام طائرات هليكوبتر، وسط تنسيق بين لجنة مصر للأفلام ووزارتي السياحة والآثار والداخلية.
ويمنح تصوير الأعمال العالمية في مصر الاقتصاد أكثر من مجرد الدعاية السياحية؛ فهو يوفر فرص عمل للفنيين، ويزيد الإنفاق على الفنادق والنقل والخدمات، ويسهم في جذب العملة الأجنبية.
كما أقرت الحكومة، في نوفمبر 2025، لائحة لتنظيم التصوير الأجنبي، تتضمن نافذة رقمية موحدة لاستخراج التصاريح، وتقديم الدعم اللوجستي، والتنسيق مع الجهات الرسمية، بما يقلل العقبات التي واجهت بعض المنتجين سابقًا.
وهكذا، تبدو مصر مؤهلة لاستعادة مكانتها بوصفها استوديو طبيعيًا مفتوحًا يجمع بين الآثار والصحراء والنيل والمدن التاريخية والسواحل. وكلما ظهرت هذه المواقع في فيلم عالمي أو على حساب أحد النجوم، مثل بيدرو ألونسو، تحولت الكاميرا إلى أداة ترويج سياحي تتجاوز في تأثيرها كثيرًا من الحملات الإعلانية التقليدية.



