الثلاثاء 11 أغسطس 2026
رئيس مجلس الإدارة
هبة صادق
رئيس التحرير
أحمد إمبابي

محمد معيط لـ«روز اليوسف»

القاهرة صاحبة قرار إنهاء برنامج «صندوق النقد»

بوابة روز اليوسف

جاءت توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي، بتشكيل رؤية وطنية متكاملة لما بعد انتهاء برنامج صندوق النقد الدولى؛ لتعكس إرادة الدولة فى تعزيز الاستقلالية الاقتصادية، وتحقيق التوازن بين الطموحات التنموية والتحديات الجيوسياسية والاضطرابات الإقليمية التى تفرض ضغوطاً غير مسبوقة على الاقتصاد العالمى، فضلاً عن ترسيخ دعائم «اقتصاد مرن» يحمى مكتسبات الإصلاح الاقتصادى، ويضمن حماية الفئات الأولى بالرعاية، ويوفر بيئة مناسبة لنمو القطاع الخاص، مما يحقق استدامة مالية تضع الاقتصاد المصرى على مسار نمو ذاتى وقوى. 


من جانبه؛ أكد الدكتور محمد معيط، المدير التنفيذى للمجموعة العربية لدى صندوق النقد الدولى، لـ«روزاليوسف»، أن القاهرة هى صاحبة القرار بمجرد الانتهاء من البرنامج الحالى مع صندوق النقد؛ خصوصًا أن البرنامج سيحقق مستهدفاته وأهدافه وتحصل مصر على التمويل المتبقى المتاح لها حتى نهاية ديسمبر والمقدر بنحو ٣،٥ مليار دولار عبر برنامجىّ «التمويل الممدد» و«الصلابة والاستدامة»، وذلك من خلال المراجعتين السابعة والثامنة، فضلاً عن أن البرنامج الجديد لمرحلة ما بعد الصندوق ستقرره القاهرة.
 


وحسم «معيط» الجدل حول طلب مصر تمويلاً جديدًا من الصندوق؛ حيث قال إن الرئيس عبدالفتاح السيسي؛ حسم هذا الأمر بشكل قاطع بالتأكيد على عدم وجود أى برنامج تمويل جديد، لكن ستظل العلاقة ممتدة مع الصندوق، مشدداً على أن الحديث عن برنامج جديد سابق لأوانه، وأن القرار فى النهاية يعود إلى الدولة المصرية وحدها، وذلك وَفْقًا لاحتياجاتها الاقتصادية فى ذلك التوقيت؛ خصوصًا أن عضوية مصر فى صندوق النقد تضمن استمرار التعاون الفنى ومشاورات المادة الرابعة، سواء كان هناك برنامج تمويلى أم لا.
 


وكانت الحكومة قد وضعت خطتها لتنفيذ استدامة للإصلاحات الاقتصادية؛ حيث تستهدف الخطة تحقيق معدل نمو اقتصادى حقيقى يبلغ %5.4 خلال العام المالى 2026/ 2027 وصولاً إلى %6.8 بنهاية عام 2029/ 2030 لتحقيق التوازن بين الطموح التنموى والواقعية الاقتصادية، كما تستهدف زيادة نصيب الفرد من الناتج المحلى الإجمالى الحقيقى بمعدل يقارب %4 فى العام المالى 2026/ 2027 ليصل إلى نحو %5.4 بنهاية المدى المتوسط.
 


كما تستهدف الخطة رفع معدل الاستثمار إلى الناتج المحلى الإجمالى إلى نحو 17% خلال العام المالى 2026/ 2027 (مقابل نحو %14.5 فى العام المالى الجارى)، مع تصاعده تدريجيًا إلى %19.6 بنهاية المدى المتوسط فى عام 2029 /2030، بالتوازى مع زيادة معدل الادخار المحلى من نحو %10.5 فى العام المالى 2026/ 2027 إلى %14.6 بنهاية المدى المتوسط، بما يسهم فى تضييق فجوة الموارد لتصل إلى نحو %5 فى عام 2029/ 2030.
 


رؤية متكاملة 
 


قدّم الدكتور محمد معيط، رؤية متكاملة لبرنامج اقتصادى وطنى يقوده القطاع الخاص، ويستند إلى ما تحقق من استقرار اقتصادى خلال السنوات الماضية؛ تمهيدًا للانتقال إلى مرحلة جديدة عنوانها التنمية المستدامة.
 


وأوضح «معيط»، أن الرئيس عبدالفتاح السيسي رسم بالفعل ملامح هذه المرحلة، التى تستهدف الانتقال من التركيز على استعادة الاستقرار الاقتصادى الكلى إلى بناء اقتصاد أكثر قدرة على النمو والإنتاج والتصدير، مع استمرار الإصلاحات التى بدأتها الدولة خلال السنوات الماضية.
 

 

 لا نهاية للإصلاح
 


رفض «معيط»، الربط بين انتهاء برنامج التعاون الحالى مع صندوق النقد وبين توقف الإصلاح الاقتصادى، مؤكدًا أن البرنامج الحالى، الممتد لأربع سنوات، ينتهى فى ديسمبر 2026، بينما تجرى حاليًا الاستعدادات لاستكمال المراجعتين السابعة والثامنة، باعتبارهما الخطوة الأخيرة فى تنفيذ الاتفاق القائم.
 


واستشهد بتجربة عام 2019، عندما واصلت مصر تنفيذ برنامجها الإصلاحى دون الحصول على تمويل جديد، قبل أن تدفعها التداعيات الاستثنائية لجائحة كورونا إلى العودة لطلب تمويل طارئ فى عام 2020.
 


 القطاع الخاص يقود النمو
 


كما كشف «معيط»؛ أن البرنامج الاقتصادى الوطنى المرتقب يقوم على فلسفة مختلفة، تعتمد على تمكين القطاع الخاص ليصبح المحرك الرئيسى للنمو الاقتصادى؛ انطلاقًا من قدرته على الإدارة والتشغيل وجذب الاستثمارات، بما يحقق معدلات نمو أعلى وأكثر استدامة.
 


وأضاف: إن الدولة ستواصل دورها فى تهيئة البيئة التشريعية والاستثمارية، بينما يتولى القطاع الخاص قيادة النشاط الاقتصادى فى مختلف القطاعات، بما يسهم فى زيادة الإنتاج، ورفع معدلات التصدير، وتوفير فرص العمل، وتعزيز تنافسية الاقتصاد المصرى.
 


ولفت إلى؛ أنّ زيادة مساهمة القطاع الخاص فى تمويل وتنفيذ المشروعات التنموية ستخفف الأعباء عن الموازنة العامة، وتحد من نمو الدين العام، وتتيح للدولة توجيه موارد أكبر إلى قطاعات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية.
 


 الإنتاج والتصدير.. عنوان المرحلة الجديدة
 


ووفقًا لرؤية «معيط»؛ فإنّ البرنامج الوطنى الجديد يرتكز على مجموعة من الأولويات، فى مقدمتها دعم الصناعة المحلية، وتعميق التصنيع، وزيادة الصادرات، وترشيد الواردات، بما يسهم فى تعزيز موارد الدولة من النقد الأجنبى وتقليل الضغوط على ميزان المدفوعات.
 


وأشار إلى أن استمرار نمو الصادرات، وتعافى إيرادات قناة السويس، وزيادة أعداد السائحين، وارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج؛ تمثل جميعها مصادر رئيسية لزيادة النقد الأجنبى، بما يقلل الحاجة إلى الاقتراض الخارجى ويدعم استقرار الاقتصاد.
 


 التضخم.. المعركة الأولى
 


ووضع «معيط»؛ مكافحة التضخم فى صدارة أولويات المرحلة المقبلة لما يسببه من تآكل الدخول وارتفاع تكلفة المعيشة وزيادة أعباء التمويل على الدولة والقطاع الخاص.
 


وشدّد على أن استمرار التنسيق بين الحكومة والبنك المركزى للوصول إلى مستهدف التضخم البالغ 7 % (±2%) سيتيح خفض أسعار الفائدة تدريجيًا، وهو ما ينعكس مباشرة على انخفاض تكلفة الاقتراض، وزيادة الاستثمارات، وتحفيز الإنتاج والصادرات.
 


مرونة سعر الصرف.. صمام الأمان
 


ويرى «معيط»؛ أنّ التجربة الأخيرة، فى ظل الحرب الإقليمية والتوترات الجيوسياسية؛ أثبتت أهمية استمرار سياسة سعر الصرف المرن، التى ساعدت الاقتصاد المصرى على امتصاص الصدمات والحفاظ على توازن الأسواق.
 


وشدّد على أن تنمية الاحتياطى النقدى الأجنبى، إلى جانب مرونة سعر الصرف، يمثلان أحد أهم عوامل تعزيز الثقة فى الاقتصاد المصرى وقدرته على مواجهة الأزمات الخارجية.
 


وفى السياق ذاته؛ قَلل «معيط» من المخاوف المرتبطة بما يعرف بـ«الأموال الساخنة»، معتبرًا أن التركيز ينبغى أن ينصب على الأساسيات الاقتصادية، وفى مقدمتها السيطرة على التضخم، والحفاظ على مرونة سعر الصرف، وبناء احتياطى قوى من النقد الأجنبى، وهى الضمانة الحقيقية لاستقرار الاقتصاد.
 


 خدمة الدين.. التحدى الأكبر
 


ورغم تأكيده أن مصر تحقق فائضًا أوليًا فى الموازنة العامة؛ أشار «معيط» إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة عالميًا أدى إلى زيادة تكلفة خدمة الدين، وهو ما يلتهم هذا الفائض ويحد من قدرة المالية العامة على تحقيق فائض كلى.
 


وشدّد على أن انخفاض معدلات التضخم وأسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة سيؤدى تلقائيًا إلى خفض تكلفة خدمة الدين، وتحسين أوضاع الموازنة العامة، وتقليل الضغوط المالية على الدولة.
 


 الاستثمار فى الإنسان
 


ولا تقتصر رؤية ما بعد صندوق النقد على المؤشرات الاقتصادية فقط؛ إذ أكد «معيط» أن التنمية البشرية ستكون أحد المحاور الرئيسية للبرنامج الوطنى، من خلال استمرار الاستثمار فى التعليم، والرعاية الصحية، وبرامج الحماية الاجتماعية، باعتبارها أدوات أساسية لتحقيق نمو اقتصادى شامل ومستدام.
 


مرحلة جديدة
 


وقال «معيط»: إن حالة عدم اليقين والصدمات الخارجية المتكررة أصبحت شيئًا أساسيًا فى التخطيط الاقتصادى وقياس القدرة على الصلابة والاستدامة للاقتصاد على مدى المساحة الموجودة به، ومدى القوة والقدرة على امتصاص الصدمات والتعامل معها، دون أن يكون لها تاثير سلبى يؤدى إلى تدهور الاستقرار الاقتصادى للدول، لذلك نحن أمام مرحلة جديدة.
 


وبينما يقترب برنامج صندوق النقد الدولى من محطته الأخيرة، تبدو الرسالة الأبرز أن مصر لا تستعد لمرحلة ما بعد الصندوق بقدر ما تستعد لمرحلة ما بعد الإصلاح التقليدى، عبر برنامج اقتصادى وطنى يراهن على زيادة الإنتاج وتعزيز الصادرات وجذب الاستثمارات وبناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الصدمات وتحقيق التنمية المستدامة.

 

نقلًا عن مجلة روزاليوسف

تم نسخ الرابط